سمعنا عبد الناصر يقول لمساعده «سنرسل قوات إنزال ونسيطر عليهم» - محمد م. الأرناؤوط

المتواجدون الأن

68 زائر، ولايوجد أعضاء داخل الموقع

القنوات

   

Flag Counter

primi sui motori con e-max.it

سمعنا عبد الناصر يقول لمساعده «سنرسل قوات إنزال ونسيطر عليهم» - محمد م. الأرناؤوط

موفق عصاصةحول انفصال سوريا من الوحدة مع مصر

 

 كان العميد موفق عصاصة يتابع كغيره بقلق تفاقم الأوضاع الاقتصادية في سورية بعد قرارات الـتأميم المرتجلة، والاحتقانات الناشئة في صفوف الجيش والمخابرات عن الخلاف بين عبد الحميد السراج وعبد الحكيم عامر، وهو ما قرّب بين كبار الضباط الشوام (كما عُرفوا) على التفكير في «حركة تصحيحية» تعيد الأوضاع في سورية إلى طبيعتها ضمن دولة الوحدة وذلك باتخاذ إجراءات سياسية وعسكرية واقتصادية.

 كان المقدم عبد الكريم النحلاوي هو المخطط الناجح لكونه مدير مكتب المشير عبد الحكيم عامر ويحظى بثقته، واعتمد على شقيق زوجته المقدم مهيب الهندي رئيس أركان اللواء 72 القريب من دمشق (قطنا) وعلى مجموعة من الضباط مثل هشام عبد ربه وزهير عقيل ونور الله حاج إبراهيم. ومن المفارقات أن القيادة المصرية كانت تعتمد على هذا اللواء بالذات الذي كان قائده العقيد السوري الناصري الهوى جاسم علوان الذي سيقوم لاحقاً بانقلاب فاشل. كان صلة الوصل بين النحلاوي وعصاصة العقيد عبد الغني دهمان الذي جاء في فجر 28 أيلول(سبتمبر) إلى بيت عصاصة القريب من قيادة الجيش ليذهبا معاً لتنفيذ المخطط.

 كانت الليلة السابقة للانقلاب لا توحي أبداً بأي حركة نظراً إلى أن قيادة الجيش كانت منهمكة في أخطر عملية تقوم بها ألا وهي القيام بأول استطلاع جوي فوق إسرائيل لتصوير المواقع المهمة. وتتفق ذكريات العميد عصاصة مع مذكرات قائد الجيش الأول الفريق جمال فيصل في تفاصيل تلك الليلة التي تنفسوا فيها الصعداء مع نجاح الطائرات في العودة إلى المطارات السورية بعد إنجاز المهة بنجاح في منتصف الليل. وهنا تفرق الفريق فيصل والعميد عصاصة ليذهب كل إلى بيته ولينام قائد الجيش قرير العين.

 بعد ساعة فقط أُوقظ الفريق فيصل من نومه على أخبار تحركات مريبة في الجيش وسماع إطلاق رصاص في ضواحي دمشق، وفي الساعة الرابعة (كما يرد في مذكراته) اتصل به العميد عصاصة ليخبره بأن قوة من المشاة سيطرت على مطار المزة قرب دمشق، بينما عرف الفريق فيصل أن العميد عصاصة كان أصبح في الجانب الآخر، إذ إن عبد الغني دهمان جاءه إلى البيت في الساعة السادسة صباحاً ليذهبا معاً للسيطرة على قيادة الجيش.

 في اللقاء مع العميد عصاصة اعترف بصراحة بأن كبار الضباط الشوام (النحلاوي والهندي والكزبري وغيرهم) «كانوا يترقبون موقفه وكانوا متفقين على عزله لو تخلّف عن الذهاب مع العقيد دهمان».

