العراق: القرار البريطاني والتطلعات المحلية - دغسان سلامة

المتواجدون الأن

70 زائر، ولايوجد أعضاء داخل الموقع

القنوات

   

Flag Counter

primi sui motori con e-max.it

العراق: القرار البريطاني والتطلعات المحلية - دغسان سلامة

 


يكوّن العراق المعاصر وريثاً طبيعياً لسلسلة من الأنظمة السياسية التي انبثقت من بلاد الرافدين، بحيث يمكن لأي عراقي معاصر أن يري في تاريخه مراحل مهمة كان العراق فيها كياناً سياسياً متميزاً إلى جانب المراحل الأخرى حيث تم دمج هذا الكيان في أطر أوسع أولى مراحل التمييز (ومن أهمها) تمتد من حوالي سنة 3500 إلى حوالي سنة 2500 قبل الميلاد، هي مرحلة الحضارة السومرية التي انتقلت من جنوب البلاد لتضم مناطق شمالية في العراق وسوريا المعاصرين.وكانت المرحلة السومرية على الأرجح تمثل حضارة سياسية متكاملة قام التنظيم فيها على أساس تحالف هش بين مدن - دول. تلت ذلك مملكة متقدمة التوحد والاندماج تحت سيطرة الأكاديين لفترة قصيرة. تلت ذلك مرحلة تفتت شبه متواصلة قطعتها مراحل كان العراق فيها شبه موحد لا سيما أيام حمورابي (1792 - 1750 قبل المسيح). وتتابعت موجات من الغزو العسكري ومن الهجرات الديمغرافية الواسعة، إلى أن نشأت دولة الآشوريين (عاصمتها نينوى الموصل)، لفترة وسقطت تحت ضربات شعوب مهاجرة من بلاد فارس. وأعيدت إلى بابل زعامتها لفترة، إلى أن عاد العراق عرضة لفتوحات الفرس فالمقدونيين والبيزنطيين وغيرهم. ثم جاء الفتح الإسلامي، وأبرز مراحله معركة القادسية 637م التي طردت الفرس من بلاد ما بين النهرين. غير أن معركة صفين التي تلتها أعطت العراق شخصية سياسية متمايزة طائفياً، من خلال تمركز الخوارج والشيعة فيه من خلال التمرد المستمر، ذي الطبيعة الاجتماعية أحياناَ، للموالي. غير أن العراق عاد فأصبح مركز السلطنة بعد 749م وإعلان أبي العباس نفسه خليفة، وانتقال عاصمة الإسلامية إلى بغداد بعد ذلك بسنوات(1).
غير أنه مع سقوط الدولة العباسية، ولا سيما بعد احتلال المغول لبغداد عام 1258م، دخل العراق دائرة النفوذ الفارسية مجداداً لقرنين. وكانت شخصيته غير متمايزة إلى حد كبير ان بسبب اتساع رقعة قبلها السلطنة السلجوقية شرقاً في إيران وغرباً في سوريا، أو لنشوء كيانات شبه مستقلة لا سيما في الحلة وفي الموصل. وفي عام 1534م دخل العثمانيون بغداد وادمجوا العراق في سلطنتهم لفترة تقارب أربعة قرون، انتهت بالاحتلال الإنكليزي خلال الحرب العالمية الأولى، وبإنشاء دولة العراق الحديثة.

دعاة هذه الدولة قد يجدون لها جذوراً عميقة في سومر والأكاديين والبابليين والعراق المتمرد على معاوية والخلافة العباسية، هذا من دون ذكر دولة اللخميين عشية الفتح الإسلامي، أو الدولة الشيعية في الكوفة، أو دولة الزنكيين في الموصل، ناهيك عن شبه استقلال المماليك الجيورجيين المتأخر في القرن الثامن عشر، وان في إطار الدولة العثمانية. بالمقابل، قد لا يرى آخرون في هذه «السوابق» مادة تذكر، فيشيرون إلى أن العصور التي كان فيها العراق جزءاً من إمبراطورية واسعة كانت أطول بكثير من مراحل تمايزه ككيان سياسي. وحتى في حالات التمايز، يبقى مفهوم «العراق» غير مستقر. فالخوارزمي (ومعاصروه) كان يعني بـ «العراق» المنطقة الجنوبية ذات الأكثرية الشيعية الساحقة التي يحدها شمالاً خط ينطلق من الرمادي إلى تكريت شرقاً. وأيام البويهيين الشيعة، كان العراق أكبر من ذلك بقليل وكانت عاصمته بغداد. وقد يكون أقرب السوابق للعراق الحديث هو عراق المماليك الجيورجيين (1749م - 1831م) الذين حكموا البلد تحت وصاية بني عثمان الاسمية(2).

