العراق: خمسة عشر عاما من التزوير - د مثنى عبدالله

المتواجدون الأن

193 زائر، ولايوجد أعضاء داخل الموقع

القنوات

   

Flag Counter

primi sui motori con e-max.it

العراق: خمسة عشر عاما من التزوير - د مثنى عبدالله

 
تناول الكثير من الصحف والفضائيات ووسائل الإعلام الأخرى، ومواقع التواصل الاجتماعي، بشيء من الدهشة وربما الصدمة والاستهجان والاستغراب، عمليات التزوير الكبرى التي جرت في الانتخابات العراقية الأخيرة. 
وقد تكون العملية تستحق ذلك بالنسبة لاؤلئك الذين ينظرون إلى الوضع العراقي نظرة سائح، في حين من يتفحص المشهد بصورة علمية سيجد أن التزوير الذي جرى، هو حلقة منطقية من سلسلة التزوير التي وُضعت لهذا البلد منذ بدايات التحضير لغزوه واحتلاله. فقد قامت الولايات المتحدة الأمريكية بنسج العديد من الحجج والدلائل المزورة ووضعها أمام الرأي العام الدولي، بغية استدرار الدعم من الدول الأخرى للقيام بعمل عسكري يستهدف استقلال وسيادة البلد. 
وما زالت صورة وزير الخارجية الامريكي السابق كولن باول ماثلة في الأذهان، وهو يحمل في يده قنينة صغيرة قال عنها بأنها سلاح كيماوي عراقي قادر على إبادة نصف العالم في خمس وأربعين دقيقة فقط، في حين كان الزعماء الآخرون من الامريكيين والبريطانيين يتبارون في صنع وطرح الحجج المزورة، لإقناع الدول الأخرى وجرهم للعدوان على العراق، منها علاقة العراق بأحداث الحادي عشر من سبتمبر 2001. وامتلاكه أسلحة دمار شامل، تبين في ما بعد أنها مجرد قصص من الخيال. وعندما حصل الغزو في 2003 بدأت سلسلة أخرى من عمليات التزوير، استهدفت الإرادة العراقية بشكل شامل ومنظم. كانت بواكيرها الادعاء بأن الاحتلال تحرير، وتشكيل مجلس حكم قائم على تزوير الإرادة العراقية، ونقلها من خانة الوطنية إلى الطائفية والقومية. 
ثم توالت عمليات التزوير المُنظم، في التصويت على الدستور المزيف، وتزوير استقلال وسيادة وطنية، وكذلك تزوير انتخابات أولى وثانية وثالثة، أنتجت كلها حكومات قائمة على تزوير الإرادة الشعبية. حتى وصلنا اليوم إلى الانتخابات البرلمانية الرابعة التي جرت الشهر المنصرم، والتي أفرزت قصصا وحقائق ومعلومات عن عمليات تزوير مُنظم لم يسبق لها مثيل في أي مكان في العالم. 
نعم في الإطار العام أحدثت عمليات التزوير في الانتخابات الاخيرة حالة من الاستفزاز لدى الكثيرين، لكن الاستفزاز الأكبر كان من نصيب كل مواطن عراقي، شارك في الانتخابات أم لم يشارك، لأن الأمر الذي جرى أعطى انطباعا بأن الطبقة السياسية لم تكتف باستثمار موارد البلد وثرواته ومستقبله لحسابها الخاص، ووضع البلاد في صدارة كل شيء سيء في العالم وحسب، بل مضت إلى أبعد من ذلك في استثمار المواطن نفسه، وجعله مجرد رقم يوضع في صندوق هذا المرشح، كي تجدد له فترة نيابية أخرى أمدها أربع سنوات، أو آخر كي يصل إلى قبة البرلمان لأول مرة. فما الذي يعنيه بيع 31 مركزا انتخابيا في الولايات المتحدة، و 22 مركزا في الاردن، و10 مراكز في المانيا، ومركزين في السويد، ومركز واحد في كل من تركيا وبريطانيا، إلى أحزاب وكتل وشخصيات موجودة في العملية السياسية؟ ألا يعني ذلك أن كل عراقي بات مجرد بضاعة يُباع ويشترى من دون علمه، وبخمسين دولارا فقط لا غير؟ أليست هي سوق نخاسة تُفتح من جديد في القرن الواحد والعشرين؟ أما أصبح العديد من العراقيين الذين سرقت أصواتهم، سواء صوتوا أم لم يصوتوا، مجرد نصف جدار أو منضدة استخدمته تلك المرشحة للبرلمان التي لم تحصل إلا على 128 صوتا، فأضيف لها 2000 صوت من صندوق، تم شراؤه لتصبح أصواتها 2128، ومرشح آخر أضيف له 4000 صوت كي يصبح له 6000 صوت وغيرهم كُثر؟ بل هنالك معلومات تشير إلى أن هنالك مراكز انتخابية تم استحداثها في داخل العراق باسم النازحين العراقيين من مناطق سكناهم كي يصوتوا فيها، بينما الحقيقة كشفت عن أنها مراكز وهمية لا غير، أقيمت فقط لأغراض البيع، وإضافة الأصوات إلى الحرس القديم من الساسة كي لا يخسروا في الانتخابات. وسواء أُعلن عن إلغاء بعض المراكز التي جرى فيها التزوير وعددها ألف مركز، حسب بيان مفوضية الانتخابات، أم لم يعلن، فالامر سيان، لأن الواقعة حصلت، وهي دليل على أن الدولة باتت ملكية خاصة لنخبة من الفاسدين والسراق، بينما المواطن في العراق بات مجرد وسيلة من وسائل الوصول إلى السلطة، وليس السلطة هي وسيلة من وسائل حمايته وتحقيق مصالحه. 
لقد ساهم العديد من الاجراءات في الدفع بعمليات التزوير الاخيرة على أوسع نطاق. أولا، تشكيل المفوضية العليا للانتخابات من ممثلين عن الاحزاب السياسية الموجودة في المشهد، حسم ولاؤهم إلى أحزابهم وباتوا مجرد موظفين ينفذون ما يُمليه عليهم زعماء الأحزاب والكتل. ثانيا، استغلال موضوع النازحين والمهاجرين في الخارج والتصرف ببطاقاتهم الانتخابية لحساب العديد من الكتل. ثالثا، الحملات الواسعة لشراء الأصوات مستغلين الحاجة المادية لعدد من المواطنين، في حين أن آخرين ذهبوا لبيع أصواتهم بشكل متعمد، كرد فعل سلبي على عدم إيمانهم بالعملية الانتخابية، وشعورهم المؤكد بأنها مجرد لعبة سياسية غير نزيهة. رابعا، هشاشة نظام التصويت الإلكتروني ووجود إمكانية عالية في إحداث خروقات فيه لصالح أي طرف. خامسا، تحول العضوية في البرلمان إلى مصدر ثراء فاحش، ما أدى إلى تكالب العديد للترشح للعضوية وبيع وشراء الأصوات، حيث تنافس ما يقارب 7000 مرشح على 329 مقعدا، فإضافة إلى الرواتب والامتيازات والحمايات والعقارات، باتت المساومات على العقود التجارية الخاصة بالدولة، جزءا رئيسيا من حراك أعضاء مجلس النواب العراقي، لانها تدر عليهم عمولات بملايين الدولارات، تظهر بصورة واضحة في العقارات والشركات التي باتوا يمتلكونها في العديد من دول الجوار. 
يقينا أن عمليات التزوير التي ظهرت على أوسع نطاق في الانتخابات الاخيرة، هي عار على كل الجهات التي ساهمت فيها، مرشحين وأحزابا وكتلا ومفوضية وسلطات. كما أنها عار على المجتمع الدولي، الذي مارس الكذب والتزوير في الادعاء بصنع عراق جديد فيه ديمقراطية وعملية انتخابية وحكومة شرعية منتخبة، بل العار الاكبر هو من نصيب بعثة الامم المتحدة في العراق، التي كانت مجرد شاهد زور في كثير من الحقائق التي مرت على هذا البلد، منذ عام 2003 وحتى اليوم. ففي الوقت الذي يعلن فيه رئيس البعثة أمام مجلس الامن في التاسع والعشرين من الشهر المنصرم، بأن جماعات مسلحة قامت بتزوير وترهيب خلال الانتخابات، فقد أحجم تماما عن ذكر أسماء تلك الجماعات المسلحة، التي يعرفها جيدا، ولدى البعثة تفاصيل كاملة عما قامت به في الكثير من مخيمات النازحين، وفي العديد من المدن العراقية. وهذا نوع آخر من التزوير يطال الحقائق الدامغة. كما أنه أعلن في أفادته أمام المجلس بأن الأمم المتحدة على أهبة الاستعداد لتقديم المشورة والنصح، ودعم أي أجراءات ضرورية للحفاظ على الثقة في العملية الانتخابية. في حين أن ما يتطلب من البعثة في العراق ومنه شخصيا، الحفاظ على حقوق المواطن أولا، وعدم السماح للسلطات بتزوير إرادة الناس، والاعلان بكل شفافية عن كل الجهات التي تزيح الحقائق بهدف صنع حقائق أخرى مزيفة.

أضف تعليق

(( مَا يَلْفِظُ مِنْ قَوْلٍ إِلَّا لَدَيْهِ رَقِيبٌ عَتِيدٌ)) ‏


كود امني
تحديث