فوبيا البعث… والاستخدام الانتخابي - يحيى الكبيسي

المتواجدون الأن

74 زائر، ولايوجد أعضاء داخل الموقع

القنوات

   

Flag Counter

primi sui motori con e-max.it

فوبيا البعث… والاستخدام الانتخابي - يحيى الكبيسي

 

لم تكن لحظة 14 تموز 1958 مجرد بداية للحكم الجمهوري «المفترض» في العراق، ولم تكن أيضا بداية لحكم العسكر فقط، وإنما كانت بداية للفكر الاستئصالي المشرعن، ليس ديماغوجيا وحسب، وإنما أيديولوجيا أيضا.
كان العنف الذي مارسته الآلة العسكرية من خلال إعدام العائلة المالكة، والعنف الذي مارسته «الجماهير» ايضا ضد نوري السعيد والوصي عبد الإله، مجرد مقدمة لفكر شمولي وممارسات استئصاليه ستحكم المراحل اللاحقة من تاريخ العراق المعاصر كله. لا فرق إذا كان هذا الاستئصال قام به الرفاق الثوريون والديماغوجيون وحبالهم (ماكو مؤامرة تصير والحبال موجودة)، أو قام به الرفاق الثوريون اللاحقون من «الحرس» من خلال عمليات القتل في المعتقلات الرسمية، أو الرفاق الثوريون من رجال الجهاز الخاص، أو الأجهزة الأمنية المختلفة لاحقا. ولا يستثنى من آلة العنف هذه المجاهدون الثوريون وميليشياتهم بعد 2003! ولا فرق إذا ما تم ذلك بتواطؤ، معلن أو غير معلن، مع الدولة/السلطة التي يفترض أنها المحتكر الوحيد للعنف، أو تم من خلال قوانين وأنظمة وأوامر «شرعية» تقررها الدولة/السلطة، أو من خلال المحاكم الشرعية» (من محكمة المهداوي إلى المحكمة الجنائية الخاصة مرورا بمحاكم الثورة)، أو حتى من خلال مواد الدستور نفسه، وهنا لا فرق أيضا بين ان تجرم السلطات المتتالية الانتماء إلى الحزب الشيوعي أو إلى حزب الدعوة أو إلى حزب البعث. 
لقد حكم الفكر الاستئصالي، لا نظريا فقط، وإنما ممارسة أيضا؛ تاريخ الدم في العراق منذ عام 1958 وحتى اللحظة، وذلك عبر الخطاب السياسي العراقي، والممارسة السياسية العراقية، وتاريخ الدولة/ السلطة العراقية ككل. ولم يتم النظر، ولو للحظة، إلى هذا التاريخ إلا من خلال فوهة بندقية، أو استدارة حبل مشنقة. ومن خلال زاوية الإيديولوجيا، التي لا تؤمن سوى بكونها وحدها المالكة للحقيقة المطلقة، وأنها وحدها القابضة على مشعل «الوطنية» المفترض.
خلال السنوات الخمس اللاحقة للاحتلال 2003-2008، لم يعد حزب البعث العربي الاشتراكي يحضر في الخطاب السياسي في العراق، إلا من خلال الأمر رقم واحد الذي أصدره بريمر في 16/5/2003، والذي حمل بالنسخة الرسمية باللغة العربية عنوان «تطهير المجتمع من حزب البعث». وكانت هناك محاولات واعية، أو غير واعية لعدم الإشارة إلى «البعث» بشكل مباشر عند الحديث عن الدور المحتمل لأعضائه في عمليات العنف، واستبدال ذلك بمصطلحات مثل أيتام النظام أو الصداميين وغيرها في محاولة لتأكيد انتهاء «البعث» رمزيا، بعد نهايته العملية بعد 2003. بل إن الدستور نفسه، وفي المادة (7) تحدث عن حظر «البعث الصدامي» وليس حزب البعث. ولم يحضر حزب البعث باسمه الصريح إلا في الدعاية الانتخابية لعام 2005، وتحديدا من خلال تركيز الائتلاف العراقي الموحد حينها على وصم منافسيه، وبالأخص أياد علاوي بوصمة «البعثية»، ونتذكر جميعا الملصق الذي حمل جزءا من صورة أياد علاوي وهي تكمل خلفية تحمل صورة صدام حسين. 
