أيّدنا الوحدة مع مصر ولكن مع «حركة تصحيحية» - محمد الأرناؤوط

المتواجدون الأن

77 زائر، ولايوجد أعضاء داخل الموقع

القنوات

   

Flag Counter

primi sui motori con e-max.it

أيّدنا الوحدة مع مصر ولكن مع «حركة تصحيحية» - محمد الأرناؤوط

 

ذكريات العميد السوري المسرّح في 1963 موفق عصاصة عن بدايات سلاح الطيران في جيش الاستقلال (1946) وحرب فلسطين (1948) وانقلاب حسني الزعيم (1949) وعهد الوحدة 1958-1963 ودوره في انقلاب 28 أيلول (سبتمبر) 1961 ورأيه في «التمويل الخارجي» للانقلاب واعتقاله بعد انقلاب 8 آذار بتهمة «الخيانة العظمى» وشهور السجن في سجن المزة ومرارة البدء من الصفر في الحياة المدنية إلى تقاعده من تلقاء نفسه واستقراره خارج سورية مع الأولاد والأحفاد... إلخ.


تحلّ الذكرى الـ 57 لانقلاب 28 أيلول 1961 مع لقاء غير متوقع مع العميد موفق عصاصة على بعد آلاف الكيلومترات عن الوطن، أحد قادة الانقلاب الذي لا يزال على قيد الحياة، متمتعاً بذاكرة صافية وطمأنينة في انتظار ما هو آت، في الوقت الذي لا نجد سوى كلمات أو سطور في الإنترنت عن قادة الانقلاب لا تشي بحالهم ومآلهم، وسط الكتابات المختلفة عما قاموا به صباح يوم 28 أيلول 1961. يجد المرء نفسه متهيباً أمام مصدر حي يروي تفاصيل معروفة وغير معروفة، تشكّل في كليتها دعماً لمراجعة ما حدث في تاريخ سورية المعاصر، وبالتحديد في الاندفاع إلى الوحدة مع مصر ثم في تجربة الوحدة ذاتها خلال 1958-1961 ومشاكلها، وصولاً إلى المشاركة في «الحركة التصحيحية» التي انتهت بالانفصال عن مصر.

عندما التقيتُ العميد عصاصة للمرتين الأولى والثانية في حزيران 2018 والمرة الثالثة في آب 2018، كنت كعادتي أعتمد على الحبوب المنومة وسط ضغوط العمل، وعندما سألته في المرة الأخيرة عن حياته اليومية ونومه فاجأني بأنه ينام بسرعة وبعمق لأنه يشعر براحة الضمير أمام وطنه وأمته.


كان الحديث مفتوحاًخضنا في مختلف الموضوعات، في حضور زوجته وحيدة الأيوبي التي كانت تتدخل أحياناً لتذكيره بالأسماء أو لإضافة معلومة مهمة هنا أو هناك كشاهدة عيانخضنا في تاريخ حياته، وفي انجرافه في المد القومي العروبي انطلاقاً من إيمانه المطلق بأن دمشق «قلب العروبة»، وفي مشاركته في التظاهرات ضد الانتداب الفرنسي وحماسته للانضمام إلى الكلية الحربية في أول دفعة لسورية بعد الجلاء (1946-1948)، وفي حماسته للوحدة مع مصر (مع تحفظاته عنها) مع قربه من أفكار حزب البعث. ولذلك يبدو من المستغرب أن يُتّهم بعد انقلاب 8 آذار 1963 بـ «الخيانة العظمى» للمشاركة في «جريمة الانفصال» مع أن زعماء حزب البعث كانوا من أوائل من أيد «القوات المسلحة السورية في ثورتها المباركة» مع خالد العظم وغيره من السياسيين، كما جاء في البيان الذي كتبه صلاح الدين البيطار بخط يده في 2/10/1961 وأطلقت عليه القاهرة «وثيقة الانفصال». ومع أن شهور سجن المزة كانت تعادل حياة بشرية (تسعة شهور وعشرة أيام) كما يقول عصاصة، إلا أن المعاناة استمرت بعد صدور العفو عنه وتسريحه من الجيش وبحثه عن عمل يعتاش منه.

