أنغام بغداد .. أوائل القرن العشرين - علي عبد الأمير

المتواجدون الأن

72 زائر، ولايوجد أعضاء داخل الموقع

القنوات

   

Flag Counter

primi sui motori con e-max.it

أنغام بغداد .. أوائل القرن العشرين - علي عبد الأمير

 

كتب الكثير عن التأثير الحاسم للحرب العالمية الثانية على العراق المعاصر، سياسة وفكراً ومجتمعاً، لكن لم يصاحب هذا بحث مماثل عن التأثير الحاسم الآخر على العراق المعاصر ما بعد الحرب العالمية الأولى، وتحديداً ما حمله الغزو البريطاني للبلاد 1914-1917 من متغيرات جوهرية لا قيام الدولة العراقية المعاصرة 1921 وحسب، بل ما ترتب عليها من صدمات حضارية – ثقافية عميقة تمت عبر معضلة الإتصال بالعالم المعاصر الذي بدا العراق غافيا عنه طويلاً، حين كانت تتحكم بالوعي الثقافي عوامل مناهضة للتطور سياسياً واجتماعياً.

ومن بين أبرز ملامح الاتصال “الجديد” مع العالم، كان الانفتاح على وسائل الثقافة الجديدة، ومن بينها أسطوانات الموسيقى، سماعاً وانتاجاً.

فلم يعرف الجمهور البغدادي(1) وسائل الترفيه والتسلية سوى النزهات في البساتين والحدائق في المناسباتوكانت النزهة محظورة على النساء حتى وقت متأخر عشرينات القرن الماضي، لكن وسائل التسلية واللهو كانت مباحة للرجال والمقتصرة على المقاهي ومايقدم فيها من حفلات غنائية وموسيقية.

لقد دخل الفونوغراف أو “الصندوق المغني” بغداد في عام 1893وهو صندوق كان يذيع الأسطوانات الموسيقية القيرية القديمة كما كانت تسمى في أول ظهورها وقبل أن تظهر الأسطوانات بشكلها الحديث البلاستيكي بعد عام 1925.

وظل الفونوغراف فضلا عن أغلب الوسائل الحديثة (التليغراف، السينما، الراديو) بعيداً عن عامة الناس ولم تدخل حياتهم أنما اقتصر استعمالها على النخبة من الحكام العثمانيين ولاحقا البريطانيين وأداراتهم الحكومية.

ولم يقترب منها الناس إلا بعد عام 1925. أي بعد مرور مايقارب أربع سنوات على تشكيل الحكومة العراقية بزعامة الأسرة الهاشمية، والبدء بتأسيس دولة حديثة كانت أقرب إلى المستحيل لكون “الملل والنحل العراقية متفرقة ويصعب جمعها وقيادها”، كما قال الملك المؤسس فيصل الأول في رسالته المتألمة على أحوال العراق والتي دوّنها أواخر حياته.

ومع استخدام “الفونوغراف” او مشغل الأسطوانات في بغداد منتصف العشرينات، كان عاما 1926 و1927 سجلا انتشار الاسطوانات في بغداد بعد قيام “شركة بيضافون” بانتاج أسطوانات لأشهر مطربات ومطربي ذاك الزمان، لكن هناك جهات غير مرخصة راحت تصدر انتاجها النغمي بأصوات عراقية متنوعة ودخلت للأسواق شركات صغيرة مختلفة، و”راح هواة الطرب يتداولون أسطوانات تحمل أغاني عراقية خلاعية وجنسية”(2).

الأسطوانات المنافية للآداب العامة!

ما سلط الضوء على هذا النشاط البغدادي في مجال اصدار الأسطوانات، هو حكم قضائي حول ما سمي بقضية “الأسطوانات المنافية للآداب”، فقد نشر الاعلان التالي في صحف ذاك الوقت من عام 1926:

نظرت محكمة الجزاء في العاصمة في الدعوى المقامة ضد المغنية جليلة وزملائها، بناء على نشرهم الأغاني المخالفة للآداب في اسطوانات الغرامفون، واصدرت الحكم بالحبس العادي لمدة ثمانية ايام على جليلة وعشرة ايام على المغني اسماعيل أمين وخمسة عشر يوما على جليل خليل وعلى كل من داود عزرا حكاك وحسن ابراهيم بغرامة 100 روبية ومصادرة الأسطوانات التي تحمل أغنية “هيموني هالبنات” وذلك وفقا للمادة 203 وبدلالة المادتين 54 و25 من قانون العقوبات البغدادي”.

