أحجية التحالفات وأوهامها - يحيى الكبيسي

المتواجدون الأن

160 زائر، ولايوجد أعضاء داخل الموقع

القنوات

   

Flag Counter

primi sui motori con e-max.it

أحجية التحالفات وأوهامها - يحيى الكبيسي

 
 

يبدو واضحا أن مشكلة نتائج الانتخابات البرلمانية غير المحسومة حتى اللحظة تلقي بظلالها على مفاوضات صفقة الرئاسات الثلاث، وصفقة تشكيل الحكومة. فالفائزون الحريصون على ابقاء النتائج كما هي، يحاولون استباق الامور من خلال تحالفات «مفترضة» مبنية على مبادئ عامة، وإنشاء سياسي، من دون الدخول في التفصيلات العملية التي يمكن أن تعقد إمكانية قيام التحالف، إذا لم يطح بها تماما! هكذا وجدنا الإعلان عن تحالف سائرون مع الفتح، ثم تحالف سائرون مع النصر، وقبلهما وجدنا تحالفا غير متفق عليه بين سائرون والوطنية والحكمة سرعان ما تنصلت عنه الوطنية! وهو ما حول التحالفات إلى نوع من الأحجية، بمعنى أن تحالف سائرون والفتح، ثم تحالف سائرون والنصر، لا يعني بالضرورة تحالفا بين الفتح والنصر!
بداية من المؤتمر الأول لقوى المعارضة العراقية الذي انعقد في بيروت 1991، وانتهاء بمؤتمر لندن 2002، كان موضوع التمثيل النسبي على أساس ديمغرافي، وليس سياسيا، حاضرا بقوة! بل كان الخلاف الرئيسي في مؤتمر لندن هو مسألة «نسب» المكونات في «لجنة المتابعة والتنسيق» التي انبثقت عن المؤتمر، فقد أصرت الاحزاب الشيعية المشاركة عن ان لا تقل نسبة تمثيلهم في هذه اللجنة عن (50 + 1)! ومراجعة أسماء هذه اللجنة النهائية سيكتشف انها النسب الهوياتية هي نفسها التي حكمت تشكيل مجلس الحكم في العام 2003، وحكومة أياد علاوي في العام 2004، وحكومة السيد الجعفري في العام 2005! وسيكتشف بذلك أن نظام التمثيل النسبي، والذي يطلق عليه سياسيا وشعبويا مصطلحا ذا حمولة سلبية هو: المحاصصة، لم يكن نتاجا أمريكيا، بل نتاجا عراقيا بحتا!
وتشكل وثيقة «إعلان شيعة العراق»، التي ظهرت في العام 2002، التنظير الأهم لهذا التوجه. فقد صرنا بإزاء خطاب هوية ذي رؤية سياسية تتعلق بالتمييز الذي مارسته الدولة العراقية منذ تأسيسها عام 1921 ضد «الشيعة»، وبضرورة إعادة توزيع السلطة؛ أي فيما يتعلق بطبيعة الحكم في العراق. ولم يعد هذا الطرح حكرا على جماعات الإسلام السياسي الشيعية، بل شهدنا مشاركة صريحة للعلمانيين على خط إنتاج هذه المقولة وتكريسها. فلم يعد التشيع مجرد هوية ثقافية/اجتماعية/تاريخية، وإنما هوية سياسية. تتقدم في تراتبيتها على أية هوية أخرى. وقد تكرس هذا الاتجاه بعد نيسان 2003 من خلال هيمنة أصحاب مقولة الهوية السياسية للشيعة، إسلاميين وغير إسلاميين على السواء، على القرار السياسي في العراق، وربما كان إعلان «البيت الشيعي» الملمح الأبرز في هذا السياق.
كرديا، كان النموذج الفيدرالي الذي تم تبنيه رسميا في مؤتمر صلاح الدين للمعارضة العراقية في العام 1992، وكان ذلك نتاجا مباشرا لإدارة الحكم الذاتي الذي نشأ في إقليم كردستان في العراق بعد انسحاب الجيش العراقي من الإقليم في العام نفسه. ثم تكرس مطلب النموذج الفيدرالي بشكل نهائي مع تشريع برلمان كردستان في العام 2002 قانون فيدرالية «الإقليم الكردي»، ثم مع إقرار مؤتمر لندن للمعارضة العراقية في نهاية العام نفسه أن النظام الفيدرالي يمثل صيغة مناسبة لحكم العراق ينبغي الاستناد اليه لحل المشكلة الكردية. كما ان الدعوة لنظام الأقاليم كانت مطلبا أساسيا لبعض القوى الشيعية، فقد طالب المجلس الاعلى في العام 2005 رسميا بتشكيل إقليم الجنوب والوسط المكون من تسع محافظات. وبالتالي لم يكن النموذج الفيدرالي الذي تم تبنيه في قانون إدارة الدولة في العام 2004، والدستور العراقي في العام 2005 هو الآخر نتاجا أمريكيا أيضا، بل نتاجا عراقيا بحتا. 