دوافع هذه الثنائية (العمل للوحدة مع مصر ثم السعي للانفصال) تبدو في مذكرات الشخصيات المخضرمة التي عايشت، بل ساهمت في صنع الأحداث، مثل خالد العظم وأكرم الحوراني ومحمود رياض (سفير مصر آنذاك في دمشق) وجمال فيصل قائد «الجيش الأول» الذي آثر أن يذهب مع المشير المرحّل من دمشق إلى القاهرة في 28 ايلول 1961 على أن يبقى قائداً للجيش في سورية المنفصلة عن مصر. في مذكرات هؤلاء يبدو استعجال مجموعة من كبار الضباط الذهاب إلى القاهرة لطلب الوحدة من «زعيم القومية العربية» جمال عبد الناصر من دون علم رئيس الجمهورية (شكري القوتلي) ووزير الدفاع (خالد العظم)، وموافقتهما على تنازلات طلبها الرئيس عبد الناصر من دون أن يكون لديهم تفويض دستوري أو شكلي من الحكومة السورية.

في هذا السياق يذكر محمود رياض في مذكراته عن زيارات قادة البعث له في السفارة (ميشال عفلق وصلاح الدين البيطار) لـ «الإسراع بقيام الوحدة». وقد أعقب هذا ذهاب مجموعة من كبار الضباط إلى القاهرة (مصطفى حمدون وأحمد عبد الكريم وأحمد حنيدي وعبد الغني قنوت وطعمة العودة الله وجمال الصوفي وبشير صادق وغيرهمللقاء الرئيس عبد الناصر خلال 13-16/1/1958 والتفاوض معه حول الوحدة والقبول بشروطه (حل الأحزاب... إلخ) من دون علم مسبق من رئيس الجمهورية ووزير الدفاع. وهذا الاستعجال للوحدة بين دولتين خلال أسابيع كان له ثمنه في ما بعد.

في مذكراته يصف محمود رياض إحباط كبار السياسيين من هذا الاستباق والاستعجال للوحدة دونما تدرّج سياسي ودستوري وقانوني واقتصادي: «كنت أشعر بحدة الألم الذي يحز في نفس الرئيس القوتلي، فهو من الذين ينادون بالوحدة وكان يرى أن من حقه كرئيس للجمهورية السورية أن يقوم هو شخصياً ببحث الموضوع مع رئيس جمهورية مصر وأن تتم هذه الوحدة بالطريقة السليمة التي تؤمن استمرارها. وكان يشير إلى أن موقفه كرئيس للجمهورية اهتز بشدة بسبب تجاهل الضباط له وإقدامهم على هذه الخطوة من دون استئذانه ووضعه أمام الأمر الواقع» (ج 2، ص 214).

ومع هذا الاستعجال لكبار الضباط والحماسة الكبيرة للوحدة الفورية نجد في مذكرات من ذهب إلى القاهرة (أحمد عبد الكريم وغيره) الجرأة بعد عقود عدة على نقد هذه التجربة أو الاعتراف بنتائجها السلبية.

