نجاح التوافق العربي ضد إيران مرتبط بتحويل البيانات إلى سياسات ميدانية

المتواجدون الأن

61 زائر، ولايوجد أعضاء داخل الموقع

القنوات

   

Flag Counter

primi sui motori con e-max.it

نجاح التوافق العربي ضد إيران مرتبط بتحويل البيانات إلى سياسات ميدانية

 

 

  لم تتوقف إيران منذ قيام الجمهورية الإسلامية عام 1979 عن تشكيل تحد استراتيجي كبير للمنطقة. تمثل الخطر في البداية في تأثر تيار كبير من “النخبة” العربية بالثورة الإيرانية وسقوطه في بئر شعارات العداء لأميركا والإمبريالية، ثم تطور الأمر مع الحروب التي خاضها حزب الله ضد إسرائيل، ونجح حينها في أن يكسب قاعدة جماهيرية عربية عريضة من مختلف الانتماءات والتوجهات.

تغيّرت ملامح الإعجاب العربي الكبير بالثورة الإيرانية خلال الحرب العراقية الإيرانية؛ لكن كان هناك دائما فاصل بين طهران وحزب الله، الذي عمل بدوره على استغلال ذلك الإعجاب العربي بـ”المقاومة” كغطاء لتثبيت إيران في لبنان، ساعدته على ذلك علاقة النظام السوري، منذ عهد حافظ الأسد، بإيران، ومن خلال ذلك أسست طهران لاختراق نوعي داخل النظام السياسي العربي.

وعلى مدى سنوات طويلة، كان حزب الله يذرّ الرماد في العيون في العلن بشعارات المقاومة” و“الموت لإسرائيل”، ويعمل سرا لتكوين شبكة علاقات كبيرة في مختلف أنحاء العالم من الشرق الأوسط إلى أفريقيا إلى أميركا اللاتينية، لفائدة تنفيذ أجندة إيرانية تهدف إلى تطويق المنطقة العربية، من خلال حصار الخليج العربي من اليمن إلى السعودية من جهة، وفتح طريق نحو المتوسط عبر لبنان والعراق وسوريا من جهة أخرى.

لكن، وإذا كان هناك من نتائج إيجابية حققتها ثورات الربيع العربي، فهي أنها فجّرت ما كان يختبئ خلف شعارات المقاومة وكشفت عن كل تفاصيل المشروع الإيراني، والذي ولئن بدا في ظاهره طائفيا إلا أنه يحمل أبعادا سياسية توسعية استوجبت قلب المعادلات الدفاعية في المنطقة والتخلي عند الضرورة عن سياسة الحوار وحسن الجوار التي تفسرها إيران على أنها ضعفا.

إجماع عربي

اصطدمت طهران وتصالحت مع كافة دول المنطقة. توترت علاقاتها مع الرباط والجزائر وتونس ونواكشوط. اصطدمت مع القاهرة وعمّان وصنعاء. تحالفت مع الخرطوم وتناكفت معها. ومع ذلك لم يحدث الأمر إجماعا عربيا ضد ذلك الخصم غير العربي، ذلك أن العرب لم يتفقوا جميعا على تناقضهم مع إيران، لا بل استخدموا العلاقة مع إيران لتصفية حسابات في ما بينهم، واستخدمت إيران تلك الحسابات لتعزز وجودها داخل العالم العربي.

ثم إن إيران التي باءت مساعيها التوسعية بالفشل في بلدان مثل تونس والمغرب والجزائر والسودان، تمكنت بشكل مباشر من إرساء نفوذها في العراق وسوريا ولبنان واليمن، وهي لم تنفك تسعى لاختراق البحرين والسعودية والكويت.

القلاقل التي يثيرها الأكراد والبلوش والأذريون هي تعبيرات عن تظلمات طويلة الأمد ومترسخة في إيران

وقد تطلب الأمر وقتا كثيرا واختراقا إيرانيا كبيرا، حتى تنعقد قمة وزراء الخارجية العرب الأحد الماضي في جامعة الدول العربية وتخرج ببيان يكاد يكون موحدا في سياسة التعامل مع إيران، ويكشف عن اكتساب النظام العربي لمناعة كافية لرد ما تطمح إليه طهران في كامل المنطقة.

وكلف مجلس جامعة الدول العربية في اجتماعه الذي عقد تحت عنوان “التدخلات الإيرانية في الشؤون الداخلية للدول العربية”، المجموعة العربية في نيويورك بمخاطبة رئيس مجلس الأمن لتوضيح ما قامت به إيران من انتهاكات لقرار مجلس الأمن 2216 بتزويد الميليشيات الإرهابية في اليمن بالأسلحة.

