الفيلية بين انتمائهم الكردي وولائهم الشيعي - وائل عصام

المتواجدون الأن

47 زائر، ولايوجد أعضاء داخل الموقع

القنوات

   

Flag Counter

primi sui motori con e-max.it

الفيلية بين انتمائهم الكردي وولائهم الشيعي - وائل عصام

 

يتنشر الكرد الفيلية في المناطق الممتدة على الجزء الشرقي من الحدود العراقية الإيرانية وسط البلاد وجنوبها في محافظتي واسط وميسان وشمالا إلى محافظة ديالى في جلولاء وخانقين ومندلي في مقابل انتشارهم داخل الأراضي الإيرانية، في محافظات كرمنشاه وعيلام والأحواز على الحدود الغربية الإيرانية مع العراق.
وينتمي الكرد الفيلية إلى الطائفة الشيعية فيما يسود جدل واسع حول الانتماء القومي لهذا المكون الأصيل ضمن مكونات المجتمع العراقي منذ تأسيس الدولة العراقية في أوائل عشرينيات القرن الماضي؛ وتبدو ثمة إشكالية تتعلق بالبعد القومي «المُختلف» عليه بن قائل بالانتماء إلى القومية العربية، ويمثل هؤلاء نسبة من الكرد الفيلية الذين يعتقدون بهذا الانتماء تبعا لتواجدهم الجغرافي وانتشارهم منذ قرون في بيئة عربية خالصة في العاصمة بغداد ومدن بدرة وجصان في محافظة واسط على الحدود العراقية الإيرانية، فيما النسبة الأقل منهم تتواجد في مناطق الكثافة الكردية في إقليم كردستان العراق.
ويتنامى شعور واسع لدى الكرد الفيلية، بتعرضهم للتمييز على أساس الانتماء الطائفي، كما تروج الاتهامات الموجهة لهم بالولاء لإيران، باعتبار ان بعض مناطق انتشارهم على الحدود الإيرانية العراقية تمتد في العمق الجغرافي الإيراني، بأصول اجتماعية مشتركة، حرمتهم من العمل في الوظائف الحكومية خلال العقود الأولى من تأسيس الدولة العراقية الحديثة، وهذا ما يمكن ملاحظته في أدبيات كتاب أو شخصيات من الكرد الفيلية.
في العاصمة بغداد كانت هناك صورة مغايرة عكسها واقع مجتمع متعايش مختلط قوميا ودينيا وطائفيا أتاح للكرد الفيلية الاندماج في النشاط التجاري الذي تعاظم بعد هجرة يهود العراق عام 1948 الذين تركوا خلفهم مساحة واسعة من الاستثمار في تجارة المواد الغذائية والأكياس والحديد ومختلف أنواع البضائع التي كانوا يسيطرون على نسبة مهمة منها في أسواق بغداد، حيث نجح الفيلية في ملء الفراغ الذي خلفته هجرة اليهود في المجال التجاري، بحكم تمركزهم وسط المركز التجاري للعاصمة في شارع الرشيد وأحياء الشيخ عمر والكفاح وحي الأكراد الذي كان يشكل التجمع الأكبر لهم في خمسينيات وستينيات القرن الماضي قبل ان تطالهم قوانين الترحيل إلى إيران بعد الحرب الإيرانية العراقية أوائل الثمانينيات تحت مسمى «التبعية الإيرانية» لاعتقاد الحكومة آنذاك انهم يشكلون طابورا مواليا لإيران.
وتشير بعض الدراسات التاريخية إلى ان الكرد الفيلية في الجانب الإيراني المعروفون باسم «اللور» عاشوا عدة قرون ضمن ما تسمى «لورستان» بشكل مستقل عن الدولة المركزية في بلاد فارس حتى عام 1929 حيث قام رضا شاه بضمها إلى إيران. 
واستخدم ياقوت الحموي في القرن الثالث عشر اسم «اللور» ووصفهم بانهم «قبيلة من الأكراد تعيش في الجبال بين خوزستان وأصفهان»، وتسمى مناطقهم بلاد «اللور» أو «لورستان»؛ وليس بعيدا عن هذا يذهب مؤرخون معاصرون إلى ان أصل تسمية الكرد الفيلية جاءت على خلفية قدومهم إلى العراق قبل مئات السنين من موطنهم الأصلي في جبال زاكروس بكردستان إيران حيث تأقلموا مع المجتمع العراقي في شرق البلاد على الحدود مع إيران وامتهنوا مختلف المهن التجارية والزراعية، كما برزوا في مجال النشاط السياسي ضمن الحركات الكردية العراقية والأحزاب اليسارية التي ظهرت في العراق منذ خمسينيات القرن الماضي.

