جهاد الديانات الثلاث - صبحي حديدي

المتواجدون الأن

86 زائر، ولايوجد أعضاء داخل الموقع

القنوات

   

Flag Counter

primi sui motori con e-max.it

جهاد الديانات الثلاث - صبحي حديدي

قليلة، ولعلها نادرة، الدراسات العربية التي تُعنى بالبحث المقارن بين نزعات الجهاد في الديانات التوحيدية، وكيف تبدأ الأصوليات من ادعاء الاستئثار بالجوهر، ثمّ تتنوّع وتتقاطع، لكي تتكامل على نحو أو آخر في نهاية المطاف. وكتاب الباحث المصري صلاح سالم «تفكيك العقل الأصولي: النزعات الجهادية في الديانات الثلاث الإبراهيمية»، الذي صدر عن الهيئة المصرية العامة للكتاب، إسهام معمق في تطوير تلك الدراسات؛ إذْ يبحث في الجدل بين المقدس والمدنس، على أصعدة السلطة والهوية والعنف، في التأويلات الأصولية للديانات السماوية الثلاث. كما يستهدف الكشف عن ملامح كلّ أصولية على حدة، ثمّ في مرآة الأصوليتين الأخريين، ويقترح تركيباً استدلالياً حول ملامح الأصوليات الثلاث في سياق حركة التاريخ.
المرء، غير المختصّ وغير العارف، يُدهش أوّلاً إزاء حجم المشتركات الكثيرة بين الأصوليات التوحيدية/ الإبراهيمية، قبل أن يتنبه ــ بفضل المقارنات المكثفة التي يعقدها المؤلف، على امتداد فصول كتابه ــ إلى السبب الأبرز، والأبسط في الواقع، خلف هذا الاشتراك: أنّ الأصوليات نبتت من جذر اعتقادي واحد أو متماثل، وأنها ترنو إلى مطلق موحد، حتى إذا كان هذا الترابط لا يُبطل ميادين التغاير في ما بينها، بحكم السياقات التاريخية والثقافية. هنا، تحديداً، واحد من أهمّ عناصر الجدة في الدراسة، من حيث أنها تقتفي مقاربة تركيبية للأصوليات الثلاث؛ فيفضي عرضُ الأفكار والتيارات إلى السياقات التاريخية التي أنتجتها، وإلى الصراعات التي اقترنت بها، وما خلّفته هذه وتلك من مؤسسات وهيئات وأنظمة وتنظيمات، وصولاً إلى قراءة مقارنة لما تشترك فيه أو تختلف حوله. هذا هو جدل الأنا والآخر، أو «الهوية الأقنومية»، في موازاة العولمة والحداثة وعلاقات المركز والهامش، وظاهرة التشدد والتطرف والإرهاب.
لكنّ سالم يساجل، في المقابل، بأنّ الملمح المشترك بين الأصوليات الثلاث، ولعله الأكثر أساسية وتأسيساً، يتمثل في الفهم الانتقائي للدين، واختزاله في تفسير أحادي، وادعاء القدرة على احتكار التفسير واستعادة الجوهر المؤسِّس للمعتقدات، وإعادة تجسيد النموذج «الأصلي» الذي تجب العودة إليه دائماً. وعلى نقيض ما يرسخ في الأذهان، تبدو القراءة الأصولية للنصوص الدينية «مستقبلية» في جوهرها، وإنْ بدت ماضوية في ظاهرها، يتابع المؤلف؛ لأنّ الأصولي عينه على المستقبل، وأما الماضي فهو مجرد وسيلة و«مخزن» للأفكار والمقولات الجاهزة، يستدعيها عند الحاجة.