وفي هذا السياق، تُعتبر مذكرات الفريق جمال فيصل، الذي لم يوافق على عرض الضباط الذين قاموا بانقلاب 28 أيلول 1961 بتزعّمهم وقيادة السفينة، مهمة في توضيحها الظروف التي سادت سورية في الشهور التي سبقت الانقلاب/ الانفصال، والتي كانت كافية لتفهم دوافع أغلب الضباط الذين قاموا بالانقلاب. ففي الجزء الثاني من مذكراته المنشورة على الإنترنت يحدّد الفريق فيصل ثمانية أسباب لـ «اضطراب الأحوال في دمشق» : إصدار القوانين الاشتراكية، توحيد الوزارة ونقل الوزراء السوريين إلى القاهرة، سوء المواسم الزراعية الناتج من الجفاف الذي ضرب سورية في أعوام 1958-1960، إغلاق أسواق السعودية والعراق في وجه المنتجات الصناعية السورية بسبب الخلافات السياسية، تسبب نقص المواسم الزراعية في نقص القطع النادر وبالتالي نقص السلع الضرورية المستوردة من الخارج وهبوط قيمة الليرة السورية، سوء تصرف بعض المسؤولين العسكريين المصريين، تعيين المشير عبد الحكيم عامر نائباً لرئيس الجمهورية في دمشق وإعطاؤه صلاحيات رئيس الجمهورية... إلخ. ومن هنا، يبدو العميد موفق عصاصة نموذجاً لكبار الضباط الذين تحمسوا للقومية العربية والوحدة مع مصر ولكن ساءهم تفاقم الوضع في سورية نتيجة للأسباب التي ذكرها الفريق جمال فيصل نفسه (وهناك أخرى بالتأكيد)، فاقتنعوا بالعمل لأجل «حركة تصحيحية» تعيد دولة الوحدة (التي لم يكن لها عملة واحدة) إلى الطريق السليم. ولكن الظروف التي واكبت المفاوضات مع المشير عبد الحكيم عامر (التي قام بها العميد عصاصة) انتهت بهؤلاء الضباط إلى القبول بالخيار الآخرالانفصال عن مصر.

بدأ الحديث في اللقاء الأول مع العميد موفق عصاصة عن الولادة في دمشق (1927) والنشأة والدراسة حيث كانت المدارس الابتدائية والإعدادية حاضنة للأفكار القومية، متذكراً مشاركته في التظاهرات ضد الانتداب الفرنسي منذ أن كان في الحادية عشرة من عمره، بينما عندما انتقل إلى الدراسة الثانوية أو التجهيز (مدرسة جودت الهاشمي) توسّع الأفق مع وجود معلمين مثل ميشال عفلق وصلاح الدين البيطار «اللذين كانا يجذبان الشباب» هناك إلى أفكار البعث العربي. ويعترف العميد عصاصة بأنه أصبحت لديه ميول إلى أفكار البعث القومية إلا أنه لم يفكر ولم ينضم إلى حزب البعث عندما تشكل في 1947.

ولكن الصلة مع هذا الحزب تمت من خلال المصاهرة، إذ إن المقدم بشير صادق الذي كان من المؤسسين ومن أعلى الضباط البعثيين رتبة في الجيش ومن الضباط الـ14 الذي ذهبوا إلى عبد الناصر لطلب الوحدة، تزوج أخته، وعندما نقل إلى القاهرة مع غيره من الضباط البعثيين بعد الوحدة كان أول رئيس للجنة العسكرية التي تأسست في 1959 وضمّت محمد عمران ولعبت دوراً مهماً في الأحداث اللاحقة. ونتيجة شكوك المخابرات المصرية فقد أرسل كبار الضباط في هذه اللجنة إلى العمل الديبلوماسي، ولم يبق إلا محمد عمران الذي أصبح رئيس اللجنة وضم إليها صلاح جديد وحافظ الأسد وأحمد المير وغيرهم.

مع هذه الميول القومية كان الجيش هو البوابة المغرية للشباب من جيل العميد عصاصة. ففي نيسان(أبريل) 1946 تمّ الجلاء الفرنسي عن سورية، وفي ذلك العام التحق الشاب عصاصة المتحمّس لقضايا أمته بالكلية الحربية في حمص ضمن أول فوج بعد الجلاء. ونظراً إلى تفاقم الوضع في فلسطين وإعلان بريطانيا نيتها الانسحاب في 15 نيسان 1948، تم تكثيف هذه الدورة ليتخرج منها الضباط الشباب في 15 أيار(مايو) 1948 لينخرطوا فوراً في المعركة لأجل «إنقاذ فلسطين من الخطر الصهيوني».

