قورش: فارسي أم أمريكي؟ - صبحي حديدي

المتواجدون الأن

89 زائر، ولايوجد أعضاء داخل الموقع

القنوات

   

Flag Counter

primi sui motori con e-max.it

قورش: فارسي أم أمريكي؟ - صبحي حديدي

أحيت مدينة سانتا مونيكا الأمريكية حفلاً مشهوداً، تخللته الألعاب النارية أيضاً، احتفاء بتدشين منحوتة غير عادية، تكلفت 2,2 مليون دولار واعتُبرت بمثابة تمثال الحرية الخاص بالمدينة، على غرار التمثال الشهير في مدينة نيويورك. أما العجيب في الحكاية فهو أنّ المنحوتة لا تمثل أي رمز أمريكي، أو حتى غربي، بل هي نسخة من الذهب والفضة للأسطوانة الشهيرة التي تحمل اسم الملك الفارسي قورش، وكانت نسختها الأصلية قد سُرقت من موطنها البابلي بعد اكتشافها في سنة 1879، ويستأثر بها اليوم المتحف البريطاني في لندن.
اهتمام المدينة بالأسطوانة، وهو ذاته جوهر الاهتمام الأمريكي العامّ بها، أنّ توماس جيفرسون، كاتب إعلان استقلال الولايات المتحدة ورئيسها الثالث، تأثر كثيراً بشخصية قورش، في ميدان العدل والحرية وحقوق الإنسان تحديداً؛ وكان يحتفظ بنسختين من الموسوعة القورشية، أو الـ Cyropaedia، التي وضعها الفيلسوف اليوناني زينوفون، أحد تلامذة سقراط. السبب الثاني وراء الاهتمام الأمريكي٫ الرسمي والشعبي في الواقع، هو أن التوراة تمتدح الملك قورش بوصفه أحد كبار محرّري اليهود من الأسر البابلي. ولقد زارت الأسطوانة الولايات المتحدة مراراً، وعُرضت في متاحف واشنطن وهيوستن ونيويورك وسان فرنسيسكو ولوس أنجليس.
وكما هو معروف، تعود أسطوانة قورش إلى القرن السادس قبل المسيح، ويعتبرها البعض أوّل شرعة حول حقوق الإنسان وحرّية المعتقد في التاريخ البشري؛ وتنصّ على سلسلة حقوق استنّها الملك الفارسي في أعقاب غزو بابل سنة 539 قبل الميلاد، ونجاحه في أسر نابونيدوس، آخر الملوك البابليين، بمعونة مردوك إله بابل. والأسطوانة تسرد وقائع قيام قورش بإقامة نُصُب لآلهة تعبدها شعوب شتى غير فارسية، تمّ في الماضي استعبادها وجلبها إلى بابل (بينهم اليهود، الذين رجعوا إلى أورشليم بموجب شرعة قورش هذه، بعد أن كان نبوخذ نصّر الثاني قد طردهم منها، فأعادوا بناء الهيكل).
ومن طرائف الأسطوانة أنها، حين زارت العاصمة الإيرانية طهران، واجهت دعوة أطلقتها صحيفة «كيهان» المتشددة، تحثّ السلطات على الاحتفاظ بالقطعة الأثرية التي أعارها المتحف البريطاني للمتحف الوطني الإيراني لتُعرض هناك طيلة ثلاثة أشهر. تلك كانت المرّة الثانية في الواقع، لأنّ الأسطوانة زارت إيران سنة 1971، خلال الاحتفالات التي أقامها الشاه محمد رضا بهلوي بالذكرى 2500 لقيام النظام الشاهنشاهي. «أليس صحيحاً أنّ أسطوانة قورش عائدة لإيران؟ أليس صحيحاً أنّ الحكومة البريطانية سرقت هذا الأثر القيّم والقديم الذي هو ملكيتنا؟»، تساءلت «كيهان»ن قبل أن تتابع: «إذا كان الجواب إيجابياً، وهو كذلك، فلِمَ نعيدها إلى الطرف الذي سرقها؟».
