الخطاب ليس من سستاني

المتواجدون الأن

54 زائر، ولايوجد أعضاء داخل الموقع

القنوات

   

Flag Counter

primi sui motori con e-max.it

الخطاب ليس من سستاني

خطاب السيستاني والاستخدام السياسي

يحيى الكبيسي

 

ظلت الحوزة الدينية في النجف تاريخيا، قسرا او اختيارا، بعيدة عن التدخل في العمل السياسي بشكل مباشر أو غير مباشر، وكانت الحالات المحدودة، التي عكست تخليا عن هذا المبدأ، مرتبطة بتحولات سياسية كبرى في العراق والإقليم ككل، ومرتبطة بموقف بعض علماء الدين، وليس بموقف مؤسسة الحوزة نفسها. فالمرجع محمد حسين النائيني تدخل بشكل مباشر في الحركة التي فرضتها الثورة الدستورية التي عصفت بإيران بين سنتي (1906 ـ 1909). يومها ساند النائيني هذه الثورة فقهيا في كتابه «تنبيه الامة وتنزيه الملة» الصادر في العام 1909 عبر تبنيه لفكرة «الحكومة الدستورية» (المشروطة) ضد فكرة «الاستبداد» (الحكومة المستبدة)، فبالنسبة إليه كانت المصلحة تتحقق بانتخاب الشعب لممثليه مباشرة. 
لقد التزمت حوزة النجف بمبدأ عدم التدخل حتى في لحظة حاسمة مثل الاحتلال البريطاني للعراق! ولا يزال الجدل قائما حول موقف الحوزة الرسمي (تحديدا موقف السيد كاظم اليزدي) من هذا الاحتلال، على الرغم من ان بعض علماء الحوزة شاركوا بأنفسهم في قتال البريطانيين! لكن الحوزة ظلت بعيدة تماما عن ثورة النجف في العام 1918، وعن التدخل المباشر في ثورة العشرين. وكانت لحظة 1923 حاسمة في هذا الاتجاه، عندما قررت حكومة رئيس الوزراء عبد المحسن السعدون نفي بعض الزعماء الشيعة إلى إيران، وعلى رأسهم محمد مهدي الخالصي، وهو القرار الذي كرس التزام حوزة النجف بعدم التدخل في الشأن السياسي.
وقد ظلت تدخلات المراجع الكبار في حوزة النجف في الشأن العام محدودة خلال السنوات اللاحقة، ولعل من أبرز هذه الحالات الصدام الذي حصل بين مرجعية النجف وعبد الكريم قاسم بعد ثورة/ انقلاب 1958، بسبب قانون الإصلاح الزراعي (1959)، الذي شكل في الواقع ضربة اقتصادية مباشرة لحوزة النجف، وبسبب الفتوى ضد الشيوعيين (1961)، حلفاء عبد الكريم قاسم، وبهذا فقد التزمت حوزة النجف بمبدأ عدم التدخل المباشر في الشأن العام، على الرغم من اللحظات المفصلية التي شهدها تاريخ العراق الحديث: الحرب العراقية الايرانية، وحرب الخليج الثانية، والتمرد واسع النطاق (1991)، واحتلال العراق (2003) من دون ان يكون للحوزة أي موقف صريح ومعلن منها. 
بعد الاحتلال الامريكي للعراق، وبسبب الفراغ السياسي الحاصل، وبسبب ضعف القوى السياسية الشيعية، برزت حوزة النجف من خلال مرجعية السيد علي السيستاني بوصفها البوصلة التي تحرك الخيارات الشيعية. 
وشكلت الحركة التي قامت بها هذه القوى السياسية بالتحول إلى تقليد مرجعية السيد السيستاني (كان حزب الدعوة يقلد المرجع اللبناني محمد حسين فضل الله، وكان المجلس الإسلامي الأعلى يقلد المرجع الايراني علي الخامنئي) تكريسا لهذه المعادلة. هكذا بدت الحوزة الدينية في الأشهر الأولى للاحتلال قوى رئيسية لا يمكن تجاوزها في تحديد مستقبل العراق، بل بدت قادرة عمليا على فرض نفسها على قرارات الامريكيين أنفسهم! فدعوى السيد السيستاني المتعلقة بضرورة «كتابة دستور من هيئة منتخبة» كانت حاسمة في تغيير الخطط الأمريكية بشأن العراق.
على أن دور الحوزة السياسي، بدأ يضعف تدريجيا بفعل عاملين؛ الأول يرتبط بموقف السيد السيستاني نفسه الملتزم بتقاليد حوزة النجف المتحفظ من التدخل المباشر في الشأن العام، والثاني يرتبط بالقوة التي بدا الفاعل السياسي الشيعي يحظى بها بفعل سيطرته على الدولة! هكذا انتقلنا من دور حقيقي وحاسم في كتابة الدستور وانتخابات الجمعية الوطنية (كانون الثاني/ يناير 2005)، ثم انتخابات مجلس النواب (كانون الاول/ ديسمبر 2005)، إلى صدام غير مباشر بين رئيس مجلس الوزراء السابق نوري المالكي والحوزة بداية من عام 2011، وهو الصدام الذي دفع السيد علي السيستاني إلى إعلان عدم استقباله أيا من السياسيين، ثم دفعه في مرحلة لاحقة إلى التدخل المباشر لمنع نوري المالكي من الولاية الثالثة!