تعايش مشترك

لا يوجد ما يؤكد على المشترك القومي مع الأكراد على الرغم من احتفاظ هذا المكون باسم له دلالة كردية «الكرد الفيلية»، ويرى البعض منهم ان مثل هذا الانتماء تعوزه الأدلة التاريخية والعلمية؛ لكن قد يكون هناك ما هو أقرب تاريخيا إلى الواقع إذا استخدمنا مصطلحا يتم تداوله على نطاق ضيق باسم «العراقيين المستعربين» وهؤلاء عادة يمثلهم أقوام وافدة إلى وسط وجنوب العراق في وسط بيئة ناطقة باللغة العربية وتقاليد وأعراف قبلية عربية سمحت لهم بالتعايش المشترك والتزاوج والانصهار الثقافي، إضافة إلى ان تلك المناطق تقطنها غالبية شيعية وهذا عامل تعايش مشترك بين الكرد الفيلية وأبناء تلك المناطق.
الباحث الكردي المعروف إسماعيل طه والذي يهتم بترجمة الكتب من اللغة العربية إلى اللغة الكردية، قال في اتصال مع «القدس العربي» تعليقا على «اتهامات» متداولة بان الكرد الفيلية يشكلون «طابورا خامسا» لإيران، بحكم الانتماء الطائفي المشترك، وانهم موالون لإيران وللمذهب الشيعي أكثر من ولائهم لقوميتهم «الكردية»، التي لا تزال صحة مثل هذا الانتماء مثار جدل بين الكرد الفيلية انفسهم، وأيضا لدى قطاعات واسعة من الأكراد «السنة» الذين لا يرون صحة مثل هذا الانتماء ضمن إشكالية وصفها الباحث الكردي بانها «معقدة وغير محسومة بشكل قاطع».
لكن طه، يرى في حقيقة الاتهامات الموجهة للكرد الفيلية، انها «مسألة نسبية لا يمكن القول بإطلاقها»، مع تأكيده على ان «بعضا منهم ثمة ما يؤكد على انهم بالفعل يشكلون طابورا خامسا يعمل لصالح إيران ويغلب مصالحها على مصالح الأكراد»، وهذا «لا ينطبق على جميع الكرد الفيلية انما على نسبة من الصعب تحديدها بشكل دقيق، لكن لا يمكن نفيها بشكل قاطع».
وأرجع الباحث الكردي أسباب ذلك إلى عامل «الجغرافية المشتركة التي يتساكن عليها الكرد الفيلية مع الإيرانيين من المكون نفسه رغم الحدود المرسومة بين البلدين العراق وإيران».
وحسب كتابات لمستشرقين، يرتبط الكرد الفيلية «اللور» في الجانب الإيراني تاريخيا بموطن أجدادهم في العراق أكثر من ارتباطهم بإيران، كما انهم مرتبطون روحيا بالعراق الذي يضم العتبات الشيعية في سامراء والنجف وكربلاء وغيرها؛ لذلك يُعتقد ان الكرد الفيلية «اللور» الذين يعيشون في إيران حاليا هم من أصول عراقية عبروا الحدود بهجرات متعاكسة بين البلدين قبل عام 1929؛ وتؤكد كتابات المستشرقين ان اللغة «اللورية» حافظت على «خصوصيتها» ورفضت المفردات الدخيلة عليها في البيئة الجغرافية المجاورة سواء العراق ولغة سكانها العربية أو إيران ولغتهم الفارسة ولغات أخرى. 
وأشار الباحث إسماعيل طه إلى ان القول «بولاء بعض الكرد الفيلية لغير الأكراد ليس حكرا على هذا المكون، بل يشمل مكونات أخرى مثل التركمان والمسيحيين والإيزيديين وغيرهم ممن يعيشون على أراضي إقليم كردستان وكثيرا ما صرحوا تصريحات مناوئة لأكراد الإقليم، الذين أعطوا مثل تلك المكونات المتعايشة معهم، حجما أكبر من حجمهم على الأرض وتأثيرهم الحقيقي». مؤكدا على ان «للأكراد أيضا حاجة أو مصلحة في تواجد مثل هذه المكونات على أراضي إقليم كردستان لتقوية موقع الإقليم في المنطقة».

