ساسة العراق منزوعي الإرادة - د ماجد السامرائي

المتواجدون الأن

67 زائر، ولايوجد أعضاء داخل الموقع

القنوات

   

Flag Counter

primi sui motori con e-max.it

ساسة العراق منزوعي الإرادة - د ماجد السامرائي

ليس صعبا على السياسي أن يكون صاحب إرادة في المواقف والقرارات إذا ما توفرت لديه المقومات الشخصية في الشجاعة والمبدئية، ولكن الإرادة الفردية في السياسات العامة هي نواة يمكن أن تموت إذا لم تتوفر لها التربة والماء والمناخ الصالح، وأن تكون هناك مشاركة جماعية تتبلور من خلالها الإرادة السياسية للبلد. وهذا من الصعب أن يتحقق في الواقع السياسي العراقي الحالي. كما تسقط الإرادة الشخصية والغيرة والعزة بالنفس حينما تمتد يد السياسي معارضا أو حاكما لضابط صغير في المخابرات الأجنبية. حصل هذا للمعارضين العراقيين لنظام صدام، فغالبيتهم خاصة في لندن فقدوا إرادتهم السياسية حين خفضوا رؤوسهم وارتعشت أياديهم وهي تمتد للسفير الأميركي المنتدب، ريتشارد دوني، الذي قضى أكثر من عام في إقامته بلندن وهو يزور بيوت ومجالس السياسيين الشيعة يتشاور معهم ويستفهم عن أحوال العراق وهو يعرف هذا البلد من المعلومات السياحية وبعض تقارير المخابرات الأميركية الموجزة، وحل بعده الأكثر ضلوعا بشؤون البلدان الإسلامية الأفغاني الأصل السفير زلماي خليل زادة الذي كان له دوره الاستشاري في إدارة الحرب ضد الاحتلال السوفييتي لأفغانستان وطردهم وإحلال حكومة المحاصصة القبلية والطائفية والمجيء ببرهان الدين رباني ثم حامد كرزاي. زادة هو من بين أعضاء الكارتل اليميني الأميركي الذين وضعوا خطة الاجتياح للعراق.

وصل انبهار المعارضين برسول جورج بوش الابن درجة الإذعان والصمت وعدم مناقشة قراراته قبيل انعقاد مؤتمر لندن أواخر ديسمبر 2002 بأيام إلا في المطالبة بهيمنة السياسيين الشيعة من المجلس الإسلامي الأعلى وحزب الدعوة على قيادة المعارضة بمشاركة الأكراد وبحل الجيش الوطني العراقي. وحين وضع زادة أسماء من يحضر المؤتمر كان يبحث عن استكمال المثلث بمعارضين من العرب السنة وهم قلة في العدد ممن انشقوا عن النظام السابق.

كان يجلس في غرفته بالفندق ويقلّب قائمة الحضور وينقح بالحذف أو الإضافة، كان يملي قراراته وحين رفض بعض المعارضين السنة، وكنت من بينهم، قال لي بالحرف الواحد “عليكم القبول وإلا ستندمون لأن غيركم سيلتحق” وهذا ما حصل بعد التحاق الباحثين عن المكاسب الشخصية، ولا أعتقد أن أحداً من الوطنيين العراقيين الذي قاطع مؤتمر لندن نادم على قراره ذاك. وكان تنظيم إياد علاوي، الوفاق، بعد انفصاله عن شريكه صلاح عمر العلي يحوي بعض المعارضين ممن خدموا في العهد السابق على أساس مشروعه اللاطائفي، لكنه لم يتمكن من فرض أبجديات ذلك المشروع بعد طغيان مشروع الاجتياح العسكري بقيادة البنتاغون وبقبول وتطوّع أحمد الجلبي للتنفيذ بعد التنسيق مع إيران والزعامات الشيعية وتراجع مشروع الانقلاب العسكري بقيادة المخابرات الأميركية، وإذعان علاوي.

