السودان الجديد.. من جون قرنق إلى عمر البشير - محمد أبو الفضل

المتواجدون الأن

90 زائر، ولايوجد أعضاء داخل الموقع

القنوات

   

Flag Counter

primi sui motori con e-max.it

السودان الجديد.. من جون قرنق إلى عمر البشير - محمد أبو الفضل

 

 

التطورات المتلاحقة في المنطقة فرضت على الكثير من الأنظمة العربية تطوير رؤيتها ومحاولة التأقلم مع المستجدات، فلم تعد النظرة المحلية التقليدية إلى القضايا السياسية والأمنية والاقتصادية تصلح للتكيف مع ما يجري من تحركات متسارعة هنا وهناك، وبدأ السودان مثلا يجتهد ليتواءم مع ما يجري من متغيرات ليجد قادته لهم مكانا تحت الشمس.

لم تعد الخرطوم تلك العاصمة التي تفخر بأنها ملاذ للكثير من الجماعات المتطرفة، ولم يجد النظام الحاكم حرجا في إرسال إشارات متقطعة بشأن فك ارتباطه بالحركة الإسلامية، وأخذ الرئيس عمر حسن البشير يتخلى عن التصاقه بقيادات التيار الإسلامي ويشق لنفسه اتجاها يميل ناحية المؤسسة العسكرية التي ينحدر منها، وكلها علامات لم تكن موجهة للداخل فقط، بل حملت مضامين ودلالات لها علاقة بالخارج.

السودان نجح في ضخ مياه كثيفة في هذه القنوات، ولم يعد يتشبث برؤاه في ما يتعلق بالحروب المنتشرة في ربوع أراضيه، ويخفف من حدة الأدوات العسكرية، عندما وصلته رسائل من جهات غربية، تشي بأن هناك فرصة لإعادة النظر في المواقف التقليدية، التي أدت إلى فرض عقوبات أميركية اقتصادية عام 1997، بعد وضعه قبل ذلك بأربع سنوات ضمن القائمة السوداء للدول الداعمة للإرهاب وتضم أيضا سوريا وإيران.

هناك نقاط إيجابية كثيرة ظهرت في سجل علاقات السودان بقوى إقليمية ودولية، ونجحت الخرطوم في الاستفادة منها، ووجدتها فرصة لغلق السجل القاتم السابق الذي وضعها ضمن زمرة العواصم المشاغبة والفاشلة، وهو ما اضطر النظام الحاكم إلى إدخال تعديلات على خطابه السياسي والتخفيف من المناورات التي درج على تبنيها في مقاربات مختلفة، ومكنته في لحظات معينة من الصمود أمام جملة من التحديات.

هذه السياسة لم تعد مجدية الآن، ومن الضروري تطويرها بما يتناسب مع المتغيرات في المشهد الدولي، الذي وجدت بعض قواه الرئيسية إمكانية في إعادة تأهيل السودان، ومن المهم أن تحدث استدارة أو تفاهم حتى لا يستمر الفشل وتكون له انعكاسات إقليمية خطرة على السلم والأمن الدوليين، ويتسبب السودان بحجمه الجغرافي الممتد وأقاليمه الحافلة بالحروب وحدوده المفتوحة على تسع دول جوار، في المزيد من الفوضى والانفلات في منطقة معروفة بهشاشتها الأمنية والاجتماعية والاقتصادية.

الولايات المتحدة بعثت برسائل تفيد بأنها معنية بإعادة تأهيل السودان، وحاولت استعادته قبل أن تختطفه قوى منافسة، مثل الصين وروسيا، وتختل بعض التوازنات الإقليمية وتتأثر معادلات دولية تسعى واشنطن إلى محاولة ضبطها لصالحها.

وقبل أيام قليلة من رحيل إدارة الرئيس الأميركي السابق باراك أوباما قدمت واشنطن للخرطوم هدية لا تخلو من دلالات ومعان سياسية، تكمن في وعد مباشر برفع العقوبات الاقتصادية في شهر يوليو الماضي.

وسط الحمى التي اجتاحت العالم عقب انتخاب دونالد ترامب خلفا للديمقراطي باراك أوباما، توقع كثيرون ألا يلتزم الرجل بوعد سلفه مع السودان، وعندما قام بتأجيل إعادة النظر من يوليو إلى أكتوبر الماضي، بدا الموقف كأن هناك نصف تفاؤل ونصف تشاؤم، ومع حلول الموعد الجديد قرر ترامب فعلا فتح صفحة مع الخرطوم، وهنا بدا رفع العقوبات رسالة سياسية أكثر منه اقتصادية، معناها أننا على وشك سودان جديد.