ولكن الوضع بدأ يتغير مع نهاية عام 2008، وكانت البداية من خلال تصريح رئيس الوزراء حينها نوري المالكي بإمكانية التعامل مع «البعث» في إطار ما يسمى بالمصالحة الوطنية، ولكن ردة الفعل التي واجهتها الدعوة من القوى السياسية الشيعية، ومحاولات تسويق رد الفعل شعبويا، دفع بالمالكي للعودة إلى موقف أكثر تشددا من «البعث» و «البعثيين»، في هجوم مقابل سريع بهدف منع الآخرين من تسجيل أي نقطة محتملة «شعبويا»، ومن ثم «انتخابيا». ولكن وتيرة محاولة تسويق «فوبيا» البعث صارت جزءا من الخطاب السياسي باتجاه تصاعدي، ومن بينها تصريح السيد عمار الحكيم من أن (40 بعثيا رشحوا في انتخابات مجالس المحافظات) لعام 2009، ومن ثم تحذيره من (أن البعثيين رجعوا للدخول في العملية السياسية الجديدة تحت مسميات أخرى بمساعدة دول الجوار بالمال والإعلام) (صحيفة الحياة في 19 أيار 2009) الذي نقل «البعث» إلى مرحلة جديدة. وكانت لحظة الذروة في هذا التصعيد تفجيرات الأربعاء 19/8/2009؛ حين تم ولأول مرة اتهام «البعث» بأنه وراء هذه العملية النوعية. بل وصل الأمر إلى تجاهل اعتراف «دولة العراق الإسلامية» بالعملية. هكذا تم اختراع «العدو» القديم/الجديد، وصرنا أمام عمليات منهجية لاستبدال العدو المعلن على مدى السنوات الخمس الماضية بعدو آخر وهمي. 
ولكن بقاء «العدو» في حدود العمليات «الإرهابية» بدا غير مقنع في سياق المعركة الانتخابية لعام 2010، لذا كان لا بد من تصعيد من نوع آخر. لم يعد «البعث» مجرد «عدو» مسلح قادر على تنفيذ عمليات نوعية ضد رموز سيادية، وإنما صار عدوا قادرا على تغيير المعادلة السياسية في العراق «الجديد». لذلك وجدنا المالكي يحذر في 2/11/2009 كما قال من «أسماء وحركات سياسية بعثية في عمقها ويريدون برلمانا بعثياً»؛ و حذر  عمار الحكيم بدوره بعد ثلاثة أيام فقط من اختراق «البعث الصدامي» للائتلافات الانتخابية القائمة، وتحدث النائب عن الائتلاف العراقي الموحد حينها، عباس البياتي صراحة عن ضرورة تشكيل ائتلاف موسع لمواجهة «الخطر البعثي المتستر الذي يدب بقرنه من خلال واجهات سياسية»! بل تجاوز الأمر الحديث عن «عدو» محتمل، إلى الحديث عن وضع قائم. فالنائب عن التحالف الكردستاني حينها محمود عثمان يصرح بان التأجيل المحتمل للانتخابات إنما يأتي (لترتيب أوضاع البعثيين)، فيما يرجع النائب عن التحالف نفسه لطيف حاجي حسن سبب تأخير إقرار قانون الانتخابات إلى (البعثيين)! 
