حين تفاوض الثورة على خروجها - غازي دحمان

المتواجدون الأن

164 زائر، ولايوجد أعضاء داخل الموقع

القنوات

   

Flag Counter

primi sui motori con e-max.it

حين تفاوض الثورة على خروجها - غازي دحمان

 

 يمكن تصنيف المفاوضات التي تحصل بين المعارضة ونظام الأسد في خانة أغرب مفاوضات، فقد جرت العادة أن الثورات تتفاوض إما على خروج الحاكم الذي حصلت الثورة ضده، وهي حالات نادرة، ذلك أنه في الغالب ما تجري محاكمته، أو التفاوض على خروج المحتل من البلاد، ولم يحصل أن فاوضت ثورةٌ على خروجها، كما يفعل من أطلقوا على أنفسهم اسم ممثلي الثورة بذريعة الواقعية، وكأن الواقعية لم يجر اكتشافها سوى في زمن الثورة السورية. وقبل ذلك لم يكن ثمة شيء اسمه واقعية، وبالتالي لم تضطر الثورات إلى التعاطي معها!

دعك من النيات وماذا تريد المعارضة، ومن البيانات المدبّجة، كلها لا تعدو سوى فواصل ترفيهيه في سياق أصمّ لا يسمع ولا يستجيب، وكل ما تفعله المعارضة هو تدوير الزوايا وتربيع الدوائر لمطابقة التفصيل (الماكيت) الأساس الذي يبدو أنه ليس لدى مصمميه أدنى استعداد للتنازل عنه، كيف وروسيا وإيران قد أعادتا هندسة الجغرافيا والديمغرافيا لتتناسبا أصلاً مع خريطة طريق مشاريعهما، وليس مع ما يريده السوريون، معارضة ونظاما.

ثم على ماذا يتفاوض السوريون، لا شيء بيد بشار الأسد يعطيه لهم، فلم يعد صاحب القرار، وليس مالكا للجغرافيا. في الأصل، حروب روسيا وإيران وأميركا وإسرائيل هي على الجغرافيا، وانتصاراتهم تالياً تقاس بحجم ما حققوه من مغانم جغرافية بيدهم.

ليس بشار الأسد سوى" فزّاعة طيور"، تضعها الأطراف المتخاصمة فوق الأرض المتنازع عليها، والتي لم يُحسم بعد من هي الجهة التي ستمتلكها. لا تغرّنكم كثيرا عنجهية بشار الجعفري، فهذا لا يملك في حقيبته أكثر من تذكرة الطائرة وجواز السفر، ويتقمّص سلوك النمس الذي يقوم بمناوراتٍ ليست من صنعه، وإن كانت بأدائه. وهي مناورات يقوم بتصميمها خبراء الكرملين، وليس فريق وليد المعلم الذي حولته أمراضه وقلة حيلته إلى مومياء، يتم إحياؤها بين فترة وأخرى، لأداء دور صغير، ثم يعود إلى العطالة بانتظار دور هامشي آحر، مثل فاروق الشرع الذي تم ركنه عقدا، وقد يؤتى به لحضور حفل افتتاح مؤتمر سوتشي، الموضوع قيد التداول.

"كان يجب أن تبادر المعارضة السورية إلى فكرة مؤتمر سوتشي، بالدعوة إلى مؤتمر وطني يمثل كل الفئات والشرائح الثورية"

 ومع من نتفاوض؟ مع مجرم هاربٍ من العدالة بتهم القتل والاغتصاب، حوّل سورية إلى صرخات مكتومة من نسائها، وموت أطفالها وعيونهم مفتوحة إن لم يكن من الكيميائي فمن الجوع! يريد الرئيس الروسي، فلاديمير بوتين، إبقاء هذا المجرم بالقوة، بوصفه يمثل رمزاً لقدرته القاهرة. حسنا ليبقه، لكن من دون أن يكون ذلك بموافقة ممثلي الثورة، لا في فترة انتقالية ولا غيرها، وهذا ليس كلاما عاطفيا، بل قمة الواقعية، الارتكابات التي قام بها الأسد تجعل منه شخصا غير قابل للتفاوض معه، حتى لو كان على خروجه هو نفسه من سورية.

لم يحصل أن ثورةً فاوضت المحتل ووكلاءه على خروجها هي، وليس العكس. كل مضمون التفاوض الجاري مبني على هذا الأساس، بذريعة تغير موازين القوى والواقعية، وكأن السوريين عندما ثاروا وخرجوا بصدورهم العارية كانوا يتحكّمون بموازين القوة، والغريب أن المعارضة تحاول الالتفاف على هذه الخديعة بالتذرّع أن المفاوضات تجري من أجل قضايا المعتقلين والمناطق المحاصرة، وهي كذبة كبيرة، فلم يخرج معتقلون، منذ بداية الثورة، إلا نتيجة عمليات تبادل بعناصر إيرانيين وشيعة، ولم يتم فك الحصار عن مناطق إلا مقابل إخراج غالبية أهلها.

صدرت الأوامر الروسية إلى بشار الجعفري بأنه لا بأس من الذهاب إلى جنيف، ولا بأس من التمتع بأكل الجبنة السويسرية والتسكع في ردهات الفندق، المهم أن تورد نشرات الأخبار حضوره، والأهم أن يقطّع الوقت حتى يحين موعد لقاء سوتشي. هناك سوف يتم إحضار سماسرة وقبضايات أحياء وتجار حروب وضباط مخابرات ومخبرين، وسيتم تقديمهم أطياف الشعب السوري وتعدديته الجميلة التي توافقت على بقاء الأسد، للحفاظ على الوحدة الوطنية وعلى الدولة ومؤسساتها. وحينها سيقول وزير الخارجية الروسي، سيرجي لافروف، للمعارضة إن اللعبة انتهت، وكل ثورة وأنتم بخير، ألم يخبرهم دي، المبعوث الأممي، دي ميستورا، أن قطار سوتشي سيفرمهم؟

حينها سيتذكّر السوريون أن هذه المعارضة كانت سيئة كما عصابة الأسد، الفارق ريما أنها لم تقتل ولم تغتصب، لكنها ضيّعت ثورة السوريين وحقوقهم، وكان الأجدر بمن لا يجد لديه القدرة والكفاءه على تحصيل حق الثوار الاستقالة، لا الاستقتال على منصب ومهمة ومكافأة. لم تجترح هذه المعارضة أي فكرة خلاقة تستطيع دفع العالم على التمسّك بها. كان يجب أن تبادر المعارضة إلى فكرة مؤتمر سوتشي، بالدعوة إلى مؤتمر وطني يمثل كل الفئات والشرائح الثورية، وتشكل برلمانا وحكومة إنقاذ. نحن أمام معارضة لم تسمح بتشكل هيكيلية ثورية من هيئات ومجالس وجمعيات مجالس عسكرية ومدنية. فقط صنعت هيئة تفاوض، لا خبرة لها في التفاوض.

المعارضة التي تفاوض من أجل تسوية أوضاع بعض أفرادها لا يعوّل عليها، والمعارضة التي تفاوض لأجل تحقيق أفرادها مكاسب سياسية في حكومة تحت جناح الأسد ليست جديرة بالثقة، والمعارضة التي تفاوض على خروج الثورة من سورية، حتى وإن لم تفهم ما بين السطور، الأجدر بها أن تتقاعد

Comments are now closed for this entry