الطاعة الشكلية لمرجعية السيستاني - د ماجد السامرائي

المتواجدون الأن

142 زائر، ولايوجد أعضاء داخل الموقع

القنوات

   

Flag Counter

primi sui motori con e-max.it

الطاعة الشكلية لمرجعية السيستاني - د ماجد السامرائي

 

 

 

رغم اللغة التأديبية القاسية التي وجهتها المرجعية الشيعية للسياسيين، إلا أنهم تسارعوا خلال دقائق بعد خطبة الجمعة لإعلان تأييدهم المطلق للمبادئ والإرشادات التي وردت فيها في مخادعة تقليدية للتعاطي المعنوي معها، بل إنهم جميعا بحالة من الفرح الغامر لأن المرجعية كرست وجود العملية السياسية التي تقودها هذه الأحزاب، وبعضها وجد أن بعض تلك النصائح والإرشادات تصب في تكتيكاتهم الخاصة بضرورة الإسراع بإعلان النتائج النهائية للانتخابات وإخراج الكتلة الأكبر لتعيين رئيس الوزراء الجديد، وهي العقدة الرئيسية التي تواجه قيادات هذه الأحزاب في صراع يتجدد كل أربع سنوات لا علاقة له بالنجاح أو الفشل في مصالح وحاجات الناس، وإنما بما يجلبه هذا الموقع السياسي في الحكم من سلطة ونفوذ.

شكوى المرجعية من السياسيين أنهم لم يستمعوا سابقا إلى نصائحها في محاربة الفساد وتنفيذ برامج الإصلاح، وقد انحازت إلى المظاهرات وهم عادوها وشككوا بمطالب المحرومين، وهي تهددهم بسيف الشعب إذا ما تعاظم الجور والظلم. لقد أجهضوا المظاهرات بإعلانات التأييد الشكلي، لكنهم نفذوا برامج تشتيت أهداف المتظاهرين لكي تبتعد عن المساس بنظامهم السياسي الذي قاد إلى هذه النتائج، وتحويلها إلى إعلانات لمطالب خدمية، وكأن الخدمات تطلب وليست واجبا أساسيا لأي حكومة في الدنيا.

والجميع يعلم بأن الحكومة الحالية لم تقدم شيئا خلال الأربع سنوات الماضية، وقبلها عجزت حكومات حزب الدعوة التي لا يمكنها ولا يمكن لرئيسها حيدر العبادي تقديم الحلول السحرية خلال أيام، والذي زاد من إحراج الأخير بيان مرجعيته “المذهبية” الذي أشار بصورة غير مباشرة إلى عدم توفّر الأهلية القيادية اللازمة له لقيادة المرحلة المقبلة، بعد عدم تنفيذ وعوده بمحاربة الفاسدين ومباشرة برامج الإصلاح الجذرية رغم ما قدمته المرجعية والجمهور والعالم من دعم.

ما قالته المرجعية مهم ويشكل إستراتيجية عمل إرشادية للأحزاب الشيعية لكنها لا تبدو إستراتيجية ملزمة، والدليل على ذلك خرق تلك الأحزاب لتوجيهاتها السابقة حسب ما ذكرت في بيانها الأخير، وسبق لمرجعية السيستاني أن غضبت وقاطعت استقبال قادة الأحزاب والحكومة منذ أكثر من ثماني سنوات. إن ضجيج التقديس نحو المرجعية في الإعلام غير حقيقي وغير صادق، وهو يقع في باب “التقيّة” عند الشيعة، وهناك أمثلة عديدة على ذلك.

كذبوا وخدعوا الشعب العراقي وأذلوه وأهانوه، ويخادعون مرجعية السيستاني، وهم اليوم يشتغلون في الخفاء لتوزيع المواقع والحصص وتأمين الغنائم والامتيازات

ففي عام 2014 حين أطلق السيستاني فتواه بالجهاد الكفائي لحرب داعش نفذها جميع أبناء الشيعة العراقيين وتطوعوا للقتال، لكن نوري المالكي نسب لنفسه أسبقية تشكيل الحشد الشعبي قبل السيستاني، كما أن بعض قيادات الميليشيات المسلحة شكلت تنظيماتها وفصائلها بتوجيهات من إيران ومرجعية ولي الفقيه، وانقسمت الفصائل المقاتلة حسب ولاءاتها للنجف أو طهران، وتحولت في ما بعد نهاية الحرب على داعش إلى قطب سياسي دخل الانتخابات وفاز فيها، مقابل القطب الآخر المتمثل بمقتدى الصدر وعمار الحكيم اللذين يواليان مرجعية السيستاني. وهذا مظهر من مظاهر الصراع حول التقليد في المراجع وشكل نظام الحكم السياسي، فنظرية السيستاني تؤمن بالدولة المدنية على خلاف دولة ولاية الفقيه القائمة في إيران باعتبار الخامئني هو نائب الإمام الغائب وهو الحاكم باسمه.