هل يمكن توقع ولادة إرادة سياسية وطنية من التبعية والإذعان، هذه هي العقدة الأولى لكل تفصيلات بناء النظام السياسي التي أدت بالعراق إلى ما هو عليه اليوم

كانت الإرادتان الأميركية والإيرانية وحدهما بلا إرادة عراقية. فهل يمكن توقع ولادة إرادة سياسية وطنية بعد عام 2003 من التبعية والإذعان، وهذه هي العقدة الأولى لكل تفصيلات بناء النظام وعمليته السياسية التي أدت بالعراق وبشعبه إلى ما هو عليه اليوم. حصل ذلك في مجلس الحكم حين كان الحاكم بريمر يملي قراراته ويبدي استغرابه بعدم وجود سياسي عراقي يناقشه بتلك القرارات، وأهمها حل الجيش العراقي وقانون الاجتثاث، بل شجعوه على ذلك، وبسبب غياب الإرادة السياسية لم يقدم قادة الحكم الجديد مشروعا واحدا لبناء العراق الذي هدمه الحصار الظالم رغم تدفق المليارات، وكانوا منشغلين بتثبيت مرتكزات السلطة ومنح الفرصة للمخابرات الأجنبية لمطاردة وقتل المواطنين وخزين العراق من ذوي الكفاءات النادرة في مجالات الطب والهندسة والاقتصاد والتعليم والصحة، وإحلال الجهلة بدلا عنهم الذين نزعوا “دشاديش” الفقر والتشرد وهي ليست عيبا، وارتدوا البدلات والقمصان والتدرب على كيفية الظهور بمظاهر “الأفندية” المطلوبة لدخول الوزارات.

كان الاهتمام هو بكيفية إحلال برامج التعليم الطائفية بدلا عن تعزيز الهوية الوطنية، دخلوا أبواب الدولة وهم لا يعرفون شيئا عن قانون قيادتها، وحتى خبرات عمل المعارضة السياسية كانت محدودة على مكاتب صغيرة في دمشق يجيد أصحابها فنون التفجيرات داخل العراق وخارجه لصالح إيران، ومعسكرات تدريب المقاتلين تحت رعاية الحرس الثوري غرب إيران وعلى امتداد الأهوار العراقية. من عاش منهم في لندن وهم من النخب المثقفة، لم يتقدموا في المواقع السياسية إلا نادرا. فلم تتوفر القواعد الأولى لإعادة بناء دولة كبيرة مثل العراق تمتلك شعبا عظيما وثروة هائلة، لأن قادة الأحزاب لم يشغلهم هذا الأمر وخضعوا طواعية أو جهلا لمشروع تفتيته، ولهذا فهم لم يبحثوا عن مفاتيح قيادة الدولة الوطنية وأولها توفر الإرادة السياسية، ووجدوا أنفسهم داخل صندوق معتم من التبعية السياسية للأميركي والإيراني، ولهذا أشاعوا قصة الاختلاف الطائفي والعرقي لإثارة نزعات الكراهية والاحتراب والانشغال بأساليب محاربة خصومهم. لم يكن العراقيون الذين حصلوا على الحرية يتوقعون أن يأتي يوم يتزعم فيه هؤلاء السياسيون شؤونهم وتتعرض حياتهم الحالية لمخاطر الجهل والبطالة والفقر وكذلك حياة أجيالهم المقبلةلم يكن ولن يكون همّ أي عراقي أن يحكمه شيعي أو سني إن كان عادلا وصاحب إرادة وطنية ويحب العراق.

الانصراف عن بناء الدولة لعدم وجود إرادة يعني سيادة الفوضى في جميع مرافق البلد. قادة الأحزاب منشغلون منذ 15 عاما بأزمة الحكم وكيفية توزيع الغنائم التي لم تنته ولن تنهي، رغم أن الديمقراطية قد وضعت لهم حلول تداول السلطة، وليس غريبا أن تسود مختلف ظواهر غياب الدولة والقانون والأمن ويصبح السلاح منفلتا في الشوارع ويحال ذلك إلى شماعة داعش والإرهابيين والبعثيين، لهذا السبب تجد العجز فاضحا في عدم مواجهة حالة الفساد وسرقة المليارات، وتعطل ماكنة البناء وأزمات انعدام الكهرباء والماء الصالح للشرب والصحة والتعليم التي امتد عمرها لخمسة عشر عاما. لقد حلت الدولة العميقة بديلا عنها، وهذا يعني سيطرة منظومة علاقات مريبة تتغلغل داخل الدولة التقليدية في مفاصلها السياسية والاقتصادية والعسكرية والثقافية والإعلامية، وتربط هذه الشبكات مصالح وفوائد خارج القانون والنظام. وهذه الدولة العميقة وظهيرها الخارجي هي المحرك الرئيسي لماكنة الحكم. ولكي يعود الوضع إلى طبيعته، لا بد من عملية بتر كلي لهذا الخطر
   

أضف تعليق

(( مَا يَلْفِظُ مِنْ قَوْلٍ إِلَّا لَدَيْهِ رَقِيبٌ عَتِيدٌ)) ‏


كود امني
تحديث