مزاج عالمي أم تقاسم نفوذ - فاروق يوسف

المتواجدون الأن

134 زائر، ولايوجد أعضاء داخل الموقع

القنوات

   

Flag Counter

primi sui motori con e-max.it

مزاج عالمي أم تقاسم نفوذ - فاروق يوسف

 

 ما من شيء أسوأ من أن نجلس في انتظار تقلبات المزاج السياسي العالمي. قد يكون ذلك المزاج مجرد كذبة. عبارة مجازية اخترعها الصحافيون للتعبير عن تحول غير مفهوم من جهة دوافعه وأهدافه.

ما هو مؤكد أن جزءا من حسابات السياسيين وتقديراتهم يظل غامضا، ولا يمكن الوصول إليه عن طريق الوثائق التاريخية. غير أن ذلك لا ينفي أن هناك أجزاء كثيرة من الوعي السياسي يتم حسابها عن طريق الرياضيات.

عالم اليوم محكوم بتقنيات معقدة ليست العاطفة واحدة منها.

عمليا فإن روسيا التي أعلنت عن انتصارها في سوريا على لسان رئيسها من قاعدة تقع على الأراضي السورية، كان في إمكانها أن تعلن ذلك الانتصار من غير أن يتجشم فلاديمير بوتين عناء السفر إلى سوريا، لولا أن ذلك كان ضروريا بالنسبة للرئيس الأميركي الذي كان يرغب في إعطاء شريكه في المنطقة نوعا من الدعم المدفوع الثمن في اليمن أولا، وفي العراق ثانيا.

روسيا بعد انتصارها في سوريا لن تفكر في إفساد خطط الولايات المتحدة ضدّ إيرانمن اللافت حقا أن روسيا لم تضطرّ إلى إعلان إيران شريكة لها في الانتصار على الإرهاب في سوريا.

كان الرضا الأميركي عن الأداء الروسي في سوريا مدعاة لحذف إيران من المعادلة. وهو ما سيمهد الطريق إلى مواجهة أميركية- إيرانية لن تكون روسيا معنية بشيء من تفاصيلها.

ما يقال من أن الولايات المتحدة وهبت سوريا إلى روسيا ليس صحيحا. الصحيح أن الولايات المتحدة تخلت عن دورها المشاغب في سوريا. وهو ما يمكن أن يدخل في مسألة السعي لإطفاء الحرائق في المنطقة. وهي مسألة تخص أمن واستقرار دول صديقة للولايات المتحدة وبالأخص منها دول الخليج العربي التي أبدت تفهما إيجابيا للحضور الروسي في سوريا.

من المؤكد أن الوفاق الروسي- الأميركي بكل ما ينطوي عليه من حذر يصبّ في مصلحة شعوب المنطقة، وضمنها الشعوب الإيرانية. أما الحديث عن تقاسم النفوذ بين الدولتين العظميتين فهو نوع من الانحراف بالحقيقة عن مسارها، وهو ما ينسجم مع هوى الدعاية الإيرانية.

فبعد ما تعرضت له المنطقة من انهيارات سياسية أصابت البنى التحتية فيها بدمار كلي أو جزئي، فإن دولا عديدة صارت في أمس الحاجة لمَن يقدم لها المساعدة في مواجهة المد الإيراني الذي ما كان له أن يقع ويتسع لولا وقوع تلك الدول ضحية فراغ، كان من الصعب أن يُملأ ذاتيا.

ما حدث للعراق، بعد أن وقع تحت الهيمنة الإيرانية، يقدّم دليلا واضحا على أن جريمة الاحتلال الأميركي كان من الممكن أن تكون أقل تكلفة بالنسبة للعراقيين لو أن الولايات المتحدة التزمت بالقوانين الدولية وتعاملت مع العراق باعتباره بلدا محتَلا، وحافظت عليه في انتظار أن تصعد نخب من أبنائه لتحكمه ديمقراطيا.

لقد كان العراقيون يتمنون لو أن سلطة الاحتلال اختارت من بينهم كفاءات متعاونة معها، بدلا من أن تسلم البلد كله مستباحا إلى إيران. ما من انتقام أشدّ بشاعة مما فعلته الولايات المتحدة يوم تركت البلد الذي دمرت دولته لإيران تفعل به ما تشاء.

تلك الجريمة التي يسميها البعض “خطأ” تحاول الولايات المتحدة اليوم التكفير عنها من خلال التصدّي للنفوذ الإيراني الذي صار يهدّد دولا كثيرة في المنطقة، وهو ما يضع الولايات المتحدة نفسها في موقع لا يليق بها.

من المؤكد أن المعارضين السوريين منزعجون من اعتدال المزاج الأميركي، فهم لا يفكرون إلا بما خسروه بسبب ذلك الاعتدال. غير أن الأمر ليس كذلك إذا ما تأملنا مستقبل المنطقة بتفاؤل.

الأميركيون، كما الروس، يفكرون في مصالحهم. ذلك أمر طبيعي وهو لا يضرّ المصلحة العربية التي تقوم أصلا على التخلص بأيّ طريقة من عقارب إيران

Comments are now closed for this entry