 ومع محاصرة مقرّ قيادة الجيش اكتمل وصول قادة الانقلاب الذين طلبوا مقابلة قائد الجيش الأول الفريق جمال فيصل. وكما يذكر الفريق فيصل في مذكراته فقد التقى العقداء موفق عصاصة وعبد الغني دهمان ومحمد منصور والمقدمين عبد الكريم النحلاوي وهشام عبد ربه وزهير عقيل عند مدخل القيادة وسمع منهم مطالب مختلفة، إذ طالب عصاصة بتحويل الوحدة إلى اتحاد وفسح المجال لانضمام دول أخرى، وركّز النحلاوي على إصلاحات في الجيش بينما ركز زهير عقيل على الوضع الاقتصادي الخ.

 وبعد عرض هذه المطالب وافق المشير على لقاء عصاصة وحده. وكما يذكر الآن العميد عصاصة في ذكرياته فقد أدى التحية العسكرية للمشير حين دخل إلى مكتبه وعرض معه الوضع وقدّم له مطالب الإصلاح باسم زملائه، فردّ عليه المشير: «هذه تحتاج إلى موافقة الرئيس وسأكلمه الآن». انسحب عصاصة من مكتب المشير ليفسح المجال له للحديث مع الرئيس عبد الناصر وبقي ينتظر في الممر. وبينما هو ينتظر نزل من الطبقة الأخيرة على عجل ضابط مخابرات سوري كان يستمع إلى المكالمة بين المشير والرئيس ونقل له جواب الرئيس عبد الناصر : «اشغلهم حتى نرسل قوات إنزال ونسيطر على الوضع».

 وهنا يستعيد العميد عصاصة ذكرياته : «حين تبيّن أنه ينوى الشر أصررنا على أن يغادر المشير دمشق إلى القاهرة فوراً. عرضنا على الفريق جمال فيصل أن يبقى في دمشق ولكنه رفض وقال إنه سيرافق المشير. رافقتهما في سيارة إلى مطار المزة لكي يأخذا من هناك طائرة عسكرية إلى القاهرة في الساعة الثالثة بعد الظهر». وفي اليوم التالي تأكد محتوى المكالمة بين المشير عامر والرئيس عبد الناصر، اذ أرسلت القاهرة قوات الصاعقة في طائرات لإنزالها في مطار اللاذقية لكي تفشل الانقلاب، ولكن لم تتمكن سوى واحدة من الهبوط لأن مطار اللاذقية لم يكن معداً لهبوط الطائرات في الليل، فاضطرت القوة الموجودة في الطائرة للاستسلام وأصدر الرئيس عبد الناصر أمره بإيقاف العملية، وأصبح الانفصال أمراً واقعاً بعد تشكيل الحكومة برئاسة د. مأمون الكزبري في اليوم ذاته الذي أصدرت أول مرسوم بالاسم الجديد للكيان السوري( الجمهورية العربية السورية) وبعد البيان التاريخي الذي أصدرته مجموعة من السياسيين (ومنهم أكرم الحورارني وصلاح الدين البيطار) في 2/10/1961 بـ «تأييد القوات المسلحة السورية في ثورتها المباركة».

 

التمويل الخارجي لانقلاب

 

من المآخذ الشائعة على انقلاب 28 أيلول 1961 أنه جاء «بتمويل من الخارج» وهو الذي كان يعني الدول المجاورة (السعودية والأردن وإسرائيل) وحتى البعيدة (الولايات المتحدة والاتحاد السوفياتي) أو الافتراضية (دول الاستعمار).

 في الحديث مع العميد عصاصة، وهو الأعلى رتبة بين ضباط الانقلاب، جرى التطرق إلى «التمويل الخارجي» فقال إن الدوافع التي جمعت بين ضباط الانقلاب كانت إصلاحية وحدوية وتحولت بعد المفاوضات مع المشير عامر إلى إنقاذ سورية من الوضع الذي آلت إليه. وبروح مرحة قال إنه لم يعرف في البداية أن أحداً بين كبار الضباط كان «يقبض» من الخارج ، وضرب المثال على ذلك بأوضاعهم المادية عشية انقلاب 8 آذار(مارس) 1963 والمعاناة التي عاشوها بعد تسريحهم من الجيش. ولكنه استدرك قائلاً إنه بعد نجاح الانقلاب عرف أن هناك ضابط مدفعية (لم يشأ أن يسميه) كان على علاقة بدولة مجاورة و»قد حوكم على ذلك».

