ماذا يريد الأكراد من بغداد - د ماجد السامرائي

المتواجدون الأن

324 زائر، ولايوجد أعضاء داخل الموقع

القنوات

   

Flag Counter

primi sui motori con e-max.it

ماذا يريد الأكراد من بغداد - د ماجد السامرائي

 

 

يبدو أن الانتخابات العراقية الأخيرة قد أعادت الأكراد إلى مواقع التقرير النهائي لشكل الحكومة في بغداد ومنهجها ورئيسها الذي سيتقرر خلال الأسابيع المقبلة، حيث هيأ لهم ذلك وزنهم الرقمي الكلي، والمتمثل في 62 مقعدا، بمحافظة الحزبين، (الحزب الديمقراطي الكردستاني والاتحاد الوطني الكردستاني) على حصتهما الكبرى، إضافة إلى القوى والأحزاب الكردية الجديدة ذات التوجهات المدنية في المجتمع الكردي العراقي.

لا يقل هذا الحجم الرقمي في قيمته السياسية عن أحجام أي كتلة انتخابية أخرى في الوسط العربي، وما سيتركه ذلك من تغيير في معادلات التقدم للمشروع الذي تزعمه مقتدى الصدر، ومن تغيير لمعادلة قواعد البيت الشيعي التي تصدرها حزب الدعوة الإسلامي على مدى اثني عشر عاماً، وفي المحاولات الجادة للخروج من هذه القاعدة إلى الفضاء الوطني على الرغم من المحاولات الكبيرة من قبل طهران لوضع المعوقات أمام هذا الهدف الذي ينتظره ويأمله العراقيون.

لقد واجه الأكراد حملة شعواء من قبل قيادات الأحزاب الشيعية بعد انفراط عقد تحالفهم الاستراتيجي قبل وبعد الاستفتاء الكردي على الاستقلال في الخامس والعشرين من سبتمبر الماضي، حيث استظلت الأحزاب الشيعية وحكومتها تحت عناوين “حماية وحدة الوطن وأراضيه” والذي كان شعار حق أريد به تحقيق غايات وأهداف بعضها خاضع لضغـوط غير عراقية.

تلك الأحزاب الشيعية، وخاصة حزب الدعوة الإسلامي، سبق لها وأن خضعت لرغبات مسعود البارزاني وباقي القيادات الكردية في مطلب ترسيم معالم الدولة العراقية الفدرالية دستوريا، بل إنها وضعت معالم طريق للاستحواذ على كركوك من خلال ما سمي في “المادة 140” من ذلك الدستور بالمناطق المتنازع عليها، والتي شكلت قنابل موقوتة انفجرت يوم الاستفتاء الكردي.

كما لا ينكر أحد أن مسعود البارزاني الذي كان صانعا للحاكم في بغداد في الفترة بين 2010 و2014، ثم تحول في نظر بعض القادة والزعماء الشيعة إلى خارج على إرادة الوطن وخادم لمخططات إسرائيل وتنظيم داعش”.

ولكن الحقيقة الجوهرية التي دفعت تلك الأحزاب الشيعية وحكومتها إلى تهشيم التجربة الاقتصادية والسياسية في منطقة كردستان، هو ذلك التميز الذي تحقق في تلك المنطقة من استقرار أمني وتنموي أصبح علامة فارقة في ظل ما حصل في عموم العراق من انهيار أمني واقتصادي وفساد هائل بسبب سياسات الحكم وهيمنة الفاسدين عليه، وهذا لا يعني خلو المنطقة الكردستانية من وباء الفساد ونقص الخدمات للمواطنين الأكراد.

الأكراد لا يمتلكون اليوم مفاتيح صناعة حاكم بغداد لوحدهم، لكن التحول الذي حصل في نتائج الانتخابات الأخيرة يعطي الفرصة لتفاهمات على قاعدة برنامج سياسي إصلاحي يضع الفيتو أمام أولئك الذين هدموا العراق وسلبوا حقوق شعبه

لكن لم يتحمل أولئك الحكام تلك الحالة، فبادروا إلى فتح معركة التشهير والضغوط الاقتصادية والإعلامية، إلى درجة التخلي عن جميع مفردات عهد التحالف الشيعي الكردي السابق، وإطلاق تسميات مثل شمال العراق بدلا من كردستان، إضافة إلى محاولات بناء علاقات جانبية مع المعارضين والمناوئين لمسعود البارزاني من الأكراد لتصعيد حملات الضغط ضده، وهو الذي قدم لهم تلك الفرصة في لحظة من التقديرات الخاطئة في توقيتاتها الزمنية أو في حسابات الأصدقاء والأعداء.