الاختبار الأميركي الأول (رفع العقوبات) للنظام الحاكم في الخرطوم مر بسلام، وحان التجهيز للمرحلة الثانية الخاصة برفع اسم السودان من القائمة السوداء. وبين المرحلة الأولى وبداية الثانية تواصلت الزيارات والمحادثات بين البلدين، ونتائجها الإجمالية تميل حتى الآن ناحية سريان الأمور بصورة إيجابية، والسودان أصبح قاب قوسين أو أدنى للخروج من الشرنقة التي قبع فيها نحو ثلاثة عقود.

كانت الخرطوم اتفقت مع واشنطن على خطة للحوار بينهما، تتضمن رفع اسم السودان من قائمة الدول الراعية للإرهاب، وإعفاءه من ديونه، وانضمامه إلى منظمة التجارة العالمية، مقابل التزامه بعدم انتهاك الحريات الدينية وحقوق الإنسان ومقاطعة كوريا الشمالية. وقال جون ساليفان مساعد وزير الخارجية الأميركي خلال زيارة للخرطوم أخيرا إن بلاده مستعدة للبحث في شطب السودان من لائحتها السوداء للدول المتهمة بدعم الإرهاب.

ووعد السودان بقطع علاقاته مع كوريا الشمالية، وقال إبراهيم غندور وزير الخارجية نحن ملتزمون بأن لا تكون لدينا علاقات تجارية أو عسكرية مع كوريا الشمالية”.

كل هذه التوجهات لا تعني أن السودان أصبح في مأمن، لأن هناك منظمات حقوقية تتهم قوات الأمن في السودان باعتقال صحافيين وسياسيين معارضين ومدافعين عن حقوق الإنسان بشكل تعسفي، ما يجعل رقبته لا تزال تحت هذه المقصلة إذا تراجع عن التزاماته، في ظل وجود تحذيرات من تراجع عدد الكنائس منذ حصول جنوب السودان على استقلاله. وترى الولايات المتحدة أن التقدم في قضايا حقوق الإنسان والحرية الدينية وإنهاء الحرب الأهلية وإشراك جميع السودانيين في العملية السياسية من الأمور المهمة.

وكي تكتمل منظومة إعادة التأهيل من المهم إدخال تعديلات على الوجوه المتصدرة للمشهد السياسي في الخرطوم، وبالفعل بدأ الرئيس البشير التلميح إلى ذلك، لكن لن يكون التغيير حقيقيا ومقنعا ما لم يصل إلى قمة السلطة، التي شاخت بعد مضي نحو ثلاثين عاما من جلوسها.

التلميحات التي جاءت على لسان الرئيس البشير مؤخرا بشأن عدم ترشحه لفترة رئاسية جديدة، لم تعد على سبيل المناورة كسابقاتها، ولها جانب معتبر من الجدية، تتوافق مع النتيجة المتوقعة لعملية التأهيل الراهنة، وهي أيضا تبدو كخروج آمن للبشير لضمان عدم ملاحقته قضائيا بعد انصرافه عن الحكم، فملفه أمام المحكمة الجنائية الدولية لم يغلق بعد، واتهامه بارتكاب جرائم حرب في دارفور يمكن فتحه في أي لحظة.

الكلام الذي قاله البشير بأنه سيدعم محمد طاهر أيلا حاكم ولاية الجزيرة في انتخابات الرئاسة المقبلة يرمي إلى عزمه الخروج من السلطة، لكن ليس بالضرورة أن يكون أيلا هو البديل، وربما أراد البشير صرف الأنظار عن بديله المنتظر بكري حسين صالح، فالمهم أن الإشارة لها مدلول سياسي يرسخ قناعات متزايدة حول عدم استمرار الرجل في السلطة.

وإذا كان الراحل جون قرنق فشل في تحقيق حلمه بشأن السودان الجديد، وانتهى به المطاف إلى انفصال جنوب السودان، فهل يتمكن البشير من تنفيذ رغبة الآخرين في الطبعة الثانية من فكرة السودان الجديد

Comments are now closed for this entry