ما يهمنا من التاريخ هنا، هو انه يحتوى، في آن معاً، حججاً ومبررات للعراقيين المعاصرين، كما للذين يريدون تمزيقه دويلات أو ضمه لما هو أكبر منه. على أي حال، لم يكن في الثقافة السياسية قبل المعاصرة لا في منطقتنا ولا في خارجها، هذا التقديس شبه الديني للحدود. لكنه «للعراقيين» حجة في أن الإنكليز بعد سيطرتهم على البلاد لم يتأرجحوا طويلاً في عملية تحديد عدد وهوية الكيانات السياسية التي سوف ينشئونها. فلا ترى في العراق، بالحدة نفسها التي تلمسها في سوريا، تلك الذبذبة في الأوساط الاستعمارية حول مستقبل البلد وحدوده. ثم انك لا ترى في العراق ردود فعل على إنشاء الكيان عنيفة تدعو إلى تقسيمه أو إلى إدماجه في دولة أكبر. هناك شبه قناعة متبادلة بالكيان العراقي بين بريطانيا وأبناء البلاد، في وقت كان الإيرانيون في حال من الضعف والانقسام لا تسمح لهم بالتدخل في مسار تنفيذ الأهداف البريطانية، بينما استطاعت بريطانيا إبقاء الموصل ضمن الأراضي العراقية بوجه المطالبات التركية من جانب، والفرنسية - السورية من آخر لفصلها. وتشير هذه المطالبات ضمناً إلى تمايز الموصل النسبي عن باقي العراق. لكن مجمل العراقيين حوّلوا النقاش بصورة شبه فورية إلى مسألة استقلال البلاد عن بريطانيا، مبتعدين عن هواجس إعادة النظر في حدودها.
بقي أن تُبنى تلك الدولة، وبطريقة تسمح لبريطانيا بإدخالها في دائرة نفوذها السياسي والاقتصادي دون كلفة كبيرة. ويظهر من وثائق تلك المرحلة أن بريطانيا كانت ترى أن هناك ثلاثة شروط أساسية لتحقيق أهدافها:

1 - إنشاء دولة «عصرية» ذات حدود وسلطة مركزية لفرض الأمن وجباية الضرائب وحماية المصالح البريطانية من الداخل
2 - سيطرة نخبة محلية حليفة / تابعة على جهاز الدولة الوليدة
3 - قبول المنافسين الآخرين من الدول العظمى لهذا الأمر.


هذا الشرط الأخير حققته بريطانيا، عبر سلسلة من أعمال الأمر الواقع على الأرض ومن المفاوضات الدبلوماسية المكثفة كاحتلال بريطانيا للموصل، بعد أن كانت قد وقعت اتفاقية هدنة مع تركيا (والجيش التركي ما زال في المدينة)، واتفاقية سايكس - بيكو وقد صححها لمصلحة بريطانيا اتفاق كليمنصو - لويد جورج، ناهيك عن مؤتمر السلم في باريس وعصبة الأمم واجتماعات سان ريمو التي كرّست فعلاً الوجود البريطاني في العراق، بعد إنشاء الدولة اسماً
وكان الواقع الذي نتج عن الحرب العالمية الأولى، دفع القيادات البريطانية للنظر في امكان أعادة صياغة الشرط الثالث لما فيه مصلحة إضافية لبريطانياكان الهدف البريطاني الأول على الأرجح، إدخال فرنسا في الشرق الأوسط لمواجهة أطماع روسية محتملة. لكن الاستيلاء على الموصل ومناطق أخرى، كان من الواجب اعتبارها ضمن النفوذ الفرنسي وفقاً لاتفاقيات سايكس - بيكو، أدى إلى نشوء «ذهنية توسعية في الأوساط البريطانية القائدة»، تدعو إلى التخلي عن هذه الاتفاقيات بهدف توسيع رقعة النفوذ البريطانية، بحيث لا يترك لفرنسا سوى حيّز ضيق يضم لبنان ومرفأ الاسكندرون، وبعض الحماية على الأرمن