قرارات التسفير

في اتجاه مغاير لما ذهب إليه الباحث الكردي إسماعيل طه، يرى سالم الحاج الصحافي الكردي، الذي يرأس تحرير مجلة «الحوار» الفصلية التي تصدر في عاصمة الإقليم باللغة العربية، ان «الكرد الفيلية هم جزء أصيل من الشعب الكردي دون أدنى شك، مع اختلافهم مذهبيا عن الغالبية العظمى من الأكراد الذين ينتمون إلى المذهب السني».
ويعتقد سالم الحاج في حديثه لـ «القدس العربي» ان سبب ما اسماها «مآسي قديما وحديثا» يعود في حقيقته إلى انتمائهم للمذهب الشيعي، وذكّر بما لاقاه الكرد الفيلية من «ويلات أثناء حكم صدام حسين بتهمة انهم من التبعية الإيرانية وليسوا عراقيين»، وهذه التهمة كانت أحد مسوغات استصدار قرارات تسفير «المشكوك» بتبعيتهم لإيران.
لكن الكرد الفيلية اليوم «فقدوا هويتهم بين الأكراد والشيعة» حسب وصف الحاج، الذي يرى ان الجانبين القومي الكردي والمذهبي الشيعي «يتقاذفان الكرد الفيلية بدواعي شيعيتهم مع حس قومي ضعيف الانتماء للأكراد»، فيما يرى الشيعة «ان الانتماء القومي للكرد الفيلية أضعف الولاء للمذهب الشيعي لديهم».
ويُرجع الحاج ذلك إلى «عامل التجاذبات السياسية والمصالح بعيدا عما يتعلق بالانتماء القومي أو الولاء المذهبي»، لكنه لا يستبعد «ان بعض وليس كل الكرد الفيلية يلعب دور الطابور الخامس لإيران ويعمل لصالح إيران ومذهبه الشيعي أكثر مما يعمل لخدمة مصالح قوميته الكردية، وهو أمر وارد لا يثير المزيد من العجب طالما أن الشيعة في العراق اليوم هم القوة الغالبة والسلطة الحاكمة».
لكن الحاج يرى ان من «الظلم» تعميم مثل هذه الأحكام على «جميع الكرد الفيلية» الذين كما غيرهم من الأقوام والطوائف، ليسوا كتلة واحدة، أو حزبا واحدا، بل يتوزعون على أحزاب وتيارات عديدة، فمنهم من يعمل ضمن صفوف الأحزاب الكردية، وفيهم قيادات في الصف الأول فيها، كما أن لهم أحزابا سياسية مستقلة، تعمل لصالح أهدافها وطائفتها، ومنهم من يعمل لصالح الأحزاب الشيعية، وكثير منهم لا دور لهم، وليس لهم مصلحة إلا مع الحياة الكريمة، والأمن والاستقرار، فمن وفرها لهم كانوا معه وصوتوا لصالحه»، كما يقول سالم الحاج رئيس تحرير مجلة «الحوار» الفصلية لـ «القدس العربي».
يذكر ان الكرد الفيلية تبنوا موقفا معارضا لاستفتاء إقليم كردستان الذي دعت حكومة الإقليم الأكراد خارج المحافظات الثلاث المشاركة فيه، ويشكل الكرد الفيلية معظم نسبة الأكراد خارج مناطق الإقليم، وهو موقف منسجم تماما مع موقف الحكومة المركزية؛ وأعلن رئيس لجنة الأكراد الفيليين في مجلس محافظة واسط التي تعد موطنا لنسبة كبيرة منهم عن رفضهم المشاركة في الاستفتاء الذي سيؤدي إلى انفصال الإقليم عن العراق.