ما يبعث للنفس سرورها وللقلب أنتعاشه

قبل ذلك بعام، شهدت بغداد حدثاً لافتاً تمثل بإعلان “شركة بيضافون” انتاج أسطوانات لجميع مطربات بغداد وطربيها المشهورين ثم لآخرين من مدن البصرة والناصرية والموصل، وقد نشرت الشركة هذا الأعلان في الصحف البغدادية الصادرة آنذاك وفيه:

تعلن شركة بيضافون كومباني أبو غزال لأصحابها بطرس وجبران بيضا. فهي رأت إن محبي الطرب في العراق وضواحيها محرومون من كل ما يبعث للنفس سرورها وللقلب أنتعاشه، وبعد درس الأسباب تبين لها أن هناك سببين وجيهين:

1.عدم وجود اسطوانات غناء من القراء العراقيين الممتازين.

2.غلاء الفونوغرافات.

وعليه اشترت أصوات أشهر المطربين العراقيين ومن بينهم مطرب العراق السيد محمد القبانجي ومطرب الموصل السيد سلمان الموصلاوي. وانشأت لها محلاً في خان دلة ببغداد لبيع الجملة والمفرد، وكذلك فونغرافات بقيمة 50 روبية”.

تغيرات ثقافية

لم تمثل الآلات الحديثة معلم التغيير الوحيد، بل ما رافقها من تعبيرات ثقافية لم يكن التصريح بها أمراً شائعا، ففي اعلان “بيضافون” نتوقف عند البوح عمّا يبعث للنفس سرورها وللقلب أنتعاشه”، وما يعنيه هذا في مجتمع ظل نهباً لسطوة رجال دين مسلمين يرون في الموسيقى حراماً وشراً كلياً. ليعقب هذا اعلان جريء وقّعه مدير “مدرسة التفيض الأهلية”(3) هو في حقيقته اعلان في محبة الطرب وفيه:

ما أطول النهار على الكاسبين والعاملين في سبيل تنازع البقاء، وما أمرّ هذه الحياة وأعظم متاعبها إذا لم يكن هناك ما يبدّل هذا العناء باللذة وذلك اليأس بالأمل، وتلك المرارة بالحلاوة، فاذا أردت ذلك فاقصد قهوة الشابندر قرب الاكسكخانة كل ليلة فان هناك أعظم جوق موسيقي يصدح بأنواع الآلات والألحان، وان ريع بعض الليالي خاصة لمدرسة التفيض الأهلية، فلا شك في أنك لاتبالي بتطمين أذواقك مقابل أربع آنات مع قيمة القهوة

 

ظل مقهى الشط” في ذاكرة البغداديين، من أشهر مقاهي بغداد منذ نهاية الحكم العثماني والفترة الأولى من الاحتلال البريطاني حتى العهد الملكي، ففي أربعينيات القرن العشرين وقبل ان يختفي هذا المقهى، كان في مقدمة مقاهي النخبة البغدادية في الرصافة. يقع عند مدخل جامع الخفافين في منطقة المصبغة المطلة على دجلة على بعد قريب من جهة المدرسة المستنصرية المطلة على النهر، وهو أيضا مجاور لمقهى الخفافين الاقدم منه عمرا والذي مضى عليه أكثر من 300 عام.

المقهى بوصفه مسرحاً موسيقياً

واستمد “مقهى الشط” اسمه من شاطيء دجلة، فأصبح موقعاً اجتماعياً وترفيهياً وسياحياً، فالمقهى كان طابقا علوياً وآخر سفلياً، مما جعله مهنيا عبارة عن مقهيين كل واحد لمالكفالسفلي يعود إلى الحاج علي، اما العلوي الذي أصبح ملهى ليلاً (تياتروفكان يعود إلى حسن صفو، وهما شخصيتان معروفتان في اوساط المقاهي البغدادية وما اكثرهم في ذاك الوقت! حيث كان المقهى المكان الثاني بعد البيت يأوي اليه البغداديون للهروب من إيقاع حياتهم اليومية.

