مهرجان إهانة العراقيين - د ماجد السامرائي

المتواجدون الأن

72 زائر، ولايوجد أعضاء داخل الموقع

القنوات

   

Flag Counter

primi sui motori con e-max.it

مهرجان إهانة العراقيين - د ماجد السامرائي

 

 

 

لعلنا في العراق هذه الأيام أمام خشبة مسرح اللامعقول السياسي، وليس الأدبي الذي ظهر في عالم الإبداع كرد على هيمنة القوى البرجوازية ومفاهيمها السائدة وكحالة تمرد من أجل استرداد إنسانية الإنسان. فمشهد الدعايات الانتخابية في العراق الذي سينتهي في 11 مايو يشكل مثالا للتعدي الصارخ على إنسانية الفرد العراقي باستخدام رخيص لأدوات الإعلام والدعاية والتواصل الاجتماعي، من أجل التعتيم على فضاء المحاسبة والمساءلة لمن تولى مسؤولياته البرلمانية والرسمية ليس للسنوات الأربع الماضية فحسب، وإنما لجميع حلقات العهد السياسي منذ أول انتخابات عام 2006. أورد مثالا واقعيا لكيفية احترام المرشح لمواطنيه في العالم الديمقراطي المتحضر (بريطانيا مثالا)، وكثير من قادة العراق السياسيين تمتعوا بأفضال تلك الديمقراطية حينما كانوا لاجئين فيها وما زالت عوائلهم المتجنسة” تتمتع بها.

في حي كنغستون بلندن حيث أعيش وصلني بالبريد كارت يتضمن الدعوة للانتخابات المحلية البلدية في شهر مايو الحالي يحتوي على رقمي الانتخابي وخيارات الاقتراع المباشرة في المركز الانتخابي أو عبر البريد العادي أو الإلكتروني، وبعدها بأيام بدأت الحملة الدعائية الهادئة والسلسة بواسطة إرسال “شيتات” دعائية بسيطة وصغيرة الحجم شبيهة بالدعايات التجارية للسلع والخدمات، تتضمن صور المرشحين من بين الأحزاب السبعة وأكبرها حزبا العمال والمحافظين والحزب الليبرالي. ما يقدمه هؤلاء هو التنافس على الإنجاز، فيتم ذكر كم من المدارس ستفتح وكم من البيوت ستبنى وكم من الأشجار ستغرس والمستويات المتقدمة الواعدة في رعاية العجزة والمسنين. يحصل هذا في بلد وصل إلى المراحل الراقية في التمدن والحضارة، ولكن لا بد من التنافس على تقديم المزيد. هذا المثال يتكرر في جميع بلدان العالم الديمقراطي الحديث.

ومن المفيد الذكر بأن المفوضية العليا للانتخابات العراقية تصرف في كل دورة، ومنها الدورة الحالية، عشرات الملايين من الدولارات على وفود تذهب للبلدان المتقدمة لتتعلم أصول العملية الانتخابية. وقد يقول قائل لا وجه للمقارنة بين هذه البلدان العريقة في ديمقراطيتها، وبين بلد مثل العراق ما زال يعاني من آلام الحروب والصراعات وتم تدمير جميع بناه التحتية، ولكن هذه تبريرات واهية، فالحقائق تقول إن من وصلوا للحكم عبر الاحتلال الغاشم برروا ذلك بأنهم جاؤوا لإقامة الديمقراطية والحرية، لكنهم لم يعدوا أهل العراق بالاستقرار والأمن والتطور الخدمي انطلاقا من نقطة الصفر عام 2003، والذي حصل هو إدخال البلد في الصراعات السياسية الطائفية وإطلاق أيدي المتطرفين ودعاة الكراهية والثأر، وتنفيذ مسلسل التخريب والتدمير، ابتداء بالعقل العراقي وصولا إلى الخدمات الأساسية كالأمن والصحة والتعليم والكهرباء والماء الصالح للشرب وتعزيز مكانة ونفوذ الفاسدين.

نفس الأحزاب الفاشلة تعيد إنتاج نفسها بأشكال جديدة وتسن القوانين التي تحقق هذا الهدف. في هذه الأيام العصيبة تمتلئ واجهات وأرصفة العاصمة ومدن العراق بسيرك الدعايات الانتخابية، حيث  توزعت في بغداد ومدن العراق حسب إحصائيات لمنظمات المجتمع المدني أكثر من ثلاثة ملايين صورة وبوستر ويافطةبغداد أصبحت، للأسف، ريفا بدائيا مخربا بمدنية مزيفة تتشكل فيها الدعايات الانتخابية على طريقة متقنة الإيقاع تمارسها الأحزاب المدمنة على الكذب والخداع واحتقار عقل المواطنين واعتقادهم بأنهم نقلوا العراقيين إلى مرحلة الاستسلام الكلي لإملاءات ضباط إيقاعات التنويم المغناطيسي والإيحاءات المليئة بقاموس الجهل والتخلف والخرافات الغيبية المريضة، وزوروا حتى فتوى مرجعيتهم الشيعية التي قالت لهم إن “المجّرب لا يجرّب”.