كان اللورد كرزون واضحاً فيما يخص الدول التي قد تنشأ. فهو قال عن العراق انه يجب حكمه من خلال «واجهة عربية من خلال محمدي محلي، تساعده إدارة عربية قدر الإمكان وبإرشاد بريطاني»(3). ولكن بريطانيا، التي كانت تشعر بقوة متجددة إزاء فرنسا، لم تكن ترتاح للولايات المتحدة، بحيث رأى رئيس الوزراء البريطاني أنه، لدفع واشنطن لقبول مبدأ الانتداب المستحدث، قد تكون أسهل الطرق توريط أمريكا في الشرق الأوسط كدولة منتدبة على أرمينيا مثلاًً، ذلك «ان شئنا استمرار الإمبراطورية كتجمع واسع من الأمم، فمن الضروري الاستعانة بالولايات المتحدة الأمريكية»(4). ومن هنا خطة بريطانية واضحة في الشرق تقضي بلجم التوسع الروسي، وتصغير رقعة النفوذ الفرنسي وتوريط الولايات المتحدة الأمريكية كقوة رديفة لبريطانيا.

لكن النجاح لم يكتب لهذه الخطة. ففرنسا هاجمت سوريا واحتلتها، وقضت على دولة «المحمدي المحلي» (الأمير فيصل) الذي تدعمه لندن في دمشق. وفي الولايات المتحدة، فقد تلكأ الكونغرس في تبني السياسة الولسنية. وجاءت المعاهدة الروسية – الفارسية سنة 1921م لتقضي على آمال لندن بإبقاء موسكو خارج الشرق الأوسط نهائياً. أما أرمينيا التي كان من الممكن توريط واشنطن بالانتداب عليها، فقد استطاعت القوات التركية والسوفياتية تمزيقها دون رجعة. هكذا وجدت بريطانيا نفسها في مطلع العشرينات في وضع غير قادر، لا عسكرياً ولا مالياً، على ضبط الإرث الجغرافي الشاسع الواقع بين أيديها، مما زاد طبعاً من عزمها على إنشاء كيانات محلية مكتملة تستطيع ضبط المجتمعات المحلية، ومن ثم ربطها بالمصالح الاستعمارية البريطانية

هذا الربط بين «المحمدي المحلي» ووزارة المستعمرات كان ضرورياًَ، لأن فرنسا استطاعت تحسين وضعها بصورة ملموسة بعد معركة ميسلون ضد جيش يوسف العظمة المتواضع والمهزوم سلفاً. لأن تركيا استطاعت، بفضل نشاط مصطفى كمال أتاتورك وحزمه، إعادة بناء ذاتها بسرعة كافية لكي تطالب بالموصل والاسكندرون (وربما بشمال العراق وشمال سوريا بكاملهما)، والسيطرة الغربية على تلك المناطق لم تتوطد بعد.
وكان الربط ضرورياً أيضاً لأنه، في الولايات المتحدة الأمريكية نفسها، كانت السياسية الولسونية التدخلية قد غابت، ليحل محلها موقف واضح يقضي بفصل مسألة حماية المصالح الاقتصادية الأمريكية عن مسألة التدخل الأمريكي في الشؤون السياسية العالمية. هذا الموقف شكل بدوره رافداً أساسياً في مسار بناء «الدول الوطنية» في المستعمرات السابقة، والتي تديرها «حكومات محلية» قادرة على فتح الأسواق لا أمام السلطة الاستعمارية، بريطانية كانت أو فرنسية فحسب، بل أمام الدول الصناعية كلها، لا سيما الولايات المتحدة ذاتها

