موغابي شيخ الدكتاتوريين الذي دمرت عرشه 'سكرتيرة' - فارس الذهبي

المتواجدون الأن

111 زائر، ولايوجد أعضاء داخل الموقع

القنوات

   

Flag Counter

primi sui motori con e-max.it

موغابي شيخ الدكتاتوريين الذي دمرت عرشه 'سكرتيرة' - فارس الذهبي

 

 
 

 لسبب ما تشبه أزمة زيمبابوي الحالية أزمات الشرق الأوسط المستمرة ولا يمكننا فهم معضلة ذلك البلد إلا بالعودة إلى الأصولإذ لم يخرج روبرت موغابي حاكم البلد الأفريقي الصغير عن دساتير الطغاة في العالم. بل على العكس كان أميناً جدا لمنهج “الرجل الذي يخنق بلداً فالرجل الذي تجاوز عامه الثالث والتسعين هذا العام لا يزال متشبثاً بالسلطة رغم الانقلاب الذي لم يتّضح لونه بعد أن كان أبيض أم رماديا والذي قاده قائد الجيش الزيمبابوي كانت دول جنوب القارة الأفريقية السمراء جزءاً من التاج البريطاني طوال عقود بل قرون طويلة. وتشكل في تلك الدول المتجاورة والتي تتزعّمها جمهورية جنوب أفريقيا، نوع من الحراك الوطني المناهض للاستعمار والداعي لحكم الأبناء الأصليين للبلاد في دول زامبيا وموزمبيق وبوتسوانا وناميبيا وأهمها “روديسيا” التي ستتحول فيما بعد إلى جمهورية زيمبابوي التي يحكمها موغابي.

ولكن ما فعله البريطانيون في دول جنوب أفريقيا والهند، مشابه إلى حد كبير لما فعله الفرنسيون في الجزائر والسنغال وساحل العاج، فقد قاموا بتوطين عشرات الآلاف من المواطنين البيض البريطانيين والأوروبيين في تلك البلاد لضمان الاستثمار الضخم فيها وعمليات استغلال ثرواتها.

قام هؤلاء المستوطنون البيض ببناء مستعمرات زراعية ضخمة وحفر عشرات المناجم وبناء عشرات المصانع الضخمة في بلاد جلّ أراضيها من الغابات والصحارى، وأغلب سكانها من القبائل التي لم تدخل بعد في نمط المدنية الصناعي والتجاري الحديث. وبعد عقود من ضخ الثروات الزراعية والأحجار الكريمة والجلود النفيسة والماس الخام والأخشاب من تلك البلاد وخصيصاً زيمبابوي، خلفت تلك العملية عدداً لا يقل عن نصف مليون مواطن زيمبابوي من ذوي البشرة البيضاء من الذين أتوا مع البريطانيين ولكنهم ولدوا في تلك البلاد بل ولد أباؤهم وأجدادهم هناك أيضاً.

بات هؤلاء يشعرون بأن تلك البلاد بلادهم ولا يمكن نسيان أن واحدة من أهم أفارقة زيمبابوي البيض دوريس ليسنغ الحاصلة على جائزة نوبل للأداب 2007. بينما هم يسبحون في بحر من الشعوب السمراء من السكان الأصليين، وهكذا نمت طبقتان في تلك المجتمعات، طبقة البيض الأثرياء الذين يمتلكون المصانع والمزارع الكبرى، وطبقة العمال السمر الأفارقة الذين يعملون لدى البيض ويكملون دائرة العمل الحيوية. وكانت البلاد حينها متواصلة مع الغرب عموماً وعمليات الاستيراد والتصدير قائمة على قدم وساق والنمو الاقتصادي يتقدم ببطء محفز وملهم

.الثورة الأفريقية البيضاء

الحركة الشعبية دفعت رئيس وزراء جنوب روديسيا، التي صارت زيمبابوي، إيان سميث إلى إعلان الاستقلال نهائياً عن التاج البريطاني، مما أثار غضب بريطانيا ولاحقاً الأمم المتحدة نتيجة ما سمّي بنظام الأبارتايد، أو التمييز العنصري الذي قاده سميث نفسه، في بلد يحكم من قبل الأقلية البيضاء وأغلب سكانه من السكان الأصليين الأفارقة، ولكن حجة سميث تقول بأنه هو ومن معه من الأقلية البيضاء الممسكة بالاقتصاد هناك موجودون في روديسيا تلك منذ خمسة أجيال على الأقل، وأنه هو ووالده وجده وجد جده قد ولدوا في تلك البلاد، وبالتالي لا يمكن لأحد أن ينزع عنه صفة المواطن الأصلي أو يصفه بالمستوطن.