وطالب المجلس أيضا باعتبار إطلاق الصاروخ الباليستي الإيراني الصنع من الأراضي اليمنية تجاه مدينة الرياض بمثابة عدوان من قبل إيران وتهديد للأمن والسلم القومي العربي والدولي وإبلاغه بضرورة قيام مجلس الأمن بمسؤولياته تجاه حفظ الأمن والسلم الدوليين.

خطوات للأمام

يضع خبراء الوضع الراهن ضمن سياق حرب باردة بين السعودية وإيران على السيطرة في المنطقة، وفي المقابل يرى خبراء آخرون أن هذا التوصيف مضلل ويدفع ما يجري في الشرق الأوسط نحو مرحلة أكثر تعقيدا. فما يجري ليس حربا باردة بين السعودية وإيران واجتماع القاهرة لم يأت فقط تلبية لدعوة الرياض، بل هو تطور فرضته سياسة إيران التي تجاوزت خطوطا حمراء إستراتيجية.

ويركز أنصار نظرية الحرب الباردة بين السعودية وإيران على أن العلاقات بين الطرفين تشهد أزمات حادة، عقب إعلان الرياض في 3 يناير 2016 قطع علاقاتها الدبلوماسية مع الأخيرة على خلفية الاعتداءات التي تعرضت لها سفارة الرياض في طهران، وقنصليتها بمدينة مشهد، شمالي إيران، وإضرام النار فيهما، احتجاجا على إعدام رجل الدين السعودي نمر النمر (شيعي) مع 46 مدانا بالانتماء إلى تنظيمات إرهابية.

وفي 4 نوفمبر الجاري، وقعت أزمة أكبر مع إطلاق الحوثيين صاروخا باليستيا تجاه مطار الملك خالد الدولي في العاصمة الرياض، تمكن الدفاع الجوي السعودي من اعتراضه، وعلى خلفية ذلك، وجهت السعودية هجوما حادا على إيران، واتهمتها بتزويد الحوثيين بمثل هذه الصواريخ. وفي 8 نوفمبر الجاري، أخذت الملاسنات بُعدا تهديديا، حيث حذر الرئيس الإيراني حسن روحاني السعودية من “قوة إيران وموقعها، مشيرا إلى أن الولايات المتحدة “بكل قدراتها” عجزت عن مواجهتها.

 

وبعدها بيوم تبادلت السعودية وإيران في مجلس الأمن التهديدات، حيث قالت السعودية إنها ستتخذ كل الإجراءات ضد صاروخ “إيران”، فيما دعتها الأخيرة إلى “التوقف عن لغة التهديد، وضبط النفس وتحكيم العقل”، وفق بيانات رسمية. وأخذت المملكة الخطوة الأبرز عربيا ضد إيران، في 12 نوفمبر الجاري، بطلب عقد اجتماع طارئ لوزراء الخارجية العرب “من أجل بحث التدخلات الإيرانية في شؤون الدول العربية”. وأصدرت وزارة الخارجية السعودية مؤخرا إحصائية تشير إلى أن الحوثيين المدعومين من إيران استهدفوا السعودية خلال السنوات الأخيرة بواسطة 80 صاروخا باليستيا.

لكن، الأمر لا يقتصر على السعودية فقط، فوثائق أبوت آباد التي كشفت عنها الاستخبارات الأميركية كشفت عن مستوى التواصل والتعاون بين إيران وتنظيم القاعدة الذي استهدف بعملياته دولا كثيرة على المستويين العربي والعالمي؛ كما تحضر “ملف قضية خلية العبدلّي” المتورّط فيها وعناصر من حزب الله ومن الحرس الثوري وكانت تستهدف أمن الكويت، فيما تعتبر البحرين الأكثر تضررا من سياسة إيران حيث المطامع الإيرانية في البحرين قديمة.

ولم تسلم بقية الدول من التدخلات الإيرانية وإن كانت “ناعمة”، وذلك عبر المراكز الثقافية ومحاولات نشر التشيع في دول مثل تونس والجزائر، حيث تعمل خلايا سرية على استقطاب المزيد من الأتباع للمذهب الشيعي، بما يشكل خللا في تركيبة مجتمعات لطالما سارت على مذهب واحد. وأيضا تعتبر الحسينيات في مصر من أكثر قواعد الاختراق الإيراني للمجتمع المصري. هذا دون احتساب تواجد إيران المطلق في سوريا وسيطرتها على مفاصل الحكم في لبنان، ودعم الحوثيين في اليمن، والذين يقول عنهم صالح إنهم “لم يكونوا يعرفون حتى كيف يشغلون الصواريخ لولا الدعم اللوجستي الإيراني”.

ويأتي اجتماع وزراء الخارجية العرب وبيانهم ضد تدخلات إيران وحزب الله ليعكس مساعي عربية متفقة على الدفاع عن أمن المنطقة القومي المستمد من أمن بلدانها، أما تصدر السعودية المشهد، فمرده أولا الخطر الذي تواجهه بارتباطها الجغرافي باليمن، ثم مكانتها في مجلس التعاون الخليجي بالإضافة إلى رمزيتها تاريخيا ودينيا وسياسيا ومكانتها إقليميا ودوليا.