 

من انقلاب إلى انقلاب

 

كان من الواضح في المفاوضات مع الفريق جمال فيصل والمشير عامر وجود تنوع في دوافع كبار ضباط الانقلاب ما بين السياسي والعسكري والاقتصادي، وهو ما انعكس لاحقاً على الوضع السياسي في البلاد والوضع العسكري في الجيش. فقد تمّ حل الإشكال الدستوري بتشكيل حكومة موقتة برئاسة أستاذ الحقوق في جامعة دمشق مأمون الكزبري (1914-1998) لتعد لانتخابات نيابية في 1/12/1961 اعتبرت آخر انتخابات ديموقراطية حقيقية، تمخضت عن انتخاب السياسي الحلبي ناظم القدسي (1906-1998) رئيساً للجمهورية.

 ولكن النحلاوي وجماعته من الضباط لم يرضهم ما آلت إليه الأمور بعد أن عاد الجيش إلى ثكناته واسترد الحكم الديموقراطي مؤسساته فقام بانقلاب عسكري في 28 آذار(مارس) 1962 اعتقل فيه رئيس الجمهورية وحلّ المجلس النيابي، ولكنه لم يحظ بتأييد عسكري وسياسي، فعقد مؤتمر حمص العسكري الذي قررت فيه قيادة الجيش إبعاد النحلاوي وجماعته (عبد الغني دهمان وغيره) والضباط المؤيدين لعبد الناصر (جاسم علوان ولؤي الأتاسي وغيرهما)، وتشكيل حكومة برئاسة خالد العظم تتمثل فيها الاتجاهات المختلفة من مستقلة وبعثية وناصرية معتدلة، ولكن الحملة المصرية والبعثية الجديدة على الحكومة أدت إلى انسحاب بعض الوزراء (نهاد السباعي وعبدالله عبد الدايم ومنصور الأطرش).

 وكان حزب البعث عقد مؤتمره القومي الخامس في أيار(مايو) 1962 الذي كرّس خروج أكرم الحوراني (مؤسس «الحزب الاشتراكي» الذي توحد في 1952 مع «حزب البعث» ليشكلا «حزب البعث العربي الاشتراكي») على رأس حزب جديد (الاشتراكيون العرب) بقي على معارضته للوحدة مع عبد الناصر، بينما توزع حزب البعث بين «الجناح التاريخي» بقيادة ميشال عفلق وصلاح الدين البيطار الذي أصبح مستعداً لبناء وحدة أخرى بعد مفاوضات جديدة، وبين «الجناح القطري» المعارض لـ «القيادة التاريخية» الذي سيلعب دوراً كبيراً بعد انقلاب 8 آذار 1963.

 

انقلاب 8 آذار 1963

 

لعبت الظروف الإقليمية دورها في تقرير مصير آخر عهد ديموقراطي في «الجمهورية العربية السورية» كانت فيه الإضرابات والتظاهرات والصحافة المعارضة (بما في ذلك جريدة «البعث) سمة العهد. فقد نالت الناصرية في العالم العربي زخماً جديداً بعد تولي أحمد بن بلة رئاسة أول حكومة بعد استقلال الجزائر في 26 أيلول(سبتمبر) 1962، وبعدها بيومين جرى في اليمن انقلاب عبدالله السلال بدعم مصري، ثم جاء انقلاب 8 شباط (فبراير)1963 في العراق المجاور الذي حمل عبد السلام عارف إلى الحكم بدعم من عبد الناصر، والذي كان لحزب البعث فيه دوره أيضاً. وبعد هذا الانقلاب أصبح الشعور في سورية بأن أيام «العهد الانفصالي» أصبحت معدودة، وكان الناس يتوقعون في كل يوم أن يسمعوا في صباح اليوم التالي «البيان الأول»، وهو ما حصل بالفعل صباح يوم الجمعة 8 آذار 1963 نتيجة تحالف مصلحي جمع بين الضباط المستقلين والضباط الناصريين والضباط البعثيين