الباب الأول في الكتاب يناقش الحكم الفردوسي وجدل المقدس والمدنس، في ثلاثة نماذج: التأسيسي عبر صراع السياسة مع القداسة اليهودية (من الكهانة السحرية إلى التقاليد الكلاسيكية، ومن هذه الأخيرة إلى الثيوقراطية اليهودية)؛ ثمّ المعياري، عبر صراع السلطة مع الكنيسة المسيحية (من الاغتراب التاريخي إلى الهيمنة المسيحية، ومن الإصلاح الديني إلى الأفق العلماني)؛ فالنموذج الإشكالي، عبر صراع السلطة مع المقدس الإسلامي (مآلات الشرعية بين الولاية الشيعية والخلافة السنّية، نظرية الإمامة ونظرية الخلافة، التنظير للحاكم والتحقير للمحكوم، والدولة التقليدية من القيادة النبوية إلى السلطة الرعوية). كذلك يناقش هذا الباب مسائل الدولة الحديثة بين العلمانية السياسية والشمولية الإسلامية، ثمّ ولاية الفقيه في حضورها الثيوقراطي الصريح، وأوهام الخلافة في نزوعها الثيوقراطي المضمر.
الباب الثاني يتناول الهوية الأقنومية وجدل الأنا والآخر، فيستعرض المؤلف جملة مقارنات تخصّ الأنا اليهودية (جدل الخوف والكراهية)، والأنا المسيحية (جدل الإنسان والإمبريالية)، والأنا الإسلامية (جدل الخصوصية والعالمية). وهذا خيار بحثي يتيح للمؤلف أن يناقش قضايا متفرعة عديدة، مثل الألوهية القبلية، والنزعة التنويرية، والروح الصليبية، والمركزية الثقافية الكولونيالية، والوحي الإسلامي كدين عالمي، والهوية المعاصرة في مرآة الحداثة الغربية، وثنائيات التيار السلفي/ الغرب الشيطاني، التيار العلموي/ الغرب الملائكي، التيار التوفيقي/ الغرب الإنساني. الباب الثالث يذهب إلى النزعة الجهادية، من زاوية جدل الحداثة والأصولية، فيبحث في أصولية يهودية تساند الحركة الصهيونية (بالإضافة إلى صهيونية علمانية تجابه اليهودية «الحريدية»، وصهيونية دينية «تحاصر» ما بعد الصهيونية)؛ وأصولية مسيحية «تناوش» الحداثة الغربية (الجذر اليهودي للاعتقاد البيوريتاني، والاستثنائية الأمريكية من العلمانية الغربية)؛ وأصولية إسلامية «تفتك» بالمدنية العربية (الفتوحات الإسلامية كحركة حضارية، مقابل السلفية الجهادية كحركة عدمية).
ويمكن الافتراض بأنّ أحد أفضل إنجازات هذا البحث إنما يكمن في الربط البارع بين جدل السلطتين السياسية والدينية، من حيث التكامل أو التصارع، وكيف ورث الدين التوحيدي (من خلال شرائع ثلاث) جلّ تقاليد ذلك الجدل؛ مثلما كان قد ورث ديانات فرعونية وبابلية وفارسية في جنوب المتوسط، ويونانية ورومانية في شماله. وهكذا لعب التقليد الإبراهيمي دوراً محورياً في تبرير ممارسة السلطة على مدى 3000 عام على الأقل، وأبواب كتاب سالم الثلاثة تقترح قراءة موجزة في الخبرة التاريخية للعلاقة بين المقدس الديني والحكم الدنيوي في هذه الديانات.
الأرجح أنّ هذا الطراز من الأبحاث يلائمه، على نحو أفضل، مزيج من المنهج التاريخي النقدي، الذي يستعرض النزعات والأفكار في سياقاتها التاريخية ويناقشها بمنظار نقدي؛ والمنهج الوصفي المقارن، الذي يتابع تجلياتها القديمة والحديثة، ويضعها في إطارات مقارنة. وهذا، بالفعل، الخيار الذي انتهجه سالم، وأحسن تسخيره لبلوغ خلاصات معمقة وريادية، تعبّد أكثر من سبيل للتوغل في حقل بحثي شائك بقدر ما هو ضروري.

أضف تعليق

(( مَا يَلْفِظُ مِنْ قَوْلٍ إِلَّا لَدَيْهِ رَقِيبٌ عَتِيدٌ)) ‏


كود امني
تحديث