ويعتبر خبراء أن هذا الاجتماع وإجماع الأغلبية على ما جاء فيه هو نتيجة طبيعية لما يحصل في التوجهات الدفاعية العربية منذ انطلاق عاصفة الحزم في اليمن، وهي دفاع شرعي ضد محاولة “احتلال” إيران لسوريا وعبثها باليمين والفوضى التي تبثها في البحرين، وغير ذلك من مشاريعها التدميرية في المنطقة والتي تتطلب مقاومة عربية تتجاوز البيانات والتنديدات إلى اختراق العمق الإيراني، مثلما اخترقت إيران مجتمعات عربية عديدة.

تصعيد ولكن

يقول أنس القصاص الباحث المصري في الشؤون الاستراتيجية وقضايا الأمن الدولي إن السعودية حصلت على دعم عربي ودولي مكنها من التصعيد على نحو ما نرى”. ويوضح القصاص، في تصريحات نقلتها وكالة أنباء للأناضول، أن “الدعم العربي يأتي في ظل مطالبات دولية بمواجهة إيران”.

ويرى المحلل المصري مختار غباشي نائب رئيس المركز العربي للدراسات السياسية والاستراتيجية (غير حكومي مقره القاهرة)، أن “الاجتماع الطارئ المدعوم من السعودية خرج أخيرا بآليات وموقف عربي تجاه إيران، وهذا جيد”. ويستدرك متسائلا “لكن هذا التصعيد هل كاف لإرغام إيران على التهدئة أو الوصول إلى توافقات في أزمات المنطقة؟”.

ويقول مراقبون إن المتحدث باسم الخارجية الإيرانية بهرام قاسمي لم يخطئ حين قال إن “مشاكل المنطقة لن تحل بالبيانات”، فهو ولئن رمى من تصريحه الاستفزازي إلى التقليص من أهمية البيان الصادر عن قمة وزارة الخارجية العرب، إلا أن في نقده وجهة نظر يؤيدها المحللون والخبراء الذين يرون بضرورة التصعيد الشامل ضد إيران.

ويدعو المراقبون إلى ضرورة “إشغال إيران بمشاكلها الداخلية مثلما تفعل هي مع الدول العربية”، حيث تنشر القلاقل داخل هذا المجتمع أو ذاك وبين أقلياته من أجل أن تبقى الفوضى هي المسيطرة، وإيران بدورها لا تقف على قاعدة صلبة في الداخل وتحمل الكثير من القنابل الموقوتة.

وعن هذا يقول جيمس دورسي الخبير في سياسات الشرق الأوسط “لا يمكن اعتبار القلاقل التي يثيرها الأكراد والبلوش والأذريون على أنها ببساطة من صنع أجنبي بدلا من أن تكون تعبيرات عن تظلمات طويلة الأمد ومترسخة وإحياء جذوتها مستلهم في جزء منه من الاتجاهات الانفصالية بين الأكراد العراقيين والسوريين فضلا عن التطورات الجارية في كتالونيا”.

توجهات مستقبلية

قبل يوم من الاجتماع الطارئ غير المسبوق ضد إيران بالجامعة العربية، اتفق الرئيس الأميركي دونالد ترامب ونظيره الفرنسي إيمانويل ماكرون على “ضرورة العمل مع الحلفاء لمواجهة أنشطة حزب الله وإيران المزعزعة للاستقرار في المنطقة”، حسبما ذكرت المتحدثة باسم البيت الأبيض سارة ساندرز.

وتأتي هذه المكالمة ضمن تصعيد دولي ضد سياسات إيران، لكن يشدد الخبراء على ضرورة أن تسير القوى العربية في خط مواز مع التحركات الدولية لا أن تكون وراءها بخطوة أو تنتظر قراراتها بشأن إيران.

العرب لم يتفقوا جميعا على تناقضهم مع إيران لا بل استخدموا العلاقة مع إيران لتصفية حسابات في ما بينهم

وكان مؤتمر ملتقى أبوظبي الاستراتيجي، الذي انعقد قبل أيام من قمة وزراء الخارجية العرب، حذّر من أن الخطر الذي تشكله طهران مازال حمّال وجهات نظر بين شرق وغرب. وأظهرت المداخلات أنه إذا ما أجمع المتحدثون العرب على اعتبار سياسات إيران أبرز تهديد يواجه المنطقة، فإن المتحدثين الغربيين يختلفون مع نظرائهم الخليجيين والعرب كما يختلفون في ما بينهم في تقييم السلوك الإيراني من جهة، وفي تحديد الوسائل الناجعة للتعامل معه من جهة أخرى.