كان العميد عصاصة يعيش هذه الأجواء كغيره ولذلك لم يتفاجأ ولم يقم بأي عمل لإحباط الانقلاب الجديد. وبسبب ذلك لم تشمله الموجة الأولى من الاعتقالات بل ذهب بنفسه إلى قيادة الجيش حيث رأى هناك القيادة العسكرية الجديدة وعلى رأسها اللواء لؤي الأتاسي رئيس المجلس الوطني لقيادة الثورة. كان دخوله مفاجئاً للجميع، كما يقول في ذكرياته، فتقدم منه الأتاسي واستفرد به ليقول له: «أرى أن تذهب للبيت وترتاح قليلاً».

 عاد إلى البيت ليرتاح لأيام كما قيل له، ولكن في 13 آذار صدرت الدفعة الأولى من تسريحات كبار الضباط التي شملت 104 ضباط من الفريق عبد الكريم زهر الدين قائد الجيش وحتى المقدم بسام العسلي. وبعد أيام نشرت الصحف السورية مرسوم المجلس الوطني لقيادة الثورة عن «فرض العزل المدني» على 75 شخصية سياسية وعسكرية (منها العميد عصاصة). عرف العميد عصاصة أنه مطلوب للاعتقال فاختفى أياماً ولكنه راجع نفسه، كما قال في ذكرياته معنا، وقال لنفسه: «لم أقم بأي عمل منذ 8/3/1963 فلماذا لا أذهب وأسلّم نفسي؟». وبالفعل ذهب وسلّم نفسه ليجد نفسه معتقلاً ومرسلاً باتجاه سجن المزة. هنا يتذكر كيف أن الضابط أصر على وضع القيد على يديه بشكل آلمه طيلة الطريق إلى السجن ولم يُجد الاحتجاج على ذلك.

 في سجن المزة، الذي كان مجرد ذكر اسمه يثير الخوف، وجد العميد عصاصة نفسه في عالم آخر. بقي أولاً عشرة أيام في زنزانة انفرداية قائلاً عنها: «عِفْتُ نفسي فيها من الوحدة وقضاء الحاجة»، ثم نقل إلى المهجع ليجد نفسه مع رئيس الحكومة معروف الدواليبي والمقدم حيدر الكزبري وغيرهما. في غضون ذلك كانت صدرت ضده لائحة الاتهام (الخيانة العظمى) التي طالب بالاستناد إليها المدعي العام بحكم الإعدام له، وأصبح الذهاب إلى المحكمة العسكرية مرهقاً إلى أن صدر عفو عنه في مطلع 1964. وفي حديثنا يعزو العميد عصاصة إطلاق سراحه إلى أمرين: تدخل صهره المقدم بشير صادق، وهو الذي كان من الجيل المؤسس لحزب البعث وأول رئيس للجنة العسكرية السرية التي ضمت الضباط البعثيين في القاهرة، وانقلاب عبد السلام عارف على البعثيين في العراق في 18 تشرين الثاني(نوفمبر) 1963 الذي أدى إلى انشغال الحكم الجديد في سورية باعتقالات ومحاكمات جديدة.

