الحديدة وحروب خرط القتاد - صبحي حديدي

المتواجدون الأن

55 زائر، ولايوجد أعضاء داخل الموقع

القنوات

   

Flag Counter

primi sui motori con e-max.it

الحديدة وحروب خرط القتاد - صبحي حديدي

ليست الحديدة جزيرة منعزلة عن البلد الأمّ الذي يدعى اليمن، في حصيلته الراهنة التي لم تعد تقبل التقسيم إلى معادلات ثنائية تبسيطية في مستوى التحالفات (مع الحوثي أو ضده/ مع عبد ربه منصور هادي أو ضده)؛ أو في مستوى الجغرافيا السياسية (شمال أو وسط أو جنوب، وما يتشرذم من ولاءات داخل كلّ منطقة على حدة). ولهذا فإنّ معركة السيطرة عليها تتجاوز مآلات الفعل العسكري، طال الزمن به أم قصر، وانطوى على انتصار هذا الفريق أو إخفاق ذاك؛ لأنها، في نهاية المطاف، ليست أكثر من جولة واحدة في حرب مفتوحة باتت أكثر تعقيداً من أن تقلب موازينها مواجهةٌ منفردة مهما عظمت تداعياتها.
لقد حظيت الحديدة، بادئ ذي بدء، بالمكانة السراتيجية ذاتها التي تتنافس الأطراف على الاستئثار بها اليوم، وذلك منذ الأيام الأولى لاتضاح خطوط النزاع على الأرض، كما في المطارات والموانئ. وكذلك كانت حالها منذ تباشير الاصطفاف العسكري الذي وضع قوات علي عبد الله صالح في تحالف مع ميليشيات عبد الملك الحوثي، وخلط أوراق الولاء والمعارضة بين «حراك» الجنوب و»المجلس الانتقالي الجنوبي»؛ أو بين السلفيين في الموالاة تارة هنا، وفي المعارضة طوراً هناك؛ أو بين مفهوم «المقاومة» عند هذه الميليشيا القبائلية، مقابل تفسيرها العسكرتاري عند العميد طارق عبد الله صالح عفاش، أو تعبيراتها في عدن ومناطق الجنوب عامة…
ولقد وقعت الحديدة تحت حصار التحالف السعودي قبلئذ، لكنّ الخطوة لم تُجدِ فتيلاً على الصعيد العسكري أو ذاك الجيو ـ سياسي، بل حدث العكس في الواقع لأنّ التحالف اضطرّ إلى الانحناء أمام الضغوط الدولية (والولايات المتحدة تحديداً) لأسباب تتصل بالحاجة الماسة إلى الميناء في توريد موادّ الإغاثة الضرورية، خاصة بعد تعطّل مينائي المخا في محافظة تعز، وبلحاف في شبوة. كذلك انحنى التحالف لأنّ الحصار لم يوقف انهمار الصواريخ البالستية داخل الأراضي السعودية، فسقطت نظرية مرور هذه الصواريخ من إيران عبر ميناء الحديدة. واليوم يعيد التحالف إنتاج الذرائع ذاتها، مضيفاً إليها حيوية الميناء في تأمين السيولة المالية للحوثي عبر فرض مكوس مباشرة على مرور البضائع، وفي استقبال شحنات السلاح من إيران أيضاً.
من جانبه يواصل المبعوث الأممي الجديد، مارتن غريفيث، حصد جولات الفشل بين صنعاء وأبو ظبي والرياض، عاجزاً عن تقديم «وصفة» سحرية أخرى غير تلك التي ظلت الأمم المتحدة تلوكها وتجترها مرّة بعد أخرى: نزع سلاح الميليشيات والجماعات المسلحة كافة، وإدخال الحوثي في الحكومة اليمنية، وإجراء انتخابات وطنية عامة. كان المبعوث السابق، إسماعيل ولد الشيخ أحمد، أشطر في الواقع وأدرى بمنعرجات الملفّ، ربما لأنه ابن المنطقة أولاً؛ فما انتهى إلا إلى رفع راية الاستسلام البيضاء!
وفي غضون هذا التصعيد الجديد، تتعاقب الأرقام المخيفة حول الواقع الإنساني الكارثي في اليمن، ويلتحق 26,000 نسمة من الحديدة بقرابة 3,3 مليون نسمة هُجروا من مساكنهم في عشرات القرى والبلدات اليمنية، وتتواصل حاجة 16,4 مليون نسمة إلى الرعاية الصحية، وترتفع حالات الاشتباه بالكوليرا إلى 1,1 مليون مصاب، ويحتاج 7,5 مليون جائع إلى تغذية الحدّ الأدنى، بينهم 2,9 مليون طفل أو امرأة حامل أو مرضع؛ وأخيراً، وليس آخراً، يتابع الريال اليمني هبوطه الجنوني إلى أدنى من 225 ٪عن مستواه قبل اندلاع النزاع. وهذا مشهد يشير، أولاً، إلى أنّ الشعب اليمني في وادٍ من الموت والتشرد والجوع والوباء، وأطراف الصراع في وادٍ آخر لا مبتدأ للعبث فيه ولا منتهى.
الأمر الذي يعني أنّ احتمالات سيطرة التحالف السعودي على ميناء الحديدة، وقبله المدينة ذاتها، دونه خرط القتاد… الكثير منه، في الواقع؛ المُكْلف عدداً وعدّة، الطويل الذي قد ينطوي على حروب شوارع دامية، والمحفوف بمخاطر شتى تشمل تناقضات الصفّ المهاجِم قبل مآزق الصفّ المدافِع.

 

أضف تعليق

(( مَا يَلْفِظُ مِنْ قَوْلٍ إِلَّا لَدَيْهِ رَقِيبٌ عَتِيدٌ)) ‏


كود امني
تحديث