هذا التشجيع الأمريكي لنشوء النخب المحلية المتحررة من سيطرة الاستعمار الأوروبي القديم كان واضحاً في غير منطقة من العالم لا سيما في أمريكا اللاتينية، ولكنه بقي تشجيعاً خجولاً في الشرق الأوسط، وذلك على الرغم من ردود الفعل الايجابية التي كانت مبادئ ولسون الشهيرة قد أنتجتها في صفوف الوطنيين العرب. لكن سوء تفاهم أساسياً حصل على الأرجح بين واشنطن و«محبيها» العرب في تلك المرحلة. فإدارة ولسون لم تكن على الأرجح ترى أن كيانات الشرق الأوسط «ناضجة» بما فيه الكفاية لكي تكون مستقلة. من هنا قبلت واشنطن ضمناً بتقسيمات سايكس - بيكو، وتحمست علناً لفكرة الانتداب بينما كان العرب يرون في واشنطن قوة عصرية مؤيدة للاستقلال
الخطر البولشفي، التحفظ الأمريكي، التحسن النسبي في أوضاع فرنسا المشرقية عناصر أدت جميعاً إلى السياسة البريطانية الحقيقية لما بعد الحرب، والتي وضعت معظم أسسها في اجتماع القاهرة الشهير (12/3/1921م) الذي رأسه ونستون تشرشل شهرين بعد تعيينه وزيراً للمستعمرات. كان الهدف النهائي للاستراتيجية الجديدة بناء دولة مستقلة شكلياً، إنما مرتبطة ببريطانيا، وغير مكلفة بتاتاً للخزانة البريطانية. هذا كان رأي تشرشل نفسه: «اني آمل أن يصبح العراق في وضع يسمح له بأنه يكون دولة مستقلة، تربطها ببريطانيا الصداقة، وموقف ايجابي من مصالحها التجارية، دون أن تضع أي عبء على وزارة الخزانة»(5). وكانت معاهدة 10/10/1922م بين العراق وبريطانيا تجسيداً لهذه الاستراتيجية التي قضت، بحسب تعبير ستافرز إلى أن «يدفع العراقيون، كغيرهم من شعوب الإمبراطورية غير البيظاء بشرتهم، ثمن حكم بريطانيا لهم»(6). وكانت لندن تنظر للمعاهدة على أنها شهادة ولادة الدولة الحديثة التي لا يمكن لأي نص لاحق أن يناقضها، بما في ذلك الدستور الدولة الجديدة. وجاءت الملاحق المالية والإدارية تثبت دعائم السياسة الجديدة بحيث رأى العراق نفسه بحاجة للاستمتاع لنصائح «مستشارين» بريطانيين، ولدفع مرتباتهم، لا بل ونفقات المفوض السامي البريطاني نفسه. أما الناتج النهائي فكان نشوء طبقة جديدة من الكومبرادور المحليين، المرتبطين في نشأتهم ونمو نفوذهم وثروتهم ببريطانيا
تم عملياً إنشاء الدولة الجديدة بسرعة. ففي خريف 1920م وصل كوكس، مندوباً سامياً، إلى بغداد، وقام باختيار نقيب الأشراف فيها رئيساً لأول حكومة. ثم دخل مباشرة في عملية ذكية من الضغط، بإصداره بيانات فحواها أنه يعود إلى العراقيين ان يختاروا نظامهم السياسي، وذلك من خلال «مؤتمر عام». ولكن عليهم أولاً انتخاب مندوبين عنهم لهذا المؤتمر العام، مما يعني دورة انتخابات. لكن هذه غير ممكنه طالما الثورة مشتعلة، والنتيجة محاولة إبراز الثورة على الإنكليز كعقبة أمام تقرير العراقيين لمصيرهم
ثم قام البريطانيون بقمع محاولة الشيخ محمود الانفصال بلواء السليمانية لنفسه، وقرروا إرسال فيصل للعراق. فقام جعفر العسكري، وزير الدفاع، بطلب انتدابه من أبيه ملك الحجاز، بينما أجاب فيصل الطلب بقوله: «إذا كان أهل العراق يرغبون حضوري، فأنا مستعد للحضور». وقام البريطانيون بإبعاد السيد طالب النقيب إلى سيلان، بعد أن تبدت منه معارضة لاستقدام فيصل، على الأرجح لطموحه بالمركز لنفسه. أما الدور البريطاني النشط في كل العملية، فتلخّصه أحسن تلخيص إحدى برقيات ملك الحجاز إلى ممثله في لندن: «أشرفنا سابقاًً باستعدادنا لانفاذ رغائب بريطانية، سيما ما اخبرنا به فيصل. ننتظر أخبارنا بميعاد سفر فيصل كي نبلغ العراقيين ذلك دفعاً للشائعات». وأرسلت الحكومة البريطانية باخرة خاصة حملت فيصلاً من جدة إلى البصرة، التي وصلها في 23/6/1921م. ثم نظّم كوكس (والحكومة ما يشبه جلسات البيعة في ألوية العراق، جاءت نتيجتها على الاجمال مؤيّدة، مرفقة بعدد من المطالب المحلية كبعض من الاستقلال الذاتي في البصرة، وحماية حقوق الأكراد في الشمال، ومن المثير أن معظم المضابط الواردة اشترطت بقاء إنكليز. وتوّج فيصل في 23 آب / اغسطس 1921م ملكاً على العراق(7).