كان المقهى ذا شرفة على دجلة، حيث يكون النهر دائما في متناول “نظر الجالس يمتع بصره بأجواء شط دجلة وحركته الحافلة بالصيادين ووسائط النقل النهري من قفف ومهيلات وزوارق صيد واكلاك تنقل الخضراوات والفواكة وأصوات الطيور والصيادين وغنائهم، والسقائينوالعابرين من هذه الضفة الى الأخرى. فنهر دجلة شريان الحياة في بغداد الممتدة على ضفتيه، وما أكثر غضبه عليها تلك الأيام حين يفيض فتغرق محلاتها بطوفان مياهه“.

كان يدير هذا او هذه المقهى (1)، اثنا عشر عاملاً من المهرة في خدمة الزبائن. وأصبح واحدهم بمرور الزمن على معرفة بجميع الزبائن الذين يرتادون المقهى، يعرف مواقيت مجيء هذا وذهاب ذاك، وأخبار الميتين والأحياء منهم وأخبار المدينة وما يتداوله الزبائن من حكايات، والأحوال التجارية، ومن ربح ومن خسرمنهم، ومن تزوج ومن طلَق، كما كان كل عامل يعرف

طلبات كل زبون وما يحب أن يشرب، ومقدار السكر في قدح الشاي أو من دونه.

وفي الليل يضاء مقهى الشط بالفوانيس (اللوكساتالمستوردة من ألمانيا، وهي كبيرة الحجم لا يوجد مثلها في بغداد غير القليل، ويختص بإضاءتها عامل من العمال دون غيره.

كانت وجوه بغداد المعروفة تلتقي فيه أمثال عبد القادر باشا الخضيري وهو صاحب مراكب ترسو أمام المقهى وقاسم باشا وحسن باشا والحاج علي الجلبي وعبد القادر دلة صاحب خان دلة، وهو من اشهر خانات بغداد وابراهيم صالح شكر والشاعران الرصافي والزهاوي في بعض الأوقات.

كما كان ملتقى جماعة من الأدباء والفقهاء البغداديين أيضا (2)، ولم يتركوا ارتياده إلا بعد ذلك اليوم الذي انفجرت فيه قنبلة صغيرة في ركنهم الذي كانوا يجلسون فيه. أيامها (في أواخر الاربعينات) كان الوضع في بغداد متوتراً بسبب خطط خفية تدفع اليهود للهجرة فكثرت الأعمال العدائية ضدهم لغرض دفعهم إلى الهجرة نحو اسرائيل، فقد كان بعض اليهود يرتادون هذه المقهى خصوصا فرقة الجالغي البغدادي التي يشكل اليهود أغلب عازفيها، والتي حولت المقهى إلى مسرح موسيقي دائم.

في ليالي رمضان وبالأخص حين يصادف شتاءً، كان المقهى التحتاني يشهد سهرات الغناء التي يحييها (الجالغي البغدادي) بقيادة قارئ المقام اليهودي يوسف حورش ونخبة من الموسيقيين منهم صالح الكويتي ويوسف بتو وعزوري وجميعهم من اليهود. فيما كان الجمهور يقبل على قارئي المقام أحمد زيدان ورشيد القندرجي الذي كان صوته وهو يغني يسمع في الكرخ حيث الضفة الأخرى من النهر.

اما المقهى الفوقاني ومسرحه الذي يشهد حفلات التياترو الراقصة مرتين يوميا عصراً ومساءً، فهذه الحفلات تحييها راقصات ومغنيات ذاك الزمان الشهيرات، أمثال طيرة وفريدة وغيرهما. فمقهى الشط من المقاهي القليلة التي كان يسمح لها بالبقاء مفتوحة صباحاً ومساءً ايام شهر رمضان، وكانت كل مؤونتها من شاي وسكر ونومي بصرة وأخشاب وتبغ يمكن الحصول عليها مجاناً عبر زبائنها من التجار الموسورين.