وقد يقول مسعود البارزاني، وأركان الحزب الديمقراطي الكردستاني (البارتي)، إن سياسة حكام بغداد هي التي أجبرته إلى الوصول إلى حافة الهاوية، لكن من جانب آخر لم يكن رئيس الوزراء حيدر العبادي في قراراته الإقصائية متحررا ومستقلا قبل يوم الاستفتاء خصوصا في مجالات الموازنات المالية وغلق المطارات والمنافذ الحدودية، وكأنه اكتشف بعد أربع عشرة سنة أنها سيادة وطنية إلى درجة استخدام الذراع العسكري في ما سمي بإعادة كركوك إلى حاضنة الوطن.

كانت قرارات الجانبين في أربيل وبغداد، انفعالية وعاطفية وتسّهل الدخول إلى التوترات التي سادت في مرحلة ما بعد تنظيم داعش، في وقت كانت تتجه الأنظار لعمليات تحول سياسي جدية تنهي هيمنة الطائفيين والفاسدين عن تسيير مقدرات العراقيين جميعا.

ويبدو أن الانتخابات الأخيرة قد أعطت علامة كبيرة على رغبة الناس في التخلي عن أولئك الطائفيين والفاسدين ولو بصورة نسبية، وتضع أصحاب الكتل الفائزة أمام نتائج صراع إرادات حقيقية.

ولا شك أن الكتلة الكردية بما دشنته من حوارات بين أحزابها الكبيرة تضعهم في قلب هذا الصراع، ولا شك أيضا أن رؤيتهم السياسية لا تحتاج إلى عناء كبير لمعرفة أنهم ضد هيمنة قوى الإسلام السياسي الشيعي، ولتبين إصرارهم على إبعاد رموزه عن مشهد الحكم المقبل، لدوافع تتعلق بمصالحهم القومية التي أهدرت من قبل هؤلاء حسب تعبيرهم، ولقناعتهم بأنهم شركاء في بناء الوطن، وأن الهفوة السياسية التي تحققت في استفتاء سبتمبر الماضي لا تلغي هذه الثوابت، بل يعتقدون بأنها تؤكدها.

وهم يأتون لبغداد خلال فترة التشاور بعد انتهاء مفعول سياسة “الإذعان” لتبدأ سياسة التوازن المعقول للرغبات والمطالب، خصوصا بعد تراجع نشوة أصحاب الإسلام السياسي الشيعي وعدم ريادتهم لقيادة الحكم المقبل.

ولهذا فإن هذه الرؤى الكردية تقرّبهم من دعاة المشروع الوطني العراقي التقليديين والجدد، بعيدا عن أصحاب المصالح الذاتية كبعض الكتل العربية السنية التي لا تمانع التحالف مع كثيرين ممن توجه نحوهم علامات الاستفهام، حيث تتراجع حملاتهم الدعائية بأنهم يدافعون عن أهلهم في المحافظات الغربية، فيما إذا وصلت حكومة وطنية ذات برنامج إصلاحي قوي قادرة على تحقيق تلك الأماني والأهداف من دون ادعاءات.

ويشدد الأكراد في حواراتهم على التمسك بالدستور الذي أعطاهم الشرعية الفيدرالية، وهي مرتكز مهم تتفرع عنه مختلف المطالب الإدارية والإجرائية.

وهناك من يراهن على اختلاف الرؤى داخل الصف السياسي الكردي، حيث كانت هناك محاولات لتعميق ذلك التفكك عبر إغراءات سياسية معروفة قدمت لبعضهم، لكن الثابت أن من يراهنون على تعميق التصدع الكـردي يتناسون أن الأكـراد يتحدون عند نقطـة المصالح القومية الكبرى، ولهـذا فإنه من المعيب على بعض السيـاسيين في بغـداد التعاطي بمثل هذا المنهج الرخيص في القضايا الوطنية الكبرى.

صحيح أن الأكراد لا يمتلكون اليوم مفاتيح صناعة حاكم بغداد لوحدهم، لكن التحول الذي حصل في نتائج الانتخابات الأخيرة يتيح الفرصة لإبرام تفاهمات، وليـس صفقـات، على قـاعدة برنـامج سياسي وطني وإصلاحي، يضع الفيتو أمام أولئك الذين هدموا العراق وسلبوا حقوق شعبه

أضف تعليق

(( مَا يَلْفِظُ مِنْ قَوْلٍ إِلَّا لَدَيْهِ رَقِيبٌ عَتِيدٌ)) ‏


كود امني
تحديث