وفي تلك الأثناء ومنذ عام 1965 وطوال عشر سنوات كاملة نمت الحركات الثورية المناهضة للتمييز العنصري في جميع بلاد جنوب القارة وأهمها زيمبابوي وبقية جمهورية جنوب أفريقيا، ونشأت تيارات تدعو إلى العنف الثوري الذي يطالب باجتثاث المستوطنين وإعادة السلطة للسكان الأفارقة. واستمرت الأزمة بالتفاقم.

اعتقل سميث الشاب الثائر موغابي وجميع رفاقه من القادة الثوريين ووضعهم في السجن لفترة طويلة، وتحولت روديسيا في عهده إلى دولة منبوذة عالمياً ولكن مستقرة داخلياً. فالمشاريع الزراعية الضخمة التي بدأها المستوطنون أكملها سميث المزارع بالوراثة والذي كان ضابطاً سابقاً في القوات البريطانية إبان الحرب العالمية الثانية ولكن الضغوط الدولية تزايدت عليه وعلى نظام الفصل العنصري في الجارة الكبرى جمهورية جنوب أفريقيا، وقد أصبحت حركة مناهضة الأبارتايد ذات صدى عالمي كبير جدا، فزاره وزير الخارجية الأميركي الشهير هنري كيسنجر واتفق معه على عدد من البنود من أهمها إخراج المعتقلين ومنهم موغابي الذي غادر إلى موزمبيق، وإعلان ديمقراطية الصوت الواحد، أي أن لكل مواطن صوت انتخابي، والبدء بإلغاء نظام الفصل العنصري القائم وتقاسم السلطة مع الأفارقة.

من موزمبيق أعلن موغابي ورفاقه تأسيس جيش تحرير موّلته الصين الشيوعية حينها تحت اسم “جيش التحرير الزيمبابوي الأفريقي القومي”. ومع تزايد الضغط الخارجي والداخلي قبل سميث بإجراء انتخابات عامة فازت فيها حركة القومية الأفريقية، إلاّ أن موغابي ونكومو لم يعترفا بتلك النتائج واستمرّت في القتال، حتى الوصول إلى حوار وطني شامل حدد في 1979 ونتج عنه دستور جديد للبلاد أعلن فيه عن ولادة جمهورية زيمبابوي الجديدة.

عنصرية موغابي المعكوسة

ومع عودة موغابي الصاخبة للبلاد وإجراء الانتخابات العامة الحرة التي روقبت من قبل الأمم المتحدة ومن قبل دول أفريقية عديدة، فاز موغابي بالانتخابات وترأس أول حكومة له في العام 1980.

كل هذا أثار حفيظة الأقلية البيضاء التي بدأت تغادر البلاد نحو بريطانيا وكندا ونيوزيلاندا وجنوب أفريقيا، وانخفض تعداد تلك الأقلية من 300 ألف إلى أقل من 120 ألفا خلال عقد واحد من حكم موغابي. وبالتالي هجرت المصانع والمزارع الكبرى وبدأ العمال بالتمرد على الملاكين الأصليين.

ولكن سميث الذي قرر البقاء ومعارضة موغابي أطلق لقب الأفارقة البيض لأول مرة على تلك الأقلية البيضاء التي قررت البقاء في البلاد التي ولدت وعاشت فيها.

ومع انتشار عمليات السلب والنهب والقتل بحق الأقلية البيضاء بداية وبحق من تعاون معها لاحقاً وبحق أعداء النظام من الأفارقة فيما بعد ساءت الأمور بشكل كبير في زيمبابوي، إلا أن أحداً لم يتعرض لسميث، بينما كان موغابي يبني دكتاتوريته الخاصة في هراري وما حولها، مما جعل المبدأ العنصري قائماً في تلك البلاد ولكن الأمور انقلبت من العنصرية الموجهة ضد السود بقيادة سميث إلى العنصرية الموجهة ضد البيض بقيادة موغابي.

جمهورية الرعب

مع مطلع الألفية الجديدة أصدر موغابي أشد قراراته راديكالية تلك المتعلقة بمصادرة مزارع وأملاك المزارعين البيض في جمهورية زيمبابوي، وبناء عليه داهم الآلاف من المواطنين المواليين لنظام موغابي مئات المزارع التابعة للأقلية البيضاء هناك مما جعل الرعب يدب في جنبات الاقتصاد في تلك البلاد المعتمد على الزراعة أساساً، ومن ضمن تلك المزارع صودرت مزرعة مؤسس الجمهورية سميث الذي علق على تلك الاجراءات بأنه ليس لأحد أن ينزع عنه مواطنته الأفريقية، وبأنه مواطن زيمبابوي أصيل على عكس موغابي الذي ينحدر من جمهورية مالاوي.