تعمل طهران على وضع هذا الخلاف الفقهي واستقطاب مرجعيتي قم والنجف في الخلف أمام الاستحقاقات السياسية التي تفرضها بضرورة عدم خروج سلطة الحكم في بغداد من نفوذها بواسطة قادة الأحزاب الشيعية، واستمرارهم بالحكم وبمنهجه الحالي وليس لمصالح شعب العراق، ولا تتساهل مع أي محاولة تقترب من محرّمات المساس بالنظام السياسي القائم، رغم أن بيانات مرجعية السيستاني تكرس مبدأ الحفاظ على هذا النظام لكنها لا تستطيع الصمت على الكوارث الفظيعة والمأساة التي تحل بالعراق من فساد مالي وإداري.

إن قوة لهجة المرجعية الشيعية تجاه السياسيين لا يتوقع أن تجبر السياسيين على تخليهم عن الوصفة السحرية “المحاصصة الطائفية” التي قدمها لهم الحاكم بول بريمر منذ عام 2003، فالمحاصصة تضمن الاحتفاظ بقيادة السلطة للشيعة وبمشاركة الأكراد والسنة، ولو تمت ترجمة فعلية للأغلبية السياسية أو الوطنية وفق ما يعلنون، لماذا تتم الحوارات على تشكيل الكتلة الشيعية الأكبر في البرلمان المقبل على أساس طائفي وليس سياسي. ليست المشكلة وفق المنهج السياسي الوطني أن يكون الحاكم شيعيا أو سنيا أو كرديا، لأن المهم هو البرنامج ولكن ما يحصل حاليا هو إعادة إنتاج ذلك المنهج الذي أدى بالكوارث في العراق.

وهناك نداءات انطلقت للإسراع بالحوارات، ولكن الأحزاب تواجه إحراجا حتى وإن كان ظاهريا أمام اشتراطات المرجعية ومواصفاتها للسياسي المسؤول بأن تتوفر فيه النزاهة والكفاءة والإخلاص، وتشترط إلغاء الكثير من قوانين الامتيازات للمسؤولين وتنفيذ مطالب الجمهور المنتفض الغاضب، فذلك يعني ذهابهم إلى المعارضة في البرلمان المقبل، وهذا ما لا يفكر به الجميع، فهم حكام ومعارضون في آن واحد، فعلام إذن طلب الجلوس للحوارات العقيمة.

القصة لن تخرج عن الوصول إلى تسوية بين القادة الشيعة حول من يكون رئيسا للوزراء من بين قوائم الفتح ودولة القانون والنصر أو سائرون، أما مسألة المناهج والبرامج والمواصفات السياسية فلا وجود لها سوى في الإعلام. وبعد ذلك يأتي الأكراد والسنة ومعهم مطالبهم التي أصبحت معروفة لأبسط مواطن عراقي في توزيع منصبي رئيس الجمهورية والنواب وبعض الوزارات، وإذا ما عجز السياسيون، وهذا متوقع، فسيدخل الماردان الإيراني والأميركي للحسم بالتوافق المباشر أو غير المباشر حسب اللعبة القديمة.

عمار الحكيم صرح بعد بيان المرجعية بأن رئيس الوزراء المقبل سيعين بعد مصادقة المرجع السيستاني على اسمه. وهذا ليس جديدا ولم يسجل في السابق اعتراض السيستاني على أحد ممن استلم هذه المسؤولية. لو كان السياسيون الشيعة صادقين في ولائهم وطاعتهم لمرجعية النجف لأعلنوا تخليهم عن مسؤولية السلطة، ووضعوا برنامج اختيار الحكومة الجديدة لمن تنطبق عليه مسطرة مرجعية السيستاني ومرجعية الشعب لكنهم يكذبون.

كذبوا وخدعوا الشعب العراقي وأذلوه وأهانوه، ويخادعون مرجعية السيستاني، وهم اليوم يشتغلون في الخفاء لتوزيع المواقع والحصص وتأمين الغنائم والامتيازات، أما شباب العراق المحبطون فليتظاهروا طالما لا تصل تلك التظاهرات إلى النقطة الحرجة التي تلامس مواقعهم
   

أضف تعليق

(( مَا يَلْفِظُ مِنْ قَوْلٍ إِلَّا لَدَيْهِ رَقِيبٌ عَتِيدٌ)) ‏


كود امني
تحديث