المؤسسة البرلمانية العراقية.. في خدمة المنتخبين لا الناخبين - د ماجد السامرائي

المتواجدون الأن

51 زائر، ولايوجد أعضاء داخل الموقع

القنوات

   

Flag Counter

primi sui motori con e-max.it

المؤسسة البرلمانية العراقية.. في خدمة المنتخبين لا الناخبين - د ماجد السامرائي

 

يعتبر العراق من أوائل الدول العربية التي استقلت بعد الحرب الكونية الأولى والتي شهدت خيار الدولة البرلمانيةتشكل الوعي السياسي عند العراقيين في استفتاء 1918-1919 حينما طالب السياسيون بحكم دستوري نيابـي ووقفوا ضد الانتداب البريطاني وردوا عليه بالمطالبـة بعقد مؤتمر عام منتخب يقـرر شكل الحكم في العراق.

وأصبح قانون انتخاب “مجلس المبعوثان العثماني” هو الأسـاس للانتخابات العراقية النيابية حتى عـام 1946. ودعا دستور سنة 1925 إلى برلمان من مجلسين هما مجلس النواب ومجلس الشيوخ. وينتخب مجلس النواب بناء على حق الاقتراع للمؤهلين.

وينفي خيرالدين العمري، وهو أحد أعمدة التجربة البرلمانية الملكية، أن هناك دوافع طائفية لاختيار أعضاء البرلمان. في المقابل، كان للوجاهة الاجتماعية والعشائرية في المدن الرئيسية العراقية دور مهمّ في اختيار الشخصيات البرلمانية.

ويؤكّد العمري في مذكراته “من كل محافظة يترشح عدد من النواب وحسب عدد سكان المحافظة، وقد يترشح من المحافظات الشيعية نائب سني، وقد يترشح مع نواب المحافظات الكردية عربي”. ويضيف أن “هذه الترشيحات كانت تسير على أساس جغرافي بحت وليس على أسس طائفية أو قومية، فعن محافظة الناصرية المعروفة بأنها شيعية كان دائما يفوز مع نوابها شخص سني من عشائر السعدون المعروفة هناك وكانت لهم مكانة”.

لكن تدخل البريطانيين في عمل البرلمان لإضفاء الشرعية على مصالحهم، أدى إلى فشل التجربة البرلمانية في العراق الملكي. ووصلت الدرجة بالمحتل البريطاني إلى حل عدة برلمانات قبل أن تكمل دوراتها التشريعية، عندما رأى أن هناك عقبات تقف بوجه مصالحه وتهدد وجوده في العراق. وقد زورت الانتخابات لأكثر من مرة. ولم يمارس البرلمان حقه في يوم ما بسحب الثقة من الحكومة.

 قصة توزيع حصص مناصب الرئاسات الثلاث أصبحت تقليدا سمي توافقيا، الحكومة للشيعة والبرلمان للسنة ورئاسة الجمهورية للأكراد

ومنذ ذلك الوقت ترسخ لدى العراقيين انطباع بأن الدستور وقانون الانتخابات، هما وسيلة تستخدم من قبل السلطة التنفيذية لضمان انتخاب مرشحيها، ونتيجة لذلك لم تكن هناك رغبة لدى المجتمع بحماية الدستور والذي كان يعتبر ورقة لا قيمة لها في المجتمع.

تلاشت الحياة البرلمانية في العراق بحلول حكم حزب البعث الذي أصدر عام 1970 قانون المجلس الوطني، كمؤسسة برلمانية ويتم اختيار أعضائها عن طريق الانتخاب الحرّ المباشر. إلا أن الملاحظ على هذه الفترة أن حزب البعث قد هيمن على المجلس الوطني لكون معظم أعضائه يتم انتخابهم من أعضاء حزب البعثولم تشهد البلاد انتخابات عامة حتى عام 1980. وفي ظل انفراد صدام حسين بالحكم تحولت هذه المؤسسة التشريعية إلى مؤيّد مطلق له.