وبالتالي، وبعيدا عن البروباغاندا الصاخبة حول إنهاء المحاصصة/ التمثيل النسبي، وبعيدا عن المصطلحات والتعبيرات الانشائية التي يتم تسويقها؛ مثل الفضاء الوطني، والاغلبية السياسية، والاغلبية الوطنية. يبدو واضحا أن هذه الدعوات تنحصر في محاولة انتاج المحاصصة/ التمثيل النسبي على أساس جزئي، أي تشكيل «الكتلة النيابية الأكثر عددا» التي تسمي رئيس الحكومة، من بعض الشيعة، وبعض السنة، وبعض الكرد، وليس كل الشيعة وكل والسنة وكل الكرد كما كان يحدث دائما، او يتم تسويقه على انه يحدث دائما! فعلى سبيل المثال، منحت جميع المناصب الحكومية إلى جبهة التوافق (السنية) التي حصلت على 44 مقعدا في انتخابات 2005، من دون أن يعطى أي منصب للجبهة العراقية للحوار الوطني (السنية) التي حصلت على 11 مقعدا (أي ما نسبته 25٪)! وفي العام 2014 منحت المناصب الحكومية جميعها للتحالف الكردستاني الذي حصل على 38 مقعدا، من دون أن يعطى أي منصب حكومي لحركة التغيير الكردية التي حصلت على 9 مقعد (أي ما نسبته 23.6٪)! وبالتالي لم يكن هناك أصلا شيء اسمه «حكومة تمثل الجميع» كما يسوق البعض، ربما باستثناء حكومة العام 2010! 
إن فكرة التمثيل النسبي الجزئي تعني عمليا ان الجميع يعترف بان المجتمع العراقي مجتمع تعددي، لا يمكن ان يحكم إلا من خلال التمثيل النسبي على اساس هوياتي/ مكوناتي. وبالتالي لا بد من ان يكون هناك تمثيل هوياتي/ مكوناتي يحكم الرئاسات الثلاث أولا، وان الحجم الديمغرافي هو الذي يحكم اختيار رئيس مجلس الوزراء الشيعي، مع إمكانية تبادل موقعي رئاسة الجمهورية ورئاسة مجلس النواب بين السنة والكرد ثانيا، وأن تشكيل الحكومة يجب ان يخضع لمعيار الحجم السياسي للكيانات والاحزاب الهوياتية/ المكوناتية الممثل في مجلس النواب ثالثا. هكذا على سبيل المثال لا أحد ينظر إلى النواب السنة ضمن تحالف النصر، وعددهم 11 نائبا، إلا على انهم نواب سنة ولا بد ان يكون لهم «حصتهم» السنية، بل ان بعضهم يطمح إلى الوصول إلى منصب رئاسة مجلس النواب «السني» من دون ان يلتفت إلى التناقض الصارخ بين أن يكون ضمن قائمة عابرة للهويات مفترضة، وبين المطالبة بمناصب سنية، او حصة سنية! 
من الناحية النظرية، ومن الناحية السياسية، لا فرق كبير بين ان يكون هناك نظام تمثيل نسبي/ محاصصة كلي، او نظام تمثيل نسبي جزئي، فكلاهما اعتراف رسمي بأن لا بديل عن الديمقراطية التوافقية في العراق، ولكن الإشكال الأكبر هو في طبيعة التمثيل، وفيمن يحدد هذا التمثيل؟ بمعنى ليس من حق أي طرف، أن يقرر «ممثلي» هوية أخرى، تحت أي دعوى او شعارات، لأن هذا الامر لا يمكن إلا أن يفضي إلى أزمة تمثيل حقيقية، كانت طوال السنوات الماضية العامل الأساسي في القطيعة بين هذه الهويات/ المكونات والدولة، بل وكانت العامل الحاسم في تكريس العنف والتطرف في العراق.

 
 
 
 
 
 

Virus-free. www.avast.com

أضف تعليق

(( مَا يَلْفِظُ مِنْ قَوْلٍ إِلَّا لَدَيْهِ رَقِيبٌ عَتِيدٌ)) ‏


كود امني
تحديث