كيف ستكون صورة الشرق الأوسط - د. مثنى عبدالله

المتواجدون الأن

115 زائر، ولايوجد أعضاء داخل الموقع

القنوات

   

Flag Counter

primi sui motori con e-max.it

كيف ستكون صورة الشرق الأوسط - د. مثنى عبدالله

 

 

 

 يقينا لا يمكن فصل الشرق الأوسط عن العالم، لكن أن يصبح الوطن العربي منطقة ضغط واطئ، والآخرون في منطقة ضغط عال، فتلك هي المعضلة الكبرى. 
معظم العالم اليوم يوجد فيه نوع جديد من السياسيين الأقوياء إلا نحن. ترامب يقول أمريكا أولا، ومودي في الهند يقول الهندوسية أولا، وبوتين يعمل من أجل الاوراسية أولا، وماكرون يقول فرنسا أولا. وحدنا من لا يعرف أين نحن. 
السؤال المهم الذي يراود الكثيرين اليوم هو كيف ستكون صورة منطقتنا العربية والشرق الأوسط في العام الجديد؟ وهل ستُقبل علينا سنوات سمان من بعد عجاف؟ هنا استشرافنا للصورة، لابد أن يرتكز على الأنماط التاريخية المتكررة. هذه الأنماط تحدث وفقا للظروف الحالية التي نمر بها، بمعنى أن أوضاعنا السياسية والاقتصادية والاجتماعية والعسكرية والامنية هي التي تحدد ملامح صورتنا في عام 2018. 
إن القراءة الموضوعية للوضع العربي تشير إلى وجود حالة اضطراب مُركّب، في ليبيا انقسام حاد.. غربها معترف به من قبل الامم المتحدة، وشرقها تدعمه مصر والامارات، وهنالك تنظيم الدولة وميليشيات مسلحة تسيطر على أجزاء أخرى. مصر تعاني من وضع اقتصادي مترد وغير مسبوق، ففي سيناء تنشط تنظيمات مسلحة كثيرة تستنزف موارد الدولة، وهنالك ألف علامة استفهام على شرعية السلطة، وتأرجح عسكري بين روسيا والولايات المتحدة. وفي المغرب ينشط حراك شعبي ضد الإقصاء والفساد، لا يكاد يهدأ في ولاية حتى ينفجر في أخرى. 
أما المشرق العربي، فاليمن يعاني من حرب تحوّلت إلى كابوس، وجلبت الدمار والخراب والامراض. والعراق يعاني من مشاكل اقتصادية طاحنة كان الفساد عامل خلق لها، وشرعية سياسية مُختلف عليها من قبل الجميع، ونهوض لقوى ميليشاوية تسعى إلى تقدم الصفوف وفرض رؤاها السياسية على البلد بكامله. في سوريا لم يعد من خطر وجودي على النظام، الذي بات وجوده شكليا مقابل وجود فعلي للحلفاء، بعد أن سيطر على المدن الرئيسية في البلاد. وبخصوص لبنان فما زال مختطفا من قبل ميليشيا حزب الله حتى الساعة. والخليج على وقع أزمة لم يعرفها من قبل. هذه صورتنا في العام الماضي فما هي ملامح عام 2018؟
في سوريا ورغم تراجع حدة العنف، لكن وظيفة النزاع لم تنته بعد. روسيا تريد العام الجديد عام سوتشي. هي ستقوم بتجميع مرجعيات وفئات أغلبها تحت سقف النظام، وليس سقف الدولة. وستعمل على محو مسار جنيف تماما، كي تؤهل النظام وتكرّس الحل الذي تتبناه. هي تحاول ترتيب أوراقها الدبلوماسية في هذه القضية، مستفيدة من الفراغ الذي خلّفه الدور الأمريكي، لكن رحلة الحل لن تكون سهلة من دون وفاق مع واشنطن التي لديها وجود كبير في سوريا. إذن سيحصل تقدم لكن ستبقى هنالك ثغرات استراتيجية على طريق الحل السوري. ما يجب قوله هو إن القرار السوري ذهب من أيدي السوريين جميعا، وبات في أيدي روسيا وإيران وربما تركيا والخليج.
أما القدس فستكون أيقونة العام الجديد، بعد قرار ترامب بالاعتراف بها عاصمة لاسرائيل. هذا القرار أعاد وضعها وكل فلسطين وجريمة الاحتلال على الطاولة مجددا، بعد أن تراجعت القضية سنوات عدة في خضم الأحداث الكبرى. كما تأكد سقوط أوسلو وكل عملية السلام التي مضى بها الجميع في عام 1991. وسيجبر رد أهلنا في فلسطين والموقف الدولي كل القوى الفاعلة للبحث عن حل، حتى الصهاينة سيبحثون عن حل، ليس خوفا من القمم العربية والإسلامية، بل خوفا من ردة فعل أهلنا في فلسطين، وستطل ما يسمى بـ»صفقة القرن» برأسها في العام الحالي رويدا رويدا لجس نبض شعبنا لكنها لن تمر.