 كان مجرد إرسال زوجها إلى سجن المزة وانقطاع الأخبار عنه كافياً لتستنجد بمن تعرفه من «أيام زمان» لكي يساعدها لأجل زيارة زوجها في السجن. اتصلت بالعقيد غسان حداد الذي كان تخرج في الكلية الحربية بعد زوجها بسنة (1949) وكانت علاقتهم وثيقة، وأصبح عضواً في المجلس الوطني لقيادة الثورة بعد انقلاب 8 آذار 1963. كانت خيبتها كبيرة «لأنه تصرف معي كأنه لا يعرفنا». بعد ذلك نُصحت بالذهاب إلى بيت المقدّم حافظ الأسد الذي كان من مرؤوسي زوجها، وأصبح بعد 8 آذار 1963 قائداً للواء الجوي في قاعدة الضمير. ذهبت كما تروي إلى بيت الأسد القديم في الجسر الأبيض ففوجئت بتواضعه. عندما قرعت الباب فتح لها المرافق العسكري وأدخلها. عندما استمع الأسد لشكواها قال لها: «يمكن أن تذهبي للزيارة في أي وقت، هذا رقمي واتصلي بي إذا أزعجك أي أحد» بالمقارنة بتصرف غسان حداد تعلق السيدة وحيدة الأيوبي: «الواحد يحكي الحقيقة، كل شيء لحال».

 

معاناة ما بعد السجن

 

بالعودة إلى التمويل الخارجي لانقلاب 28 أيلول 1961 يعترف العميد عصاصة بأن كل ما قبضه من الجيش هو وغيره من الضباط كان سلفة بقيمة 25 ألف ليرة سورية لشراء شقة في جادة الخطيب في حي القصاع، على أن يسددها من راتبه الشهري. ولذلك كان الهمّ الأكبر كيف يتدبر أموره في الحياة المدنية ويغطي متطلبات أسرته المكونة من ولدين وابنتين. كان سؤالي عن عدم خروجه من سورية والعمل في أي دولة عربية في مجال تخصصه كما فعل مأمون الكزبري في المغرب وغيره، لكنه قال إن العزل السياسي والمنع من السفر كانا وراء ذلك. وهنا يعود العميد عصاصة إلى ذكرياته: «خرجتُ بعد تسريحي من الجيش بتقاعد قدره 950 ليرة سورية، كان لدي أربعة أولاد، كان عليّ أن أحسب مصروف كل شيء بدقة (بما في ذلك أجرة الحلاق التي كانت 75 قرشاً) حتى استطيع تدبر أموري».

 بعد طول تفكير نصحه بعض المعارف والأقارب بالتوجه إلى العمل الخاص والعمل في المقاولات كمراقب على العمل والعمال أولاً ثم شريكاً بمبلغ بسيط. بدأ لذلك بالاهتمام بالهندسة والتحق بكلية الهندسة لمتابعة بعض المحاضرات. يتذكر العميد عصاصة هنا أيام زحمة القاعات في تلك الأيام وكيف أن الطلاب الشباب كانوا يراعونه ويحجزون له مقعداً لكبر سنة (كان يقترب من الأربعين آنذاك)، ولكنه انقطع عن الذهاب دفعاً للحرج بعد نحو سنة، وفضّل دراسة الهندسة في البيت مع مدرس ذي خبرة. في 1966 تشجع وأخذ عطاء من الدولة لبناء هنغارات لمدجنة تابعة لأحدى شركات القطاع العام في درعا، وذلك بالمشاركة مع أحد المتعهدين على مبدأ المناصفة في الربح بين الرأسمال والعمل، فأتم المشروع بنجاح واقتسم الربح الحلال (50 ألف ليرة سورية) مناصفة مع المتعهد.

