الطفل الذي حملوه همّ فلسطين - صبحي حديدي

المتواجدون الأن

104 زائر، ولايوجد أعضاء داخل الموقع

القنوات

   

Flag Counter

primi sui motori con e-max.it

الطفل الذي حملوه همّ فلسطين - صبحي حديدي

«الحلم بالحرية: أحاديث أطفال فلسطينيين سجناء» كتاب فريد في مضمونه وثمين في قيمته الأخلاقية، فضلاً عن سلسلة الدروس السياسية والاجتماعية والسيكولوجية التي يمكن أن يضيفها إلى المخزون الزاخر الذي نطلق عليه صفة «آداب السجون». نورما هاشم، محررة الكتاب، اختارت 24 شهادة لأسرى فلسطينيين في سجون الاحتلال، تتراوح أعمارهم بين 11 و17 سنة، بالإضافة إلى قصيدة من عايدة قاسم، وخمس إفادات، وملاحق إحصائية؛ نقلها إلى الإنكليزية يوسف الجمل، وصدرت عن دار «منشورات» في دلهي، الهند.
في تقديمه للكتاب لا يتردد مهاتير محمد في توصيف دولة الاحتلال الإسرائيلي على هذا النحو: «صنيعة الأوروبيين والأمريكيين، بلد مدلل، يمكن أن يفعل أي شيء، ويرتكب أي جريمة، ويحتلّ، ويبني المستوطنات على الأرض الفلسطينية، ويحاصر غزّة، ويمنع ويصادر الدواء والغذاء المخصص للمرضى والجياع، ويقصف المباني بالصواريخ، ويدمر بالبلدوزر البيوت العربية على رؤوس ساكنيها… دون أيّ احتجاج أو إدانة من الأوربيين والأمريكيين، كبار المبشرين بحقوق الإنسان». وإذا صحّ أنّ هذه الشهادات المؤثرة من الأطفال الفلسطينيين الاسرى لن تحرّك ساكناً لدى الإسرائيليين ورعاتهم، يتابع محمد، فإنّ «هذه الوحشية» جديرة بالتدوين والتسجيل.
في تقديم ثانٍ يكتب ريشارد فولك، أستاذ القانون الدولي في جامعة برنستون ومقرّر الأمم المتحدة حول حقوق الإنسان في فلسطين طيلة ستّ سنوات (واليهودي الديانة، للإيضاح): «هؤلاء الأطفال الفلسطينيون يعبّرون عن شعور مشترك بالتحقير يبدو أكثر إيلاماً من التعذيب الذي يتلقونه. والمفردة («إذلال» بالعربية) تتكرر باستمرار في سردياتهم، وأعتقد أنها تشهد على عواقب التجريد من الإنسانية، الناجمة عن أحاسيس العجز والشلل التي تسعى إسرائيل إلى زرعها في نفوسهم، بحيث ينشأ لدى الفلسطينيين مناخ من التسليم، إذا لم يتحدث المرء عن الاستسلام الروحي. مقاربة مماثلة تبدو أكيدة بالنسبة إلى هدم البيوت وتبرير ذلك بذريعة الأمن، ولكنها إنما تُنفّذ بهدف العقاب الجماعي والتنكيل».
لكنّ شهادات يزن الشرباتي، محمد الخواجة، عبد الرحمن عدلي، عبد الرحمن الأعرج، أحمد بدوان، أحمد سلحب، أمجد قواص، عمار عدلي، أيمن عباسي، براء أبوشمة، ملك الخطيب، محمد أبوعطوان، صلاح خضر، مسلم عودة، أحمد خلف، علاء حنثاوي، أسيد أبوبكر، صالح رضوان، أسامة صبح، سعيد صلاح، شادي الأعور، يوسف الرشق، زهير الأحمد… تقول، جميعها: هيهات! حسّ البقاء والصمود والمقاومة ليس الأعلى والأكثر تجذراً في باطن هذه الشهادات، فحسب؛ بل يبدو وكأنه أقرب إلى السلوك الغريزي، الطبيعي، الذي لا تملك النفس الفلسطينية الطفلة رفاه تصنيعه أصلاً، أو ادعاء وجوده تكلفاً ومظهراً. تماماً على النحو الذي تختصره ميس سعود شلش، المنشدة الفلسطينية التي تقتبسها نورما هاشم في مطلع الشهادات: «شيّلوك همّ بلادك في اللفّة، من إنت صغير»!
