سواكن.. الجزيرة التي لا تحمل من اسمها شيئا - أمين بن مسعود

المتواجدون الأن

92 زائر، ولايوجد أعضاء داخل الموقع

القنوات

   

Flag Counter

primi sui motori con e-max.it

سواكن.. الجزيرة التي لا تحمل من اسمها شيئا - أمين بن مسعود

 

في كتابه “العمق الاستراتيجي لتركيا” أصّل وزير الخارجية التركي السابق أحمد داود أوغلو للجغرافيا السياسية والثقافية والتاريخية لتركيا على أنها بوابة الشرق من أوروبا وبوابة أوروبا نحو الشرق، ولكنه يبدو أنه لم يضع في حسبانه يوما أن بلاد آل عثمان ستتوسط أفريقيا وآسيا عبر قانون “تسويغ” المواقع والمواقف.

لا تحمل جزيرة سواكن السودانية من اسمها شيئا. فالجزيرة التي انتقلت إدارتها وثقلها ومكانها ومكانتها من السودان إلى تركيا بجرة قلم من رئيس إخواني انقلابي، إلى رئيس انقلابي على الانقلاب، ستؤثر في توازنات المنطقة وفي استراتيجيات الفاعلين الإقليميين وبالتحديد مصر والمملكة العربية السعودية.

فتركيا اليوم باتت تجاور المملكة العربية السعودية من 3 مواقع استراتيجية. الأول في قطر حيث القاعدة العسكرية الأميركية الكبرى، والثانية في العراق حيث القواعد العسكرية في كردستان العراق، والثالثة في السودان حيث باتت بين الحدود التركية الجديدة وموانئ جدّة والبقاع المقدسة في مكة المكرمة والمدينة المنورة مسافة بصر ورمية حجر.

الأمر الذي يُفهم استراتيجيّا أن تركيا، بفعل التمدد العسكري والأمني والاقتصادي، أصبحت اليوم فاعلا مؤثرا وأصيلا مباشرا في قضايا المنطقة الخليجية والعربية بصفة عامة، ويُقرأ أيضا ضمن سياق امتداد جغرافيا الأمن القومي التركي إلى حدود القارة الأفريقية.

على أن الإطلالة التركية على البحر الأحمر، تجعل من أنقرة شريكة في المكاسرة الإقليمية والدولية على السيطرة على البحيرات الدافئة، فلئن فشلت تركيا في مجاراة اللاعب الروسي في البحر الأسود بعد الاستيلاء على القـرم، وانتكست في حرب تكريس الوجود في البحر المتوسط بسبب كثرة اللاعبين الكبار والثقل الروسي في اللاذقية وطرطوس والحساسية المصرية والليبية من أنقرة، ورفض القارة الأوروبية لأي دور تركي في البحر أو البـر، فـإن الغنيمة الثمينة التي حازتها تركيا من القطري والسوداني تمكنها من تعويض البحر الأسود ببحر الخليج العربي، والمتوسط بالأحمر، وتمنح لتركيا بفضل التمدد جغـرافيا بديلة عن الجغرافيا الأصيلة.

المفارقة أن ذات الذين ذرفوا دموع التماسيح على السيادة المصرية في جزيرتي تيران وصنافير يصفقون اليوم طويلا لـ“تسويغ” غير محدود المدة والكيفية والصلاحية ودون استشارة سلطة تنفيذية أو تشريعية أو قضائيّة عليا، لجزيرة استراتيجية تقع تحت السيادة السودانية.

تدرك الريـاض بالتحديد، أن عثمنـة جزيرة سواكن يأتي صلب مكاسرة إقليمية ولعبة أمم كبرى في البحر الأحمر، فالصين اليوم باتت موجودة عبر قاعدتها في جيبوتي، وإيران عبر قاعدتها في إريتريا وميليشياتها في اليمن، وأميركا عبر قاعدتها في جيبوتي أيضا، وإسرائيل من خلال تمكين عسكري في إريتـريا، إضافة إلى فرنسا واليابان دون نسيان روسيا التي تبتغي تواجدا عسكريا واضحا في خليج عدن.