سياسة التمييز التي تفرضها الأكثرية

وهناك شعور لدى طيف واسع في أوساط الكرد الفيلية بتعرضهم للتمييز على أساس الانتماء الطائفي واتهامات موجهة لهم «بالولاء لإيران» بذريعة ان بعض مناطق انتشارهم على الحدود الإيرانية العراقية تمتد في العمق الجغرافي الإيراني بأصول اجتماعية مشتركة حرمتهم من العمل في الوظائف الحكومية خلال العقود الأولى من تأسيس الدولة العراقية الحديثة، وهذا ما يمكن ملاحظته في أدبيات كتاب أو شخصيات من الكرد الفيلية.
وبعد التغيير الذي حصل في أعقاب غزو العراق ظلت «مظلومية» الكرد الفيلية قائمة دون إيجاد حلول جذرية لما يعتقدون بأنهم ضحايا سياسة التمييز التي تفرضها الأكثرية العربية؛ وحيث ان أساس العملية السياسية يقوم على محاصصة سياسية تعتمد على «التفاهمات» بين رؤساء الكتل السياسية الكبيرة، منحت الحكومة العراقية في عام 2012 بموجب التعديل الثاني لقانون انتخابات مجالس المحافظات لسنة 2008 مقعدين اثنين للكرد الفيلية بواقع مقعد واحد في مجلسي محافظتي بغداد وواسط.
وفي كانون الأول/ديسمبر 2013 نظمت شخصيات من الكرد الفيلية مؤتمرا في بغداد لمناقشة مسألة حصة الكرد الفيلية في انتخابات مجلس النواب المقررة في 2014 ومعالجة حالة «التهميش» الذي يتعرضون له، واجمع المؤتمرون على تخصيص كوتا للكرد الفيلية بما لا يقل تمثيلهم عن 5 في المئة من مجموع سكان العراق، وطــالـبــوا الكتل السياسية بالتجاوب مع مطالبهم في إطار السعي لتحقيق التوازن مع المكونات الأخرى.
أما في إيران فتعاني الأقليات الدينية والعرقية بشكل عام من التهميش في تبوء المناصب العليا في الحكومة، ومن بين هذه الأقليات العرب في الأحواز كأقلية عرقية والأكراد السنة والبلوش السنة في وسط وشمال شرقي إيران كأقلية طائفية، وكذلك الكرد الفيلية «اللور» كأقلية عرقية على الرغم من اتباعهم المذهب الشيعي الذي يحكم البلاد؛ وتتضارب المعلومات بشكل كبير فيما يتعلق بحقيقة النسب السكانية للأكراد السنة أو الأكراد الشيعة «الفيلية» أو العرب أو غيرهم لعدم وجود احصائيات رسمية. 
لكن ثمة من ينظر إلى مستجدات في تعامل الحكومة الإيرانية «الإصلاحية» مع الأقليات الدينية أو العرقية بعد تعيين محمد مهدي شهرياري القنصل الإيراني في ألمانيا قبل اختياره محافظا لمدينة ارومية بكردستان إيران؛ وشهرياري كردي شيعي فيلي من محافظة خراسان الشمالية، وهو أول من يتولى هذا المنصب بعد الثورة الإيرانية بعد ان كان حكرا على الأذريين في الغالب؛ كما عينت الحكومة الإيرانية بهرام مورادنيا محافظا لمدينة «سنه» التابعة لكردستان إيران، وهو أيضا كردي شيعي «فيلي» سبق ان شغل مقعدا في البرلمان الإيراني عن هذه المدينة.

أضف تعليق

(( مَا يَلْفِظُ مِنْ قَوْلٍ إِلَّا لَدَيْهِ رَقِيبٌ عَتِيدٌ)) ‏


كود امني
تحديث