ويتذكر الجميع الأزمة التي أثارها قرار الهيئة التمييزية في مفوضية الانتخابات السماح لبعض الشخصيات من دخول الانتخابات 2010 على ان يتم البت في الدعاوى المتعلقة بشمولهم بقرارات المساءلة والعدالة بعد الانتخابات! يومها تدخل الجميع في عمل «القضاء المستقل» واجبروه على اجتثاث هؤلاء جميعا، وكان من بينهم نواب مثل صالح المطلك وظافر العاني! ولكن هؤلاء عادوا مرة اخرى بعيد الانتخابات من خلال صفقة عقدها المالكي نفسه، الذي كان الأكثر صخبا بشأن اجتثاث هؤلاء، مع القائمة العراقية برفع الاجتثاث عن هؤلاء في مقابل التصويت بولاية ثانية للمالكي! بل أن صالح المطلك المجتث «بقرار سياسي» عاد ليكون نائبا لرئيس مجلس الوزراء!
في انتخابات مجلس النواب العام 2014 تكرر السيناريو نفسه، وإن بشكل أقل حدة! فالمالكي دعا في كلمة له في افتتاح مبنى مؤسسة الشهداء قبيل الانتخابات إلى «موقف مشرف ومسؤول لمنع عودة البعث الذي يدعمه المجرمون «! وكرر الحديث بعد الانتخابات، وبعد سيطرة تنظيم الدولة  على الموصل عما أسماه «التحالف المشؤوم» بين حزب البعث وهذا التنظيم! بل وصل الامر إلى حديث النائبة عن تحالف المالكي عالية نصيف، عن حضور حزب البعث نفسه في مفاوضات تشكيل الحكومة من خلال تسلم رئيس مجلس النواب العراقي، والعضو في الحزب الإسلامي، بتسلم ورقة تفاوضية تحمل توقيع عزة الدوري شخصيا! والمفارقة هنا ان هذه النائبة، كانت في العام 2010 نائبة عن القائمة العراقية، التي اتهمت بأنها تمثل حزب البعث! 
اليوم، وقبيل انتخابات مجلس النواب لعام 2018 تعود فوبيا البعث من جديد! وقد بدأت هذه الفوبيا في آب/ اغسطس 2017 مع حديث النائب السابق في «القائمة العراقية» نفسها كامل الدليمي عن «مفاوضات» تجري بين البعث والإدارة الأمريكية تمهد لعودة الاول إلى «الحكم في العراق بمسمى آخر»! ليزيد القائد الفعلي لميليشيا الحشد الشعبي أبو مهدي المهندس نشر هذه الفوبيا عبر حديثه في كانون الثاني/يناير 2018 عن تنظيم البعث لصفوفه والتغلغل في دوائر الدولة والسعي للدخول إلى الانتخابات القادمة عبر شخصيات وقوائم متفرقة! وليكرس القيادي في المجلس الاعلى الإسلامي باقر الزبيدي هذه الفوبيا بان ثمة خطة لإدارة ترامب «تقوم على إعادة «البعثو سلفي» عبر انتخابات 2018 إلى السلطة!
ولزيادة حدة التشويق تصدر الحكومة العراقية قوائم بأسماء مطلوبين لديها بتهمة «الإرهاب» ضمت قيادات في حزب البعث بجناحيه (جناح عزت الدوري وجناح يونس الاحمد)! فضلا عن قيادات في تنظيم القاعدة وتنظيم الدولة .
إذا كانت القوى السياسية العراقية، والنخب السياسية المفترضة، لا تزال تستخدم ورقة عودة «البعث» في دعاياتها الانتخابية، بعد أكثر من خمسة عشر عاما من اجتثاثه، هل ثمة إمكانية لمراجعة حقيقية للفكر الاستئصالي، والتفكير بمعالجة موضوع التركات السياسية الثقيلة ضمن رؤية استراتيجية تتعلق ببناء الدولة والمجتمع، وليس من خلال الاستخدام التكتيكي/الشعبوي لفوبيا البعث أو اي «شماعة» وهمية أخرى يتم استخدامها سياسيا وشعبويا لإشغال العراقيين عن مشاكلهم الجوهرية.

أضف تعليق

(( مَا يَلْفِظُ مِنْ قَوْلٍ إِلَّا لَدَيْهِ رَقِيبٌ عَتِيدٌ)) ‏


كود امني
تحديث