وقد شكلت لحظة حزيران/ يونيو 2014 لحظة حاسمة في سياق علاقة حوزة النجف بالشأن العام. فالانهيار السريع للمؤسسة العسكرية والأمنية بعد سيطرة تنظيم الدولة على الموصل، اضطرت السيد علي السيستاني إلى إطلاق فتواه الشهيرة بالجهاد الكفائي في 13 حزيران/ يونيو 2014. وقد نصت هذه الفتوى أن «المواطنين الذين يتمكنون من حمل السلاح ومقاتلة الإرهابيين دفاعا عن بلدهم وشعبهم ومقدساتهم عليهم التطوع للانخراط في القوات الأمنية». وفي اليوم التالي صدر بيان عن مكتب السيد السيستاني يدعو صراحة إلى «ضرورة الاجتناب عن المظاهر المسلحة خارج الأطر القانونية». ثم جاءت خطبة الجمعة التالية لتؤكد على أن دعوى المرجعية «إنما كانت للانخراط في القوات الأمنية الرسمية وليس تشكيل مليشيات مسلحة خارج إطار القانون»! وان على الجهات ذات العلاقة «ان تمنع المظاهر المسلحة غير القانونية وان تبادر إلى تنظيم عملية التطوع وتعلن عن ضوابط محددة لمن تحتاج إليهم القوات المسلحة والاجهزة الأمنية الأخرى»! وفي خطبة الجمعة 4 تموز/ يوليو عادت الحوزة مرة أخرى للتأكيد على «ضرورة تنظيم عملية التطوع وإدراج المتطوعين ضمن تشكيلات الجيش والقوات الأمنية الرسمية وعدم السماح بحمل السلاح بصورة غير قانونية»! وفي خطبة لاحقة، عادت الحوزة مرة أخرى لتكرار نص ما قالته في الجمعة السابقة مع التأكيد هذه المرة على «عدم السماح بوجود مجموعات مسلحة خارج الأطر القانونية تحت أي صفة أو عنوان، إن هذا مسؤولية الحكومة وليس لها أن تتسامح في القيام بها»! 
كان من الواضح من خلال هذه التأكيدات، وهذا التكرار، ان حوزة النجف كانت تنظر بريبة إلى ما كان يجري على الأرض في تلك اللحظات! فقد استغل المالكي فتوى الجهاد الكفائي لشرعنة الميليشيات القائمة اصلا والتي أعاد انتاجها منذ منتصف العام 2012، و «سمح» لها بالقتال في سوريا! عبر منحها غطاء رسميا لكي تكون الحاضنة الوحيدة المتاحة لاستقبال المتطوعين على نقيض ما قررته الفتوى! وقد كشفت الوثائق الرسمية أن المالكي قد وضع منذ البداية خطة لشرعنة هذه المليشيات حتى قبل الفتوى! حيث صدر قرار عن مجلس الوزراء قبل يومين من صدور فتوى السيد السيستاني، يخول رئيس مجلس الوزراء بتنظيم «صفوف المتطوعين وصرف رواتبهم وتجهيزاتهم»، وقد أستطاع المالكي استغلال الفتوى عمليا لتنفيذ خطته. فبعد الفتوى بخمسة أيام، أصدر أمرا ديوانيا غير قانوني باستحداث هيئة ترتبط برئاسة مجلس الوزراء باسم «هيئة الحشد الشعبي» خارج إطار القوات العسكرية والامنية، مناقضا بذلك تماما ما كانت تدعو اليه المرجعية! 
ظلت المرجعية الدينية، في السنوات الثلاث الاخيرة، مصرة على اعتماد مصطلح «المتطوعين»، ولم تشر مطلقا إلى ميليشيا الحشد الشعبي! ومع هذا استمر خطاب التدليس الممنهج يروج لفكرة ان هذه المليشيات كانت نتاجا لفتوى السيد علي السيستاني! في الأسبوع الماضي عاد السيد علي السيستاني ثانية إلى موضوع المتطوعين ومستقبلهم، فقد أشارت خطبة الجمعة يوم 15 كانون الأول/ ديسمبر إلى ان «المنظومة الأمنية العراقية لا تزال بحاجة ماسة إلى الكثير من الرجال الأبطال الذين ساندوا قوات الجيش والشرطة الاتحادية خلال السنوات الماضية» وأن «من الضروري استمرار الاستعانة والانتفاع بهذه الطاقات المهمة ضمن الأطر الدستورية والقانونية التي تحصر السلاح بيد الدولة»! كما أشارت الخطبة إلى المشاركة في الجهاد الكفائي: «يجب عدم محاولة استغلالها لتحقيق مآرب سياسية»! وكما هو واضح من كلمات السيد السيستاني فأنه لا يزال يعترض ضمنيا على ميليشيا الحشد الشعبي التي تحولت إلى أمر واقع! كما أنه يشكك في الوقت نفسه بخطاب الفاعل السياسي الشيعي، بداية من رئيس مجلس الوزراء حيدر العبادي، الذي يصر على أن هذه الميليشيات بموجب القانون أصبحت «جزءا من المنظومة الامنية»! والسؤال هنا كيف تدعو المرجعية للاستعانة بقوة يفترض انها جزء من المؤسسة الأمنية أصلا؟ وكيف يدعو إلى أن يكون ذلك «ضمن الأطر الدستورية والقانونية» ما دامت هي قانونية أصلا؟ وأخيرا لماذا يدعو إلى عدم استغلال الجهاد الكفائي لأغراض سياسية ما دام الجميع يعلم أن هذه المليشيات تحاول تحويل مشاركتها العسكرية إلى استثمار سياسي؟
لا بد من التمييز بحصافة بين كلمات السيد علي السيستاني طوال السنوات الماضية، وهي كلمات عكست عقلانية افتقد اليها الفاعل السياسي الشيعي، وبين الاستخدام أو الاستغلال السياسي لهذه الكلمات. 
وبالتالي فان هذا يفرض على المرجعية أن تكون أكثر حسما في فضح هذا الاستخدام السياسي لكلماتها بعيدا عن المراد منها.

Comments are now closed for this entry