 بعد نجاح هذا المشروع تشجع وتشارك مع متعهد آخر في عطاء لبناء مدرسة في أوتوستراد المزة (مدرسة الزهراء)، ولكن هذه المرة فوجىء بمستجدات تلك السنوات. ففي إحى الليالي فوجىء بالناطور يخبره بأن مجموعة من الجنود اقتحموا الموقع وبعد أن أوقعوه أرضاً على بطنه لكي لا يراهم أخذوا كل ما هو موجود في الموقع من قضبان الحديد وأكياس الإسمنت. قدّم شكوى بما حدث ولكنه لم يتابعها بعد أن عرف أن من قام بالاقتحام كانوا تابعين للضابط الصاعد رفعت الأسد. كان النقيب رفعت الأسد بدأ يقترب من عالم المال والأعمال والمقاولات، وذكر كيف أن الأيام دارت وأهداه أحد المقاولين (نتحفظ عن ذكر اسمه) فيلا على أوتوستراد المزة تواجه المدرسة التي تعهد بناءها العميد عصاصة وسُرقت من موقعها قضبان الحديد وأكياس الإسمنت. وقد اشتهرت هذه الفيلا لمن يعرف المنطقة لأن رفعت الأسد بنى لاحقاً حولها جداراً إسمنتياً داخل الأوتوستراد، مع تفاقم الوضع وهجمات التفجيرات في ثمانينات القرن الماضي، أصبح يميزها عن غيرها في كل أوتوستراد المزة.

 مع النجاح الأول له في درعا ودمشق تشجع المتعهدون على مشاركة العميد عصاصة وصولاً إلى مطلع السبعينات حين اشترى مع شركاء مقسماً يطل على أوتوستراد المزة ويواجه جامع الأكرمي المعروف (نسبة إلى رجل الأعمال أكرم عجة صهر وزير الدفاع مصطفى طلاس) فبنى فيه عمارتين تحملان اسمه حتى الآن. ولكن البناء لم يسر بسهولة لأن رفعت الأسد الذي أصبح في 1971 قائداً لسرايا الدفاع، أرسل بعض دبابته إلى الموقع وطالب بشراء المقسم. وبعد أن وصل الأمر إلى رئيس الجمهورية حافظ الأسد انسحبت الدبابات وبدأ العمل إلى أن انتهى بنجاح.

 هنا طرح السؤال نفسه على العميد عصاصة: بعد أن تولى حافظ الأسد الحكم في سورية، وهو يعرفك جيداً باعتبارك رئيسه الأعلى طيلة سنوات 1958-1961، ألم يقم بمبادرة ما لمساعدتك؟ فوجىء العميد عصاصة بالسؤال وقال: بعد انقلاب 1970 اتصل بي مدير مكتب وزير الدفاع اللواء مصطفى طلاس وقال لي إن الوزير يريدك أن تزوره في المكتب. أرسل لي سيارة أوصلتني إلى مقر اللواء طلاس الذي استقبلني بلطف واستفسر عن أحوالي ثم سألني: هل تحتاج إلى أي شيء. فهمتُ الرسالة وقلت له: شكراً جزيلاً، الحمد لله أحوالي جيدة ولا أحتاج إلى شيء.

 في   غضون ذاك كان أولاده تخرجوا جميعاً في الجامعة (ثلاثة في كلية الطب وواحدة في كلية الصيدلة) وتابعوا في الخارج دراساتهم العليا واستقروا هناك ليلتحق بهم في 1982، حيث يعيش الآن مع ابنته الصيدلانية التي تعتني به.

 في  هذه الأوضاع في سورية مع تدهور الليرة السورية يتذكر أنه لا يزال على كادر الجيش العربي السوري متقاعداً ولا يزال تقاعده سارياً وقد وصل أخيراً إلى عشرين ألف ليرة في الشهر (نحو 40 دولاراً) يتبرع بها لذوي الحاجة.

 اللقاءات الثلاثة مع العميد عصاصة لم تكف لإشباع نهم المؤرخ، ولم تسمح بنشر كل ما دار فيها، ولكنها تكشف عن فجوات وتؤكد أهمية مراجعة التاريخ السوري المعاصر وتوثيقه بشهادات من بقي على قيد الحياة من أولئك الذين شاركوا في أحداث جسام مرت فيها سورية خلال خمسينات وستينات القرن الماضي، بغض النظر عن اختلافنا مع دوافعهم لما قاموا به من أجل سورية

   

أضف تعليق

(( مَا يَلْفِظُ مِنْ قَوْلٍ إِلَّا لَدَيْهِ رَقِيبٌ عَتِيدٌ)) ‏


كود امني
تحديث