ومنذ ذلك التاريخ بدأ موغابي بالتحول من قائد ثوري إلى سلطة دكتاتورية صفت خصومها التاريخيين والسياسيين على حد سواء، ومع تدهور الوضع الاقتصادي في البلاد بدأت أعمال العنف ضد المعارضين بالاندلاع وبدأ التدهور الأمني بالظهور إلى العلن مع ظهور تقارير وصلت إلى الصحف العالمية حول عمليات تزوير في الانتخابات النيابية لصالح الرئيس.

ثغرة صينية في أفريقيا

روبرت موغابي يوافق على التنحي ولكن بعد ضمان سلة من الشروط، أهمها الاحتفاظ بأملاكه. وضمان حصانة له ولزوجته والتي تضمن لهما عدم المثول أمام المحاكم وتضمن عدم مراجعة تاريخهما المالي والتجاري، وسط تكرار لحال الطغاة في العالم الثالث

قررت بريطانيا والأمم المتحدة مقاطعة تنصيب موغابي وفرض عقوبات اقتصادية على نظامه، واجهتها الصين الحليف الأساسي والتاريخي للحركة الثورية لموغابي بتعزيز حضورها الاستثماري هناك عبر الحصول على عقود طويلة الأجل لاستثمار الأراضي الزراعية الخصبة واستثمار المناجم والثروات المعدنية، مما عمق الهوة بين نظام موغابي من جهة والغرب ودول الاتحاد الأفريقي من جهة أخرى.

ومع وصول التضخم الاقتصادي لمرحلة لا سابق لها في العالم انهارت العملة المحلية وعاش الشعب الذي عانى من سوء إدارة موارد البلاد في قنوط وبؤس لسنوات طوال تحت قيادة رئيس بقي في الحكم لمدة 37 سنة متحكماً بشعب لا يزيد متوسط الأعمار فيه عن 37 سنة وينتشر فيروس نقص المناعة المكتسب “الإيدز” فيه بنسبة هائلة.

لكن موغابي لم يكتف بذلك، فقام بخلع نائبه منانغاغوا في خطوة مفاجئة تمهيداً لتعيين زوجته فبدا الحراك السياسي المضاد له مع تحرك الجيش وانتشاره في شوارع العاصمة، في ما عرف شعبياً بالانقلاب الأبيض وسط حيرة من أنصاره.

وكما هو عهد الطغاة حينما يداهمهم قدر الشعوب الذي لا راد عنه ولا مناص منه بدأ موغابي برفض الانقلاب وبالتواصل مع حلفائه الأفارقة وفي العالم باحثاً عن معين أو سند، فحال الموقف الأفريقي دون أن يعلن قائد الجيش الانقلاب الكامل على الرئيس، بل تلا قائد الجيش بياناً في الأسبوع الماضي أعلن فيه أن تحركات الجيش ما هي إلا ضد زمرة من الفاسدين والمفسدين من رجال الأعمال من أنصار الرئيس.

وهكذا بدأت المفاوضات بين الطرفين من تحت الطاولة، فقبل موغابي عزل زوجته من الحزب الحاكم، وهو الذي كان يعدّها ويجهزها لتكون أول رئيسة لذلك البلد، في رسالة ضمنية تحابي دعم الغرب الدائم لفكرة تولي السيدات مناصب سياسيةولكن نائبه ايمرسون منانغاغوا الذي جرح واستدمى من عزل موغابي له، نسج التحالفات مع الجيش وقائده ومع رأي عام في زيمبابوي بات ضجراً من الأبدية التي تحكم بلادهم.

فتش عن المرأة

السيدة التي تسببت بالمشكلة هي غريس موغابي التي كانت تعمل راقنة على الآلة الكاتبة عنده في المنزل قبل أن يقع في حبها. وقد تزوجها في العام 1996 وأقام حفل زفاف أسطوري كما يقول الشعب الزيمبابوي، ومنذ ذلك التاريخ باتوا يلقبونها بـ“غوتشي غريس” بسبب ولعها بالماركات والأزياء.

دعمت غريس زوجها وقالت مرة إنها متأكدة بأن الشعب سيعيد انتخاب زوجها حتى ولو كان جثة هامدة، ولم تنكر رغبتها في تولي منصب الرئاسة إذا ما تنحى زوجها أو مات متسائلة “ألست زيمبابوية أيضاً؟”.