بعد الغزو الأميركي للعراق في 2003، تمت صياغة الدستور على أساس طائفيوجرت انتخابات أول مجلس نواب عام 2005 من داخل الأحزاب والكتل السياسية حيث فازت القائمة “الشيعية” ولكن دون أغلبية مما حرك نظرية “التوافق” بين تلك الأحزاب عبر صفقات سياسية لتحديد الخيارات النهائية خصوصا في مناصب (رؤساء الجمهورية والوزراء ومجلس النواب). ولم تتحقق آمال العراقيين بقيام مؤسسة برلمانية حقيقية تعبر عن همومهم السياسية الوطنية وتطلعاتهم في حياة أمنية ومعاشية مستقرة.

جرت الانتخابات الأولى في ظرف أمني مشحون وهجمة منظمة لإثارة نزاع طائفي وتحضير منظم لجعل البرلمان ساحة لعرض الهيمنة السياسية للأحزاب الشيعيةوكانت اللعبة أن يترأس سني البرلمان مقابل إعطاء شرعية لولاية الأحزاب الشيعية على الحكم، والضغط على جمهور العرب السنة وإشعارهم بأن لديهم من يمثلهم في مؤسسة تشريعية رسم لها ألا تكون سوى واجهة شكلية غير فاعلة.

وأصبحت قصة توزيع حصص مناصب الرئاسات الثلاث تقليدا سمي توافقيا، الحكومة للشيعة والبرلمان للسنة ورئاسة الجمهورية للأكراد. وما بين 2010 و2018 تولى رئاسة البرلمان شخصيتان إسلاميتان سنيتان، أسامة النجيفي وسليم الجبوري، فيما حافظ الأكراد على رئاسة الجمهورية، الراحل جلال الطالباني وفؤاد معصوم، فيما تم تثبيت رئاسة الوزارة للأحزاب الشيعية وخصوصا حزب الدعوة.

البرلمان في العالم مؤسسة قوية تمثل مصالح الناس وليس السياسيين، إلا في العراق فهو مؤسسة خيرية نفعية للنهب وتوزيع الحصص

بعد احتلال تنظيم داعش لثلث أراضي العراق، ثم محاربته، كانت التوقعات تشير إلى تغييرات جوهرية تأخذ بنظر الاعتبار مسبباب تلك الهجمة المتطرفة، وفي مقدمتها ما عاناه أبناء العرب السنة من حيف وظلم للخروج إلى فضاء وطني جديد يسعى إلى تعديل العملية السياسية ويحدث تغييرا جوهريا في منظوماتها المنغلقة والمتطرفة.

لكن ذلك لم يحدث. الذي حصل هو إحداث تغييرات شكلية في عناوين تلك الأحزاب، ودعوة صريحة من قبيل زعيم حزب الدعوة نوري المالكي لاستبدال صيغة التوافق بصيغة “الأغلبية السياسية” بمعنى مجيء حكام مقابل معارضين داخل البرلمان ومغادرة التوافق على جميع مفردات الحكم، أي توزيع الرئاسات الثلاث، خصوصا بعد انهيار التحالف الاستراتيجي الكردي الشيعي الذي يعني عدم وجود مبررات” لاختيار رئيس الجمهورية من المكون الكردي.

وعلى افتراض نجاح هذه الصيغة فمعنى ذلك انتقال سياسيين “شيعة” إلى جبهة المعارضة وتحول مؤسسة البرلمان إلى قوة سياسية لها تأثير في القرارات السياسية العليا بشكل فعلي، وبذلك لن تصبح رئاسة البرلمان وفق المحاصصة، برئيس سني ونائبين أحدهما شيعي والآخر كردي.

قد تواجه هذه الاحتمالات معارضة جدّية بعد ظهور النتائج الانتخابية من قبل الأكراد المتمسكين بمنصب رئاسة الجمهورية، في حين لا يتوقع للسنة بعد تشتتهم إلى شظايا أن يبرز من يمثلهم بالصورة السابقة. البرلمان في العالم مؤسسة قوية تمثل مصالح الناس وليس السياسيين، إلا في العراق فهو مؤسسة خيرية نفعية للنهب وتوزيع الحصص

أضف تعليق

(( مَا يَلْفِظُ مِنْ قَوْلٍ إِلَّا لَدَيْهِ رَقِيبٌ عَتِيدٌ)) ‏


كود امني
تحديث