هذه الاستراتيجية البريطانية كتب لها النجاح. فهي أدّت إلى إحلال نخبة محلية جديدة (تضم العاهل ذاته) في موقع الاتهام من قبل القوى الوطنية، بدل أن تكون نقمة العراقيين موجهة، كما في ثورة عام 1920م، ضد بريطانيا نفسهاوكانت المعارضة العراقية، على رغم وعيها لحقيقة المخطط البريطاني، عاجزة عن الرد عليه بصورة فعّالة، خصوصاً وان النخبة السنية المدينية الإدارية العسكرية في أكثريتها الساحقة، كانت قد اختارت الدخول في لعبة بناء الدولة الفيصلية. وواقع الحال انه لم يكن هناك أمام العراقيين خيار آخر خصوصاً وان انسحاب الدعم البريطاني ، عاجزة عن الرد عليه بصورة فعّالة، خصوصاً وان انسحاب الدعم البريطاني كان يمكن أن يؤدي إلى تدهور الموقف العراقي إزاء جيران توسعيين، لا سيما الأتراك منهم والسعوديين ومن ثم الإيرانيون. كان الدور بريطانياً أساسياَ في الحفاظ على سلامة الأراضي العراقية.
ولقد ساعدت في نجاح الخطة، بعد نظر بريطانيا في ما يختص بمالية الدولة الجديدة. كان من الممكن طبعاً أن تقوم بريطانيا، قدر الامكان بنهب العراق، على الطريقة الاستعمارية القديمة. ولكن هذه السياسة لم تعد ملائمة، بالنظر إلى تطلعات النخب المحلية في الدول المستعمرة بعد الحرب العالمية الأولى، وبالنظر أيضاً لضغوط الدول الصناعية الأخرى، لا سيما الولايات المتحدة، المعارضة لاستئثار أي طرف استعماري بسوق جديدة. من هنا ساهم البريطانيون في الدفاع عن المصالح الاقتصادية الوطنية العراقية بمواجهة شركات النفطوالهدف من ذلك كان مزدوجاً: الأول إعطاء الدولة الجديدة مجالاً لتحصيل واردات كافية لكي تعيش ولكي تدفع ما يترتب عليها من واجبات مالية تجاه بريطانيا. والهدف الثاني كان تصوير بريطانيا وكأن لها مصلحة لا متقاربة مع العراق فحسب، بل متشابهة ان لم تكن واحدة.
لكن هذه السياسة البعيدة المدى لم تكن لتمنع بريطانيا من مواجهة التناقض الأساسي في سياستها: ان كان الهدف بناء دولة، فمن الضروري السماح للنخبة المسيطرة عليها بتحسين صورتها في الأوساط الوطنية بإعطائها، ان لم يكن استقلالية، فعلى الأقل بالسماح لها بأن تظهر لمواطنيها وكأنها تحكم. ولكن ما ان كان المفوض السامي يسمح لهذه النخبة بهامش استقلالية ما، حتى كانت ترى نفسها تعطى «التنازل» تلو الآخر للقوى الوطنية، مما يثير رد فعل بريطانياً جديداً لوضع حدود لها. وكان الملك فيصل، بمزيج من التعاطف مع أبناء بلده بالتبني ومن الضعف أمام الضغط البريطاني، مثالاً لهذه النخبة التي وجدت لندن نفسها إزاءها في موضع المراقب الدائم لنخبة غير قادرة على حماية مصالح بريطانيا، في غياب رقابة هذه الأخيرة.
نجح المشروع البريطاني إلى حد كبير على الرغم من تناقضاته. وتناقضه الرئيسي كان طبعاً وضع رأس هرم الدولة الوليدة المحشور بين حركة وطنية معادية للاستعمار، وبين بريطانيا. تأرجح الهاشميون وأعوانهم من النخبة السياسية بين التقارب مع العناصر الوطنية (وكان هذا أحياناً من سياسات فيصل) وبين الارتماء في أحضان الإنكليز (لا سيما أيام الوصي عبد الإله ونوري السعيد). ولحسن الحظ فإن أمام القارئ اليوم دراسات ممتازة عن تلك المرحلة، وعن مأزق الأسرة الحاكمة وأعوانها، تغنينا عن الدخول في التفاصيل. المهم من وجهة النظر المعتمدة هنا، هو نجاح النسخ الذي أنشأه البريطانيون، على الرغم من تنازلات متلاحقة للوطنيين أحياناً، وللولايات المتحدة أحيانا أخرى، وعلى الرغم من تقطعات محدودة للنسق، لا سيما خلال حركة رشيد عالي الكيلاني عام 1941م. وقد استمر النسق فعلاً زهاء أربعة عقود) (سلطة سياسية مستقلة حقوقياً تؤمن لبريطانيا ثمن تبعية البلد بأسره).