يتصور هؤلاء العائدون اليوم عبر مهرجانهم الانتخابي أن هذا الشعب قد غادر وإلى الأبد مقومات الرفض والتمرّد على الجور والظلم، استنادا على ما كسبوه من تسلط وفوز لأربع دورات انتخابية. لكن مشاهد الرفض الشعبي بعفويتها أسقطت مثل تلك الرهانات، وتوزعت ردود الفعل المتعددة في جميع أنحاء العراق خصوصاً في المحافظات الجنوبية حيث انطلقت التظاهرات الاحتجاجية ضد المظاهر الرثة لوسائل الدعاية، وانطلقت حناجر المتظاهرين خصوصا في مدينتي البصرة والناصرية بهتافات مثل “من ينتخب هؤلاء لا غيرة عنده ولا عهد”، حيث يمزق المتظاهرون صور المرشحين ولافتاتهم، ويطلقون الهتافات المنددة بهم، ورغم أن هذه الأساليب غير حضارية لكنها تعبير عن غضب شعبي ضد الطبقة السياسية.

ويحتشد كثير من الشباب في فعاليات شعرية تلقى خلالها القصائد الشعبية ذات التأثير الكبير في عواطف الناس، مثل قصيدة الشاعر الشعبي خليل الحسناوي التي راجت في مواقع التواصل الاجتماعي وعنوانها “توبة”، ومطلعها “توبة توبة إسلامي ما ننتخب توبة”، كما اكتظت أيضا وسائل التواصل الاجتماعي بمختلف الفعاليات الشبابية الساخرة مثلا على فعالية توزيع صناديق القمامة من قبل بعض المرشحين كتجديد لإهانة المواطن أو إكساء الشوارع المهدمة بمادة السبيس” أي الحصى الممزوج بالرمل، عوضا عن توزيع البطانيات إلى جانب قصة شراء الأصوات بمبلغ يصل إلى مئتي دولار.

هل سيعبر المواطن المحبط عن صوته الرافض في صناديق الاقتراع يوم 12 مايو ويقول: لا للفاسدين، وهل يتمكن من إزاحة زعامات الإسلام السياسي عن قيادة العراق بعد أن ثبت عدم صلاحيتها؟

اختفت من القوائم الانتخابية البرامج الواعدة للمواطنين لأنه لا توجد هناك برامج، فالحملة الانتخابية تسير للوصول إلى يوم 12 مايو عبر ما تم من توزيع مبرمج لتلك القوائم رغم ما يقال عن إنشطار مفبرك لقائمة حزب الدعوة وسط توقعات عن اتفاقات ثنائية تلي الانتخابات وبعد معرفة أحجام الأصوات بين القوائم الشيعية الخمسة (دولة القانون والنصر والفتح والحكمة وسائرون)، والتنافس القائم بين نوري المالكي وحيدر العبادي وهادي العامري، ويبقى عمار الحكيم يلعب في الوسط لينحاز في الوقت المناسب إلى الكفة الأقوى.

ويتوقع لمقتدى الصدر أن يميل إلى قائمة العبادي، ولا يتوقع تحالف جميع القوائم الشيعية الخمسة. وإذا تم التحالف بين قائمتين لن تزيد مقاعدها عن الثمانين فسيحتاجون إلى قوائم مرجحة لتشكيل الحكومة بالمقاعد الـ165.

أما العرب السنة فيتوزعون على قوائم أكبرها حجما القائمة الوطنية، ولن يزيد حجم جميع مقاعدها المتوقعة على الستين.

الكتلة الكردية ستدخل بقوة وسيكون لها حسابات التحالف مع من يعد قيادتي الديمقراطي والوطني بتلبية مطالبها والخروج من مأزق ما بعد الاستفتاء على الاستقلال.

ورغم الأحاديث الدائرة بأن هناك وجوها جديدة تفيد جمع الحشد الانتخابي لكنها لن تتمكن من زحزحة مواقع القيادات التقليدية المهيمنة على المشهد السياسي خلال الأثني عشر عاماً الماضية، والسؤال هل ستحدث الاحتجاجات الشعبية الغاضبة تغييراً في معادلة الهيمنة التقليدية؟

وهل سيعبر المواطن المحبط عن صوته الرافض لهؤلاء في صناديق الاقتراع يوم 12 مايو وأن يقول: لا للفاسدين والفاشلين، وهل سيتمكن من إزاحة زعامات الإسلام السياسي عن مشهد قيادة العراق بعد أن ثبت عدم صلاحيتها؟

الجواب للأسف لا يتوقع ذلك في ظل عمليات التزوير المتوقعة حتى لو قال جميع الناخبين لا، وسينتهي هذا الفصل من مهرجان إذلال العراقيين ليبدأ فصل التثبيت الفعلي لتلك الزعامات، وستجدد مافيات الفساد نشاطاتها مع أول خطوة من خطوات توزيع مغانم السلطة، وكان الله في عون العراقيين

 

أضف تعليق

(( مَا يَلْفِظُ مِنْ قَوْلٍ إِلَّا لَدَيْهِ رَقِيبٌ عَتِيدٌ)) ‏


كود امني
تحديث