والحال أنّ الجواب لم يكن إيجابياً تماماً في الشطر الأوّل من السؤال، ولا ريب أنه محلّ أخذ وردّ وإشكالات شتى في الشطر الثاني. ذلك لأنّ الأسطوانة، رغم انتمائها إلى ميراث ملك فارسي، لم تُكتشف في بلاد فارس، بل في بابل العراق، وهي بالتالي ملكية عراقية بالمعاني التاريخية والأركيولوجية والحقوقية. كذلك يساجل البريطانيون، كما تفعل الجهات الثقافية الغربية عادة، وكلما تعالى حديث عن سرقة آثار الشعوب خلال أطوار الاستعمار المباشر والإنتداب العسكري، أنهم لم يسرقوا الأسطوانة بقدر ما «عثروا» عليها ضمن عمليات تنقيب ذات أغراض «علمية» و«تاريخية». ولأنها ليست سرقة، فقد وافق المتحف البريطاني على إعارتها في الماضي، حين كانت العلاقات البريطانية ـ الإيرانية طيبة، ويعيرها اليوم أيضاً رغم تدهور العلاقات.
الأسطوانة عادت إلى لندن عند انتهاء مدّة إعارتها، بالطبع٫ ولم تقطع إيران تلك الشعرة الدبلوماسية، والقانونية الصرفة أيضاً، التي تربطها مع المتحف البريطاني. ولكنّ اللافت الثاني في الأمر، بعد دعوة «كيهان»، كان تلك اللغة الفارسية حقاً، المفعمة بالفخار القومي والاعتداد بأمجاد الماضي السحيق، التي صدرت عن كبار المسؤولين الإيرانيين، بصدد الأسطوانة؛ إذ لم يتردّدوا في وصف قورش بـ«ملك العالم»، الأمر الذي يظل مستغرباً من نظام حرص على تخفيض نبرة التغنّي بماضي الفرس قبل الإسلام، وذلك على نقيض ـ مقصود، ومنهجي، ومدروس ـ ممّا كان يفعل الشاه.
لا أحد، سوى السذّج، غاب عنه المغزى السياسي ـ الشعبوي خلف إسباغ أوصاف تفخيمية على ملك وثني في نهاية المطاف، كما يقول المنطق البسيط (وكما يؤكد آية الله صادق خلخالي، الذي لم يتردّد في القول إنّ قورش كان «مثلياً» و«عابداً للنار»). كذلك لم تغب عن «كيهان» ضرورة الموازنة، التي لا تقلّ شعبوية بالطبع، بين الاحتفاء بملك فارسي حرّر اليهود من أسرهم البابلي، وبين مواقف إيران من دولة الاحتلال الإسرائيلي.
وبين ما تصنعه الرموز البابلية أو الفارسية الطالعة من باطن الأرض، وما يسجّله التاريخ في حوليات البشر على سطح البسيطة… ثمة موازنات أخرى راجحة يقيمها التاريخ بين الأطراف التي تحتفي اليوم بإرث قورش في آبعاده الفلسفية والفكرية والحقوقية؛ ثمّ الأخلاقية آيضاً، غنيّ عن القول. وأن تحتفي «كيهان» بنسب قورش الفارسي، أمر يختلف عن احتفاء سانتا مونيكا بملك تحرير اليهود؛ الأمر الذي لا يبدّل كثراً في طبائع انتهاكات إيران وأمريكا للحقوق ذاتها التي صنعت رفعة قورش في حفرات التاريخ، فارسياً كان أم… أمريكياً!

أضف تعليق

(( مَا يَلْفِظُ مِنْ قَوْلٍ إِلَّا لَدَيْهِ رَقِيبٌ عَتِيدٌ)) ‏


كود امني
تحديث