عراقيا، ستستمر مصادرة قراره الوطني، في ظل الوجود الايراني في بنيته السياسية، والاستثمار الدولي للمساعدة التي قدموها له في الحرب على تنظيم «الدولة». فكل الدول التي ساندته ومولت تلك الحرب تنتظر عوائد اقتصادية وسياسية. وفي العام الجديد سيحصل رئيس الوزراء الحالي على ولاية ثانية بموافقة أمريكية، وستكون الموافقة الايرانية مشروطة بإذعانه التام إلى الاجندة السياسية للحشد الشعبي، الذي يعلن صراحة عن استحقاقاته لمرحلة ما بعد هزيمة تنظيم «الدولة»، وبذلك سينتقل العراق من دولة تسيطر عليها الميليشيات والجماعات المسلحة إلى دولة الميليشيات والجماعات المسلحة، كما سيتضاعف فشل الاسلام السياسي السني وتتشتت حواضنه بولاءات متعددة.
في اليمن سيستمر الحوثيون في إطلاق الصواريخ باتجاه الرياض وربما غيرها، وسيتعرضون للسفن المارة في البحر الأحمر كوسيلة ضغط، لإجبار القوى الكبرى على الاهتمام بالموضوع اليمني. كما ستستمر فصول المأساة الإنسانية فيها، على شكل أمراض وضحايا أبرياء نتيجة الحصار والضربات الجوية، وستتصاعد ضغوط واشنطن وباريس ودول أخرى على السعودية باتجاه إيجاد صيغة حل للحكم المشترك بين الجميع. خليجيا، لن يحصل انفراج في الازمة بين قطر ودول الحصار، فقد حصلت فيها شخصنة شديدة مست الأعراض والأنساب وباتت حالة عناد شخصي، وضّحها بصورة جلية غياب معظم قادة دول الحصار عن قمة الكويت لمجلس التعاون الخليجي، كما كان فيها الكثير من السياسات والمطالب غير المنطقية، التي لا تتفق مع المصلحة الاستراتيجية لقطر ومسلماتها الاساسية. هم يريدون أن يطفئوا الدور القطري المستقل عنهم بصورة تامة، لانهم يعتقدون أن قطر تحرك الخلايا النائمة لما يسمى بالربيع العربي الذي يخافونه.
في السعودية ستستمر صيغة الحكم الجديد في صنع معادلتها الخاصة، والقائمة على تهميش المؤسسة الدينية وإبعاد دورها التقليدي، وإبراز دور ولي العهد، واختصار العائلة المالكة كلها به. خارجيا ستبقى سياساتها في حالة توتر وتهدئة مع دول الجوار العربي وغير العربي، وعلى الرغم من أنها قوة تقليدية في المحيط، لكنها ستبقى تفتقر إلى الدور الموازي لمكانتها بسبب ضيق اختياراتها.
أما مثلث القوى الحقيقية في الشرق الأوسط وهي إيران وإسرائيل وتركيا فتنطبق عليهم مقولة الاقوياء يزدادون قوة، حتى بات لديهم فائض محسوس منها في كل مكان. فالعنجهية الاسرائيلية ستزداد ضد شعبنا في فلسطين، خاصة بعد جرعة السعار الذي بثه ترامب في عروقهم، بالاعتراف بالقدس عاصمة لهم، ومغازلة دول عربية كبرى لهم بزيادة التعاون وصولا إلى التحالف. بالنسبة إلى إيران فإن ميزانية الحرس الثوري لعام 2018، تشير وبكل وضوح إلى تعزيز مبدأ تصدير الثورة، ويعتبر الحرس أداة وحيدة لتنفيذ هذه الايديولوجية. فالميزانية ازدادت لتصل إلى ثمانية مليارات ونصف المليار، بعد أن كانت ستة مليارات ونصف المليار. وهذا يعني تعزيز تواجده في الدول التي فيها نفوذ إيراني، والاستمرار في برنامج الصواريخ البالستية الذي يشرف عليه. أما التظاهرات الاخيرة فهي دخان بلا لهب يلتهم نظام الملالي. اما تركيا، فدورها السياسي والعسكري سيشهد تصاعدا كبيرا خاصة في أمن البحر الاحمر. فجزيرة سواكن السودانية ستكون قاعدة عسكرية مهمة. كما ستعيد تركيا المحاولة مع جيبوتي للحصول على قاعدة فيها، إضافة إلى القاعدة العسكرية في الصومال. هنا لابد من التذكير بالتواجد العسكري الروسي في سوريا، بصيغة قواعد ثابتة في حميميم الجوية وطرطوس البحرية. وسيشهد العام الجديد عودة روسية إلى دول عربية أخرى، بعد أن أعطت انطباعا بأنها تحمي كراسي من يتحالف معها.
أين نحن العرب من كل هذه التحديات؟ لا يوجد أي رد فعل إطلاقا، بل لا موقع لنا على خريطة الاقليم الا بصيغة المفعول به. فالنظام العربي والدولة العربية في حالة سقوط مريع، والصراع الدائر هو جيوسياسي بغطاء ديني، وكل الاستراتيجيات العربية، إن كانت موجودة حقا، ترتكز على إرادات الآخرين ومصالحهم، هذه الحالة من أسوأ الاوضاع التي تمر بها الدول في العالم الاستراتيجي. ويبقى ما هو غير متوقع متوقع أن يحدث أيضا.

Comments are now closed for this entry