بين أتاتورك وأردوغان: المفارقة الكردية - صبحي حديدي

المتواجدون الأن

73 زائر، ولايوجد أعضاء داخل الموقع

القنوات

   

Flag Counter

primi sui motori con e-max.it

بين أتاتورك وأردوغان: المفارقة الكردية - صبحي حديدي

في كتابها «تركيا الجبهة الأمامية: النزاع في قلب الشرق الأوسط»، تروي الصحافية والأكاديمية التركية إيزغي بشاران فصولاً مبكرة من تاريخ الخيانات التركية للحقوق الإنسانية والقومية والثقافية الكردية، بعد قطع الوعود ومنح العهود؛ وذلك خلال هيمنة مصطفى كمال أتاتورك نفسه هذه المرّة، وليس أياً من الزعماء الأتراك القوميين أو جنرالات الانقلابات العسكرية.
ومن المعروف والمدوّن أنّ ذلك التاريخ يبدأ من مثال أول، لعله الأشهر والأشدّ انطواء على الإجحاف، وربما الغدر أيضاً؛ حين توصل أتاتورك، في سنة 1919، إلى اتفاق مع البرلمان (العثماني، ساعتئذ) يقرّ الاستقلال الذاتي للكرد، الذين حاربوا تحت الراية التركية خلال الحرب العالمية الأولى. يومها كانت خريطة تركيا، كما رسمها أتاتورك، تضمّ مناطق الموصل وكركوك والسليمانية، بالنظر إلى الأغلبية السكانية الكردية فيها، ولأنّ أتاتورك كان يعتبر الأتراك والكرد «لا انفصام» بينهما. لكنّ الاتفاقية ظلت حبراً على ورق، بل أُبقيت سرّية تماماً فلم يُكشف النقاب عنها إلا في الستينيات، وفي الأثناء واصلت السلطات التركية إعادة توطين الكرد، كما تابعت قمع انتفاضاتهم الشعبية عشرات المرات؛ ليس دون تواطؤ مع بعض زعماء الكرد الإقطاعيين والموالين والعملاء من جهة، والقوى الإمبريالية في فرنسا وبريطانيا والولايات المتحدة من جهة ثانية.
مثال آخر، يعكس تبدّل النظر إلى التاريخ بين حقبة وأخرى، أنّ صبيحة غوكشين، ابنة أتاتورك بالتبني، كانت أوّل امرأة طيّارة تقود مقاتلة حربية في حملة قمع انتفاضة درسيم، 1937 ــ 1939، التي تُعدّ ثاني أكبر انتفاضات الكرد بعد ثورة الشيخ سعيد التي اندلعت سنة 1925. وهنا أيضاً، كان محرّك الانتفاضة هو رفض سياسة إعادة التوطين وتواطؤ الزعماء الإقطاعيين المحليين، في منطقة ذات غالبية كردية وعلوية. الأرقام تشير إلى قرابة 14 ألف قتيل، وإجلاء 11 ألف آخرين؛ الأمر الذي لم يمنع الاحتفاء بالحفيدة المقاتلة، واستقبالها كبطلة قومية. وأمّا المفارقة، فقد تمثلت في أنّ رجب طيب أردوغان، ولكن في أواخر 2011 من موقع رئيس الوزراء، كان هو الذي اعتذر عن هذه المذبحة، واعتبرها «واحدة من أكثر الأحداث المأسوية في تاريخ تركيا».
هذه وقائع لا غنى عن استذكارها في أية مراجعة موضوعية، ورصينة تتكئ على المعطيات الملموسة وليس الانحيازات المسبقة، للحال الراهنة التي تعيشها الديمقراطية التركية. سجلّ حقوق الإنسان في انحدار متواصل، قوامه التذرع بحالة الطوارئ، التي فُرضت أصلاً بذريعة محاولة الانقلاب العسكري. لكنّ أحداً، خاصة في صفوف المعارضة، لا يزعم بأنّ الانتخابات شهدت أيّ تزوير أو تلاعب أو إكراه؛ الأمر الذي يعني ببساطة أنّ أردوغان هو بالفعل رجل أغلبية الـ52% من أبناء الشعب التركي، وأنّ هذه النسبة لن تردع ــ بل المنطق يفيد أنها سوف تعزز ـ طموحاته الإمبراطورية والأوتوقراطية.
هي اعتبارات تعني أيضاً، وربما تفيد أوّلاً، أنّ النظام الديمقراطي التركي ليس الملام في هذا، خاصة بعد اعتراف المرشح المنافس الأوّل، محرم إنجي، بنتائج الانتخابات؛ ونجاح «حزب الشعوب الديمقراطي» المقرّب من الكرد، في الوصول إلى البرلمان مجدداً. ومن الإجحاف، استطراداً، مقارنة هذه الديمقراطية بما تشهده روسيا من فصول التبادل الرئاسي بين فلاديمير بوتين ودميتري ميدفيديف، أو النسب العالية التي يحصل عليها الأوّل في كلّ دورة انتخابية.
 ومع ذلك فإنّ المفارقة الصارخة تبقى قائمة: الرجل الذي اعتذر عن مذبحة درسيم ضدّ الكرد، هو ذاته الذي يشنّ اليوم الحملات ضدهم في عفرين ومنبج، ويهدد باقتحام جبال قنديل؛ وهو، في الآن ذاته، الشعبي والشعبوي الذي أفلح شخصياً في تجاوز النسبة التي حصل عليها حزبه على صعيد الانتخابات التشريعية. وتلك علامة على أنّ الديمقراطية التركية، مثل كلّ ديمقراطية أخرى في الواقع، ليست كاملة، ولا هي خالية من المثالب؛ والعيوب الكبرى أحياناً.

أضف تعليق

(( مَا يَلْفِظُ مِنْ قَوْلٍ إِلَّا لَدَيْهِ رَقِيبٌ عَتِيدٌ)) ‏


كود امني
تحديث