المرء، هنا، يستذكر ذلك التفصيل المذهل، السلوكي والتربوي والثقافي، الذي حدّثنا عنه المحامي والباحث الفلسطيني وليد الفاهوم (في كتابه البديع «ولا بدّ للقيد أن ينكسر»)؛ حول ابتكار التلامذة الفلسطينيين لطريقة في القراءة لا تتوفر في أي مكان آخر باستثناء فلسطين تحت الاحتلال: القراءة بالمقلوب! لأنّ الكتب نادرة، والأحوال المعيشية لا تسمح لكلّ طالب بترف اقتناء كتاب خاصّ به وحده، يتناوب أكثر من طالب على استخدام النسخة ذاتها، في الآن ذاته؛ كأنْ يجلس واحدهم مقابل الآخر، ويكون الكتاب بينهما، فيقرأ الأوّل بصورة طبيعية، ويقرأ الثاني بالمقلوب!
وفي العودة إلى شهادات «الحلم بالحرّية»، تروي ملك الخطيب (14 سنة، من رام الله) أنّ عشقها للزهور البرّية قادها ذات يوم، دون أن تدري، إلى منطقة ممنوعة قرب إحدى المستوطنات الصهيونية؛ فاعتُقلت هناك، وقُيّدت، ووُضعت عصابة على عينيها، واقتيدت إلى أحد مراكز التحقيق. قضت قرابة شهرين في الاعتقال، بالتهمة الوحيدة التي استطاعوا تلفيقها لها: أنها قذفت جنود الاحتلال بالحجارة. محمد الخواجة (11 سنة، من رام الله أيضاً) اعتُقل من بيته، وسيق في الأصفاد بتهمة رشق الحجارة، وأُجبر على الزحف نحو مركز التحقيق، وتعرض لسلسلة من أفانين التعذيب والمهانة، واحتُجز في زنزانة منفردة، قبل أن يُنقل إلى سجن عوفر. 
لا يملك المرء، إزاء هذه الشهادات تحديداً، إلا أن يتذكر مقولة نلسون مانديلا الشهيرة: «لا أحد يعرف أمّة على حقيقتها حتى يصبح نزيل واحد من سجونها». ذلك لأنّ تواريخ الإخضاع هي في الآن ذاته تواريخ مقاومة، وهذه الأخيرة لا تتجلى كواحدة من أعراض الإخضاع ومسوّغات ممارسته، بقدر ما ترسّخ موقعها كعلامة حقيقية على «آخَر» مختلف عنيد، قاوم على الدوام محاولات السلطة المستبدة لإحكام الرتاج على باب يغلق جدل التحرر وسؤال الهوية. وفي المسافة بين الباب والاحتلال والمقاومة، لا تستطيع النفس الفلسطينية (كما تتجلى تمثيلاتها لدى أصحاب هذه الشهادات من الأسرى الأطفال)، إلا أن تبلغ ذلك المستوى، المتعدد والتعددي والمركّب، الذي عنده يطوّر الفلسطينيون أنماط بقائهم وعيشهم، تحت القصف والاستيطان والبلدوزر والتصفية الجسدية والاعتقال.
«شيّلوك همّ بلادك» منذ القماط، تشدو شلش عن طفل في بلاد ذكّرنا محمود درويش بأنها كانت تسمى فلسطين، وصارت وتظلّ هكذا: جمل محامل أطفالها، قبل نسائها وشيوخها ورجالها.

أضف تعليق

(( مَا يَلْفِظُ مِنْ قَوْلٍ إِلَّا لَدَيْهِ رَقِيبٌ عَتِيدٌ)) ‏


كود امني
تحديث