ما يهمنا هنا، هو أن سقوط النسق عام 1958م لم يؤد إلى إعادة نظر حقيقية في الإطار الجغرافي - القانوني الذي كان البريطانيون قد وضعوا حدوده. كان هناك عراقيون عديدون، لا سيما البعثيون والناصريون وأعضاء حركة القوميين العرب بينهم، يدعون إلى إسقاط النسق التابع وإطاره الجغرافي - الحقوقي معاً، في سبيل إطار وحدوي عربي بقدر ما هو مستقل عن الغرب. وكانت هناك بالمقابل حركات انفصالية لا سيما بين الأكراد، وخلال فترة محدودة حول آل النقيب في البصرة، وفي قبيلة المنتفك. ولكن دراسة للحركة الوطنية العراقية قبل 1985م وبعدها تشير بوضوح إلى قبول واسع بالإطار يقابله رفض للنسق. بل على العكس فإننا نرى أكثر العراقيين قرباً من بريطانيا، وأعظمهم مصلحة في الحفاظ على نسق التبعية لها هم أكثر استعداداً للتضحية بالاطار القانوني - الجغرافي العراقي لمصلحة التوسع باتجاه «سوريا الطبيعية» في الوقت الذي يقبل قادة حركة الوطنية على تنوعها بالإطار الجغرافي - الكياني العراقي، بينما هم يكيلون الضربة تلو الأخرى لمصالح بريطانيا ولحلفاءها في المنطقة.
ففكرة الكيان المميز واضحة لدى عراقيي العشرينات. في خطاب تتويجه ملكاً، يتحدث فيصل عن العراق مشيراً إلى أنه «شعب» و «وطن» بل و «امة». ولا ترى في أدبيات العشرينات إشارات واضحة إلى غير ذلك من الولاءات ما فوق العراقية بل على العكس فقد تكاثرت الدعوات الانفصالية من البصرة إلى السليمانية إلى الموصل. ولا ترى في خطابات الملك ولا في البيانات الوزارية إشارات إلى انتماء غير الانتماء إلى العراق. ويصح هذه الأمر أيضاً على مناهج الأحزابففي برنامج حزب التقدم الذي أعلن عبد المحسن السعدون تكوينه سنة 1925م ليس هناك أية إشارة إلى أي أمر خارج الحدود العراقية. أمـّا حزب ياسين الهاشمي، حزب الشعب، فقد دعا فقط إلى دخول العراق عصبة الأمم، ويتضمن منهاج حكومة جعفر العسكري (1926م) دعوة إلى «المودة والاحترام مع الدول المجاورة»، وجاء في مشروع التجنيد الإجباري الذي طرحته الحكومة عينها «إنّ الأمة العراقية انتهزت كل فرصة للإعراب عن رغبتها في ان تعيش حرة مستقلة وان تتبوأ مكانتها بين الأمم المتمدنة العزيزة الجانب». ويتحدث منهاج وزارة عبد المحسن السعدون (1928م) عن «مؤازرة الأمة ومساعدتها» وعن «حسن الجوار مع الممالك المجاورة» من دون التفريق بينها، بينما يتضمّن برنامج حزب العهد «إنماء العلاقات الحسنة مع الدول المتجاورة والمتحابة» وبعد كل دورة انتخابية كان خطاب العرش يرحب بـ «ممثلي الأمة»، وبعد استقلال العراق حيّا الملك «اعترف الأمم بأننا أمة حرة ذات سيادة تامة»(8).
هذا الانسياق للقبول بأولوية الولاء للوطن العراقي الجديد، على وضوحه، لم يكن يعني إدارة ظهر كاملة لما كان يجري في المنطقة. ففي 10 شباط / فبراير1928م، تظاهر العراقيون بكثرة ضد الصهيونية، يدفعهم لذلك شعور بالتضامن مع الفلسطينيين، ووطنيتهم المعادية للإنكليز والباحثة عن مبرر دائم لإبراز ذاتها. كما ان هذه المشاعر العربية ستجد متنفساً أوسع لها بعد حصول العراق على استقلاله، وبعد تبوؤ نوري السعيد رئاسة الحكومة. وفي 1931م بدأ الحديث عن «حلف عربي» وطار نوري السعيد إلى الدول العربية المستقلة آنذاك لهذا الهدف. لكن المحاولة، على اسمها الفضفاض، أدت عملياً إلى عدد من الاتفاقيات الثانية للصداقة مع نجد – الحجاز، وشرق الأردن واليمن ومصر، أشار بعضها إلى تبادل المجرمين. وقد تكون أول إشارة رسمية لميل العراق للعب دور عربي نشط ما جاء في بيان حكومة ناجي شوكت (1932م) من أنها ستسعى إلى «كل ما من شأنه تقوية الروابط الأخوية التي تربط العراق بالبلدان العربية المجاورة، بصورة تؤدي إلى تعزيز روح الاخاء والمنافع المشتركة»(9). لكن هذا التمييز للعلاقات العربية ما لبث ان تراجع في بيانات الحكومات التالية التي تتحدث عن «علاقات الصداقة مع الممالك الأخرى» فحسب.