عام 2018 سيكون عام الأحداث في منطقة الساحل الأفريقي بداية من البحر الأحمر مرورا بعواصم الساحل، وليس انتهاء بالبحيرة المتوسطة الدافئة حرارة والمشتعلة أزمات

وهي مقدمات تكشف عن حجم الرهان والتسابق الحاصل في البحر الأحمر الذي يمثل شريانا اقتصاديا وتجاريا دوليا كبيرا ومحطة استراتيجية عسكرية غاية في الأهمية.

يكفي أن نشير هنا إلى أن تركيا التي تسوّغت جزيرة سواكن من السودان، هي ذاتها التي بنت قاعدة عسكرية في الصومال بقيمة 50 مليون دولار، ويكفي هنا أيضا أن نؤكد أن السعودية التي تطل على البحر الأحمر من جهة الشرق تبتغي قاعدة عسكرية ثانية في جيبوتي، وإيران التي تملك الوكالة الميليشياوية في اليمن استوطنت البحر الأحمر من جهة إريتريا، كما أنّ المصادر العسكرية المطلعة تؤكد أن الإمارات العربية المتحدة وطنت البحيرة من جهتي باب المندب وإريتريا، فيما تشير مصادر أخرى إلى اضطلاعها بقاعدة عسكرية ثالثة في أرض الصومال.

كل هذه المؤشرات جعلت من زيارة رئيس الوزراء التركي بن علي يلدريم إلى السعودية الأربعاء، والتي توافقت مع استلام تركيا لجزيرة سواكن وتقاطعت أيضا مع اجتماع لرؤساء الأركان لدول السودان والسعودية وتركيا، غير مرحبّ بها أو على الأقل غير مطمئنة للرياض التي تبصر أمام أعينها تغيير الجغرافيا السياسية واستبدال الجوار وتبديل الأدوار دون الحدّ الأدنى من التنسيق معها.

وليس ببعيد عن الرياض، تتحسس القاهرة الطوق التركي، وقد لامس عمقها الاستراتيجي وتوغّل في مجالها الحيوي. فجأة، استفاقت القاهرة على “عثمنة الجوار”، واستدرار الباب العالي من اسطنبول وأنقرة إلى أرض الحبشة والسودان، لتزيد الهوة بين الخرطوم والقاهرة حد التباين الاستراتيجي بعد أن تمكّن أردوغان من موطئ قدم حيوي على ضفاف النيل وقرب مثلث حلايب وشلاتن الذي بات مثلث برمودا في العلاقات بين مصر والسودان.

وهكذا أيضا يعمد السودان إلى تصيير الحدود المصرية إلى حدود مشتعلة من نار الأزمات، فالجبهة الجنوبية باتت برأسين إخوانيين، والجبهة الشرقية في سيناء محاطة بالجماعات التكفيرية والمصالحة الفلسطينية معطلة ومؤجلة، والجبهة الغربية غير واضحة المعالم وملبدة الأفق.

من الواضح أن مرحلة ما بعد التمكين التركي في سواكن لن تكون كما قبلها، فالقاهرة تمتلك أوراقا سياسية يمكنها إحراج أردوغان على غرار التقارب مع دمشق وتوطيد العلاقات مع أرمينيا واليونان، وتحوز أوراقا مهمة لإرجاع الخرطوم إلى مربعها الأول وعمر حسن البشير إلى استدارته المعتادة.

عام 2018 سيكون عام الأحداث في منطقة الساحل الأفريقي بداية من البحر الأحمر مرورا بعواصم الساحل، وليس انتهاء بالبحيرة المتوسطة الدافئة حرارة والمشتعلة أزمات

Comments are now closed for this entry