أول صف لتعليم العزف على العود

وقبل ذلك، شهد المقهى ذاته وتحديداً في العام 1918(3)، حواراً عن حدث ثقافي مغاير حملته إحدى الصحف البغدادية، وجاء فيه: ” بما إن الموسيقى هي من أبدع الفنون الجميلة التي ننافس بها ابناء العصر القديم والحديث، وهي لغة الروح التي تملأها لذة وطربا، أعلن للعموم أني علي مصطفى

العواد الشهير باني مستعد لتعليم الضرب بالعود – في المسافرخانة (الفندق) التي هي بجوار “قهوة الشط” من الساعة الرابعة الى الساعة التاسعة عربية، فعلى عشاق الطرب، أن يشرفوا هذا المحل فيجدوا ما يسرهم من حسن التعليم بأسرع وقت“.

وفي الحوار:

هل سمعت اعلان هذا الكافر ابن الكافر، بس عايزة يعلن افتتاح مدرسة للرقص!

ليش ماتدري أكو مدرسة للرقص؟ تتذكر الشعّار الراقوص يحيى زكريا اللي فتحله مدرسة بالميدان قرب سوق الهرج وقام يعلم بيها الصبيان الرقص؟

هذي من محاسن الانكليز يجيبون لنا الرواقيص ويخلون الناس تترك العبادة والصراط المستقيم وتقوم ترقص مثل الشواذي (القرود)، بس خليهم، تدرون ليش؟

ليش؟

 لان جهنم بحاجة الى حطب، دائما تحتاج الى حطب من ذولة الكفرة.

بس انت هواية رايح زايد، انا سمعت علماء (دين) يقولون الموسيقى مو حرام بالإسلاماذا كانت محتشمة. أهل قبل وحتى في زمن الرسول هم كانوا يغنون ويرقصون بالأعراس والأفراح والولادات.

ماكو موسيقى محتشمة وموسيقى غير محتشمة. الموسيقى كلها غناء الشيطان.

أعارضك وأخالفك بالرأي، انت رايح زايد، ماتقولي هذولة اللي يقرون بالعزيات والمواكب الدينية عندكم وبالمواليد والمناقب النبوية وبالآذان والتسابيح وبتجويد القرآن موأصوات واداء موسيقي وألحان مختلفة؟ بعدين ماكو نص قرآني يمنع ويحرم الموسيقى!

لكن العلماء حرموها.

احنا موكلشي يقولونه البعض من ذوله نعتبره نص منزل، قد يفسرون الآيات على كيفهم وحسب فهمهم. بعدين انت من اشد المؤيدين للخلافة العثمانية وضد الانكليز، وانت تعرف الولاة العثمانيين في بغداد كانوا هم أهل الطرب والحفلات الغنائية ليش ما حرمت حفلاتهم ووناساتهم وأجواقهم الموسيقية؟ ليش بس حاط زورك مع زور الانكليز؟

خلاص، خلاص بعد ما اتكلم، مادام اسماعيل أفندي قاعد لي قوس ونشاب! روح يابه روح اتعلم عود عد هذا صاحبك يم قهوة الشط، وخلي العود يفيدك، بعدين لما يجيك منكر ونكير شراح اتقول لهم؟!

انت شمدريك ياملا يمكن منكر ونكير اللي راح يجوني للقبر يمكن يحبون الموسيقى أحسن منك؟ (يضحك المتحاوران والسامعون من رواد المقهى).

المصادر

 

(1)و(2): زهير الدجيلي، ” القبس” الكويتية 28 أيلول/سبتمبر 2006.

(3): جريدة “العراق” 1926.

 1المؤرخ والصحافي البغدادي فخري الزبيدي.

1المؤرخ عباس بغدادي، “بغداد في العشرينات“.

3زهير الدجيلي، ” القبس” الكويتية 28 أيلول/سبتمبر 2006.

 

أضف تعليق

(( مَا يَلْفِظُ مِنْ قَوْلٍ إِلَّا لَدَيْهِ رَقِيبٌ عَتِيدٌ)) ‏


كود امني
تحديث