وقال الأكاديمي السعودي خالد الدخيل إن إيران واضحة في خططها ونواياها ومراميها، في حين يجب “تفكيك شيفرة العرب” حيال الموقف من إيران. وتساءل الدخيل، وهو أيضا أستاذ علم الاجتماع السياسي في جامعة الملك سعود بالرياض، عما حصل لـ”مفهوم العروبة والقومية والدولة”.

واستغرب ضعف العرب من اتخاذ موقف ضد إيران وهي التي تهدد مفهوم الدولة. ويرى الدخيل أن إيران منتجة لظاهرة الميليشيات في المنطقة وأن هذه الميليشيات هي أكبر مصدر يهدد الدولة ومفهومها في العالم العربي. ويشدد على أن “إيران واضحة” في ما تصبو إليه. ويقول “إذهبوا واقرأوا الدستور” ففيه ما يكشف بالنص الفلسفة العقائدية التي تقود إستراتيجية وخيارات هذا البلد.

ويلفت الدخيل إلى أنه في إيران ليس كافيا أن يدين المواطن بالمذهب الإثني عشري لكي يتمكن من الترشح لرئاسة الحمهورية، بل “يجب عليه أن يكون مؤمنا بولاية الفقيه”. وتساءل عن الثورة التي تريد إيران تصديرها. وقال إن الثورة مفهوم تغييري يأتي بجديد يقطع مع الماضي، وأضاف أن الثورة كانت ضرورة لدى أمم كثيرة للقطع مع مفاهيم قديمة باتجاه تلك الحديثة الخلاقة، لكنه تساءل من جديد عن ماهية الثورة التي تتحدث عنها إيران، معتبرا أن “الثورة هي التطلع نحو المستقبل، فيما إيران لم تبشر إلا بولاية الفقيه والميليشيات الطائفية”، وعلى ذلك فـ”إيران تريد أن تأخذنا إلى الوراء”.

ويفضل سلطان النعيمي فلسفة البقاء في إيران وارتباطها بالعدوانية المنهجية التي تمارسها طهران ضد دول المنطقة. فالرجل خبير في الشؤون الإيرانية وعضو هيئة تدريس في جامعة أبوظبي، ويرى أن “تصدير الثورة” ليس خيارا بل حاجة إيرانية من أجل بقاء نظام الولي الفقيه في إيران.

وبالتالي فإن تصدير الميليشيات إلى خارج إيران وبث الطائفية في المنطقة هما نتاج طبيعي لعملية تصدير المشاكل إلى الخارج كإستراتيجية لإبقاء هذا الخارج منشغلا وعاجزا عن مواجهة خططها، ذلك أن غياب منطق الثورة عن النظام سيستدعي الامتثال لمعايير وقواعد في الداخل والخارج تقود إلى تقويض النظام بالمفهوم الذي ابتدعه روح الله الخميني لإيران منذ عام 1979.

لكن، محسن ميلاني الباحث الأميركي الذي يقدم المشورة في الشأن الإيراني لهيئات ومؤسسات أميركية عامة وخاصة في الولايات المتحدة، يقدم رؤية مختلفة عن كل ما يروج له بخصوص سيطرة إيران على العراق ولبنان واليمن، وهو أمر يرى خبراء أنه “تهويل” تصبو إليه إيران لتظهر وكأنها قوة كبرى، ويساعدها ذلك على لعب أوراق كثيرة.

وهنا، يوضح ميلاني أن إيران لا تسيطر على العراق بل تمتلك نفوذا هناك وأن النفوذ الأميركي مازال أقوى في هذا البلد، ويعتبر أن ما تملكه إيران في سوريا ولبنان هو نفوذ وليس سيطرة على البلدينويدعم ميلاني حجته بالقول إن إيران لا تمتلك الوسائل العسكرية والاقتصادية لتغير وجه المنطقة ككل وأن خطرها محدود يشبه محدودية إمكاناتها، وبالتالي فإن الحل في تحجيمها يكون عبر اختيار الطريق الصحيحة لمواجهتها.

وبينما يدافع ميلاني عن الاتفاق النووي الذي أبرمته مجموعة الخمسة زائدا واحدا مع إيران ويعتبره نموذجا للإستراتيجية التي يجب اعتمادها والتي يعتبرها وحيدة لإحداث التغيير في إيران، وينصح بعدم المواجهة مع إيران والمضي في الحوار معها، يؤكد خبراء آخرون أنه وإلى جانب نافذة الحوار يجب طرح آليات مواجهة أخرى من ذلك البدء بتضييق الخناق على خلاياها في داخل المجتمعات العربية بالتزامن مع التحركات الدبلوماسية الدولية وصولا إلى التصعيد العسكري إن لزم الأمر كما حدث في اليمن

Comments are now closed for this entry