مات من زمان وأعلنوا وفاته الآن! - غادة السمان

المتواجدون الأن

72 زائر، ولايوجد أعضاء داخل الموقع

القنوات

   

Flag Counter

primi sui motori con e-max.it

مات من زمان وأعلنوا وفاته الآن! - غادة السمان

أعترف أنني فوجئت بوفاة أحمد سعيد عن (92 سنة) وكنت أظنه رحل من زمان، منذ هزيمتنا كعرب في 5 حزيران/يونيو 1967 أو بعد ذلك بقليل، فقد غابت إذاعة «صوت العرب» من القاهرة التي قام بتأسيسها عام 1953 وكان لها صوتها العروبي المدوي واستقال منها بعد هزيمتنا المخزية كجيوش عربية أمام إسرائيل التي احتلت يومئذ الجولان بقية مدينة القدس و..و..

هل سمع الجيل العربي الشاب به؟

نحن الذين كنا في سن المراهقة أو مطلع الشباب لم ننسَ يوماً إسم الراحل أحمد سعيد. فقد كنا نلتف حول المذياع لسماع أخبار حربنا مع إسرائيل عام 1967 ونسمع صوته الإذاعي قوي النبرة وهو ينقل لنا أخبار الانتصارات العربية في فلسطين في دحر الإسرائيلي هذا بينما كنا نتلقى الهزيمة تلو الأخرى.. واحتلت إسرائيل الجولان السورية وأجزاء من القدس وفلسطين وأحمد سعيد قرر أننا «سنلقيهم في البحر» وهي عبارة قيل أن أحمد الشقيري الذي كان رئيساً لمنظمة التحرير الفلسطينية قبل ياسر عرفات أعلنها في سياق خطبة له في الأسابيع التي سبقت حرب 1967، ونسبها البعض إلى الرئيس عبد الناصر.
كان أحمد سعيد صوت المد العربي القومي في كل مكان، زمن الانحياز إلى نضال الجزائر للتحرر من فرنسا وغير ذلك من الأحداث السياسية حتى أن إذاعة «صوت العرب» قُصفت في فترة «العدوان الثلاثي» كما قرأت، ودافع عنها رئيس الجمهورية جمال عبد الناصر قائلاً من منبر الجامع الأزهر بأن «صوت العرب» أمس الأول صارت هدفاً عسكرياً.. جاءت طائرات العدو لضربه».. وسمعنا صوت الرئيس الوحدوي عبد الناصر يقول للمواطن العربي «إرفع رأسك يا أخي»…

جاءت الهزيمة ونكّسنا رؤوسنا!

وبينما كان أحمد سعيد يعلن تحرير فلسطين تمهيداً لرمي الصهاينة في البحر، علمنا بهزيمتنا المدوية في 5 حزيران… وتم تحميل أحمد سعيد مسؤولية جهلنا بحقيقة ما يدور وبالتالي جرم الجزء الكبير من هزيمتنا..
وتم استعمال أحمد سعيد مشجباً نعلّق عليه عارنا وذنوبنا الوطنية والقومية، فنحن كعرب – أو معظمنا ـ بحاجة دائمة إلى زعيم فرد نحمّله مسؤولية تحقيق النصر لنا، وإلى فرد آخر نقوم بتحمّيله مسؤولية الهزيمة. وكان ذلك الشخص أحمد سعيد (الحالم) الكبير بالنصر العربي.. مثلنا..

تشرذم العرب وضياع فلسطين؟

نزار قباني كان واحداً من الذين أدمتهم هزيمتنا في حزيران 1967 وكتب جرحه في قصيدته «هوامش على دفتر النكسة».. (وأنا أطلق عليها الاسم الحقيقي لها: هزيمة). فقد اخترع الإعلام إسم «نكسة» لكارثة هزيمة الجيوش العربية في فلسطين، وكرهت تلك الكلمة، فالمحسنات البيانية كلها لا تستطيع تجميل الهزيمة لفظياً بتسميتها «نكسة»!.. والمفجع أننا يوماً بعد آخر نتشرذم كعرب ويأكل بعضنا بعضاً (او يحاول) أكل الآخر.. وشيئاً فشيئاً صارت لكل قطر عربي أو لمعظمها هواجسه الخاصة وحتى حروبه الداخلية وكاد معظمنا ينسى مأساة فلسطين كالقضية المركزية الأولى لنا كعرب.. لقد أضعنا البوصلة القومية، ولم يخطئ نزار قباني حين كتب «متى يعلنون وفاة العرب؟»… ولامه الكثيرون على تلك القصيدة الصادقة.

وفاة العرب أم وفاة أحمد سعيد؟

الصامت منذ هزيمتنا في حزيران 1967 أحمد سعيد ليس وحده الذي مات وكثيرون مثلي ماتوا معهم من يومها ونكاد نعلن وفاة اهتمام العرب بقضيتهم المركزية وهو ما عناه نزار قباني في قصيدته التي هوجمت يوم نشرها حول إعلان وفاة العرب..
ما زلت أذكر كم كان وقع الهزيمة (الملقبة بالنكسة) أليماً على أبناء جيلي (وما زال عندي) ومن طرفي شعرت بأن العالم العربي كله مقبرة شاسعة، وهكذا صرت أذهب للسهر في المقبرة البيروتية مع رفاق الحزن والخزي وعار الهزيمة.

اعتذار متأخر من أحمد سعيد!

أعتقد أن أحمد سعيد كان حسن النية وهو يعلن الانتصارات العربية (الكاذبة) في فلسطين وكنا ننهزم.. لعله كان يريد رفع الروح المعنوية للعرب وذلك مهم في فترات الحروب ـ أو أنه كان يعيش حلمه الخاص الذي انفلت عن الحقيقة التي لا تطاق – ولكن أحمد سعيد لم يكن بالتأكيد أحد أسباب الهزيمة.. كل عربي منا مسؤول على نحو ما، لا عن تراجعنا في الماضي فحسب، بل عن اندحارنا الحالي.. وها هو الرئيس ترامب يهدي القدس إلى إسرائيل ناقلاً سفارته اليها! داعياً ما كنا ندعوه (إسرائيل المزعومة) قبل أن نكاد نصير بلاد العرب (المزعومة).
رحم الله أحمد سعيد الذي لم يكن هو الذي أضاع أجزاء من فلسطين عام 1967، بل تخاذلنا العــــربي الذي يجـــعل «إعلان وفاة العرب» كما يقول نزار قباني مجرد اعتراف بالحقيقة… في يومنا الحالي. وأتذكر قول شكسبير في مسرحية الملك لير: «إبكوا، يا لكم من رجال من حجارة» ودمعة على أحمد سعيد والتعازي لأسرته، والأمطار من الدموع على فلسطين!

أضف تعليق

(( مَا يَلْفِظُ مِنْ قَوْلٍ إِلَّا لَدَيْهِ رَقِيبٌ عَتِيدٌ)) ‏


كود امني
تحديث