وقد عاش العراق مرحلة صعبة للغاية في الثلاثينات، تميزت بكثرة الانتفاضات القبلية، وبتدخل متزايد للضباط في الحياة السياسية. لكنه على الرغم من ذلك، فقد عاد اهتمامه بالشؤون العربية يتعاظم مع نهاية الثلاثينات، إن من خلال وزارات نوري السعيد «القومية» كما كانت تسمّى، أو من خلال المجموعة العروبية داخل الجيش، والتي كان أبرز أفرادها صلاح الدين الصباغ. وكان هناك حديث، ولو محدود عام 1939م، عن امكان ضم سوريا للعراق، كمحاولة لحل مشكلة استقلالها المجمّد عن فرنسا. وتبنّت حكومة الكيلاني عام 1940م مبدأ مساهمة العراق في استقلال الدول العربية، بينما كان نوري السعيد يؤكد على ضرورة «توثيق وإنماء الصلات بالأقطار العربية». وبعد الحرب العالمية، توطّد الاتجاه العروبي. فلئن جاء في منهاج حزب الأحرار «التعاون مع الحكومات العروبية»، فقد سعى الحزب الوطني الديمقراطي إلى «اتحاد البلاد العربية بجميع الأمور المشتركة بينها في إدارة موحدة أو نظام مشترك». وكان من أهداف حزب الاستقلال «تكوين نظام اتحادي بين البلاد العربية» بينما اكتفى اليسار الماركسي آنذاك بالدعوة إلى «التعاون والتضامن». وفي الدعوة لسياسة عربية نشطة، نرى السلطة ذاتها، والتيار القومي معاً، يتنافسان، وقد أثارت نشاطات نوري السعيد حفيظة دول عربية عديدة آنذاك، مما اضطره باستمرار إلى تكذيب أمور كانت غير قابلة للتكذيب مثل بيانه(10).
ويجب القول إنه خلال المرحلة الملكية بأسرها كان تعبير«القومية العربية» يتردد أحياناً كثيرة في الصحافة العراقية. لكن دراسة الظروف المحيطة باستعمال هذه المفهوم، لا تدفع بالضرورة لاستنتاج أن ما عُني به فيها إقامة وحده عربية شاملة يذوب فيها الكيان العراقي الحديث. وواقع الحال أن تعبير «القومية» كان يشير إلى ما كان يمكن أن ندعوه اليوم «هوية» كما في ردود الصحف البغدادية المؤيدة للحكومة على رجال الدين الداعين عام 1923م إلى مقاطعة الانتخابات. فالعروبة هنا هي عدو «الأعجمية» التي تنافسها في تحديد هوية الكيان الحديث. المعطى بالأساس ثقافي – لغوي، وعندما يصبح سياسياً، فللدلالة على لغة العراقيين وثقافتهم وتطلعاتهم المتميّزة عن جيرانهم الفرس، وليس بالضرورة لميلهم الشديد إلى مشروع سياسي وحدوي لم يكن بالفعل مطروحاً سيما بعد فشل «الثورة العربية»، بصورة ملحة.
هذه الظاهرة المميزة أعطت النظام الجمهوري الأول في العراق مقدرة كبيرة على مواجهة المد الوحدوي، ذي القيادة الناصرية آنذاك، وعلى تبني خط سياسي مميز شعبوي وعراقي في الآن نفسه، لا نجد له شبيهاً حقيقياً في المنطقة. إذ ان مدى قبول العراقيين للكيان الذي يجمعهم كان أكبر مما اعتقده الوحدويون، بل ان العراقيين بدوا مستعدين للتمييز في مشاريع حزب الاستقلال أو جماعة الأهالي، كما يبرز ضمناً في «وثبة» 1948م و«انتفاضة» 1952م، على الرغم من أن بعض المؤرخين خلط بين تأثر الانتفاضة بما جرى في مصر وبين اتجاهها الوحدوي المزعوم. لهذا استطاع قاسم، والموجة الوحدوية في عزها، ان يطرد عبد السلام عارف «القومي» من السلطة وأن يقمع تمرد الموصل «العروبي» بالتحالف مع الحزب الشيوعي، كما مع رموز مهمة من العمل الوطني ضد النظام الملكي، من دون ان يرفضه العراق تلقائياً.
ولم يتزعزع هذا القبول فعلاً مع سقوط النظام «الانعزالي». فلا الاخوان عارف، ولا حزب البعث استطاعوا ان يخطوا خطوة واحدة في اتجاه وحدوي عربيفلم تدم الموجة الوحدوية مع سوريا إلا أشهراً عام 1979م، كما لم يدخل العراق (أو أنه لم يُدخل) إلى مجلس التعاون الخليجي. لا بل انه يمكن القول إنّ كل اتفاق مع الأقلية الكردية المتمردة كان يتم لمصلحة تثبيت دعائم الكيان العراقي، إذ تضطر السلطة إلى إعادة تأكيد تمسكها بالوحدة الوطنية العراقية. زد على ذلك اندلاع الحرب مع إيران، وأقل ما يقال عنها انها لم تؤد إلى صعود تيار عربي قومي مؤيد للموقف العراقي.