شغلت منصب رئيسة الرابطة النسائية في حزب زانو عام 2014 ثم أصبحت نائبة الرئيس هذا العامويقال إنها لا تتورع عن الاعتداء على الآخرين كما حدث مؤخرا عندما ضربت عارضة تبلغ من العمر 20 عاما في جنوب أفريقيا بكبل كهربائي. وتخضع هي وزوجها لعقوبات من الاتحاد الأوروبي والولايات المتحدة، بما في ذلك حظر السفر. بسبب اتهامهما من قبل المعارضة بالاستيلاء على الأراضي وتزوير الانتخابات وقمع الحريات. غريس كانت قد حصلت على درجة الدكتوراه في علم الاجتماع من جامعة زيمبابوي خلال شهرين فقط في عام 2014 ما أثار جدلا واسعا حول ذلك.

المتشبث بالسلطة

. مع تسلسل الأحداث وتسارعها ظهر الرئيس العجوز مساء الأحد الماضي على شاشة التلفزيون الوطنية محاطاً بقادة الجيش وجنرالات مهمين جداً، بينما حبس سكان جنوب القارة الأفريقية برمته أنفاسهم ترقباً لإعلان التنحي الذي ينتظرونه منذ عقود.

ولكن موغابي لم يتنح ولم يتلفظ بأيّ كلمة عن مستقبل بلاده بعيداً عنه، بل كان جلّ خطابه الانشائي الذي تحدث فيه عن تاريخ البلد ونضالاته مع حزبه الحاكم “زانو”، وهو اختصار لـ”الاتحاد الوطني الأفريقي-الجبهة الوطنية”، بأنه سيشارك في مؤتمر الحزب الموسع الذي سيعقد خلال أسابيع. مما أثار سخطاً كبيراً في أوساط جماهير زيمبابوي ولدى دول الجوار وخصوصاً الجارة الكبرى جنوب أفريقيا التي تعتبر أمن دول الطوق الأفريقي لجنوب القارة جزءاً لا يتجزأ من أمنها القومي.

وما هي إلا ساعات حتى صدر بيان عن الحزب الحاكم ذاته، والذي تكشّف أن مكتبه السياسي هو من كان يدير خيوط اللعبة في تحرك الجيش والتنسيق مع نائب الرئيس المعزول منانغاغوا للاطاحة بزوجة موغابي، حتى أصدر الحزب بياناً يعطي للرئيس مهلة حتى منتصف ظهيرة يوم الاثنين الماضي، للتنحي، وإلا ستبدأ إجراءات عزله ومحاسبته.

وطالب منانغاغوا موغابي بالاستقالة، قائلاً إن “شعب زيمبابوي تحدث بصوت واحد، أوجّه طلبي للرئيس موغابي للاستجابة لهذا الطلب والاستقالة حتى تخطو البلاد الخطوة التالية”. وأضاف منانغاغوا الذي يتواجد خارج البلاد “سأعود بمجرد أن تتوفر الشروط المناسبة للأمن والاستقرار”.

كذلك دعا المحاربون القدامى الذين يتمتعون بنفوذ كبير في زيمبابوي المواطنين للتظاهر “من الآن” لإسقاط الرئيس روبرت موغابي “فورا”. وقال رئيس رابطة المحاربين القدامى كريس موتسفانغوا إنه “على كل السكان ترك ما يفعلونه والتوجه الى (السقف الأزرقالمقر الخاص لإقامة الرئيس ليغادر موغابي السلطة فورا”، مشددا على أن المظاهرات يجب أن تبدأ الآن”.

وفي العاصمة البريطانية لندن تظاهر المئات أمام سفارة زيمبابوي للمطالبة برحيل موغابي رافعين لافتات وشعارات تطالبه بمغادرة منصبه. ولكن مما ظهر من أنباء، وحسب نهج من سبقوه من الديكتاتوريين، فإن الأمر قد حدث فعلا، وتنحى موغابي عن الحكمحيث أعلن رئيس البرلمان جاكوب موديندا أمام النواب في ختام جلسة طارئة في هراري كانت تناقش مسألة إقالته أن الرئيس الزيمبابوي قد استقال.

وتلا الخطاب الموجه من موغابي الذي قال فيه "أنا روبرت موغابي أسلم رسميا استقالتي كرئيس لجمهورية زيمبابوي مع مفعول فوري"، ولكنّ هذه الاستقالة جاءت بعد ضمانه لسلة من الشروط أهمها الاحتفاظ بأملاكه. وضمان الحصانة له ولزوجته التي تضمن لهما عدم المثول أمام المحاكم وتضمن عدم مراجعة تاريخهما المالي والتجاري

Comments are now closed for this entry