الهوامش
ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
(*) أستاذ العلوم السياسية في جامعة السوربون، وزير الثقافة اللبناني الأسبق.
(1) دخل العراق خلال المرحلة العباسية مرحلة من التمزق بسبب الضغط الفارسي عليه حمل قادته على النظر لحلفاء جدد، فجاء هؤلاء ولم يكونوا أكثر رأفة به من الفرس. يصف عبد العزيز الدوري هذا التمزق بقوله: «كانت الفتنة بين الأمين والمأمون عاملاً مهماً ومباشراً في فشل التعاون والتوازن بين العرب والفرس، إذ اكتسحت القوات الخراسانية بغداد وقضت على الأمين. ولئن كانت القوات الخراسانية التي قضت على الأمويين مختلطة، عربية وإيرانية، فإنها الآن إيرانية كلياً مما أدى إلى رد فعل سريع وعنيف من قبل البغداديين (وأهل العراق) ضد الخراسانية. وكان هذا الوضع عاملاً في اتجاه العباسيين إلى المماليك الأتراك، فكانت هذه بداية السيطرة التركية في بلاد الإسلام». انظر: عبد العزيز الدوري، التكوين التاريخي للأمة العربية: دراسة في الهوية والوعي (بيروت: مركز دراسات الوحدة العربية، 1984م) : 99.
(2) من الصعب على أي كان رفض هذا التحديد للعراق بقلم أحد أبنائه، عبد العزيز الدوري، المصدر نفسه :101. يمكن الاستنتاج منه أن التوترات الحالية في الهوية والولاء ليست حديثة على الإطلاق، فهي على الأرجح قديمة قدم البلد ذاته: «العراق مهد حضارة عريقة كوّنتها شعوب الجزيرة العربية وساحة صراع بينها وبين ثقافة أخرى آرية. وبعد قيام الإسلام وظهور دور العرب في التاريخ صارت ساحة صراع بين العروبة والأعجمية وبين الآراء الدينية المجوسية وبين الإسلام».
(3) نقلاً عن:
William Stivers, Supermacy and Oil: Iraq, Turkey and the Anglo World Order,1918-1930, (Ithaca, N.Y.: Cornell University Press, 1982), p. 29.
أما السيد برسي كوكس، فقد أعلن انه جاء العراق «لتشكيل حكومة وطنية بنظارة حكومة بريطانية» وبما ان الثورة كانت ما زالت قائمة حين وصوله فقد أضاف : «ولقد يصعب جداً على فخامته تنفيذ منويات الحكومة البريطانية، ما دامت بعض أقسام العشائر والطوائف في العراق تعادي الحكومة». انظر: عبد الرزاق الحسني، تاريخ الوزارات العراقية، ط 5 ، 10 ج (بيروت: دار الكتب، 1978م)، ج 1: 10. وان استطاع كوكس الكلام بهذه الطريقة فلأنه كان في بغداد من كان على استعداد للتعاون معه.
(4) نقلاً عن: Stivers, Ibid., p.29.
(5) المصدر نفسه : 78.
(6) المصدر نفسه : 79.
(7) المقتطفات نقلاً عن: الحسني، تاريخ الوزارات العراقية، ج 1: 40.
(8) المقتطفات نقلاً عن: المصدر نفسه، على التوالي: ج 1: 109، 151 و ج3: 98.
(9) المصدر نفسه، ج 3: 214.
(10) انظر مثلاً: المصدر نفسه، ج 8: 97.


أضف تعليق

(( مَا يَلْفِظُ مِنْ قَوْلٍ إِلَّا لَدَيْهِ رَقِيبٌ عَتِيدٌ)) ‏


كود امني
تحديث