وتجدر الإشارة هنا إلى أن هذه الدورة بالذات (التي سُمّيت دورة الشهيد مأمون البيطار) كانت من أهم الدورات بسبب ما ضمّت من أسماء أصبحت معروفة لاحقاً بسسب مشاركتها في الانقلابات المتلاحقة التي غيّرت تاريخ سورية. ففي هذه الدورة التي كان آمرها عدنان المالكي برز لاحقاً الضباط الذين قاموا بتمرد أو انقلاب 1954 ضد أديب الشيشكلي (مصطفى حمدون وعبد الغني قنوت) ثم الضباط الذين سعوا إلى الوحدة مع مصر (ياسين فرجاني وجمال الصوفي ونور الله حاج ابراهيم) والضباط الذي قاموا بانقلاب 28 أيلول(سبتمبر)1961 (موفق عصاصة وعبد الغني دهمان) وصولاً إلى الضباط الذين قاموا بانقلاب 8 آذار(مارس) 1963 (لؤي الأتاسي ومحمد الصوفي وجاسم علوان).

هنا يذكر عصاصة أن الجيش السوري لم يكن قد اشتد عوده خلال 1946-1948، ولذلك وصل إلى معسكرات قطنا جنوب دمشق، في الطريق إلى فلسطين، ليتم هناك بسرعة تشكيل الفصائل والسرايا والكتائب وإرسالها فوراً للقتال في فلسطين من دون أن تحظى بتدريب كاف. كان عصاصة أنذاك برتبة ملازم وأصبح قائد فصيل ضمن الفصائل التي أرسلت بسرعة لتدخل فلسطين. كان الفارق في السلاح والتنظيم يميل إلى القوات الإسرائيلية ولكن الحماسة والاستعداد للموت في سبيل فلسطين جعلا القوات السورية تتقدم وتسيطر على بعض المواقع. كان مثلهم الأعلى آمر دورتهم عدنان المالكي الذي قاد الهجوم على التل المشرف على مستعمرة مشمار هايردين والذي سمي بعد ذلك «تل المالكي». ولكن بعد الهدنة الأولى مالت موازين القوى إلى الجانب الإسرائيلي، وبخاصة في جانب الطيران. فقد اعتمدت القوات الإسرائيلية على الطيران لقصف القوات السورية وتكبيدها خسائر، بينما لم يكن لدى الجيش السوري الذي نشأ حديثاً سوى طائرات تايكرموت وهارفورد للتدريب التي استخدمت لأول مرة في الحرب بعد أن زُوّدت كل واحدة برشاشينهذا الاختلال سيشجع لاحقاً الملازم عصاصة على أن ينتقل من سلاح المشاة إلى سلاح الطيران ويصبح قائداً للقوات الجوية في 1958.

المشاركة في أول انقلاب

جرّت هزيمة 1948 سلسلة انقلابات في سورية بدأت مع انقلاب حسني الزعيم فجر يوم الأربعاء 30 آذار 1949 وتواصلت حتى 16 تشرين الثاني(نوفمبر) 1970. كان الضباط في الجبهة يشعرون بمرارة الهزيمة في حرب 1948 ويلقون باللائمة على الطبقة السياسية، ولذلك لم يتحملوا إساءة النائب فيصل العسلي الذي عرّض بالجيش. كان من السهل على حسني الزعيم أن يجنّد من هم في الجبهة للمشاركة في الانقلاب الأول.

يروي العميد عصاصة أن عدنان المالكي آمر دورته خلال 1946-1948، الذي كان له دوره في تخطيط وتنفيذ هذا الانقلاب، جاءهم ليلاً إلى المعسكر واختار بعض الفصائل «للمشاركة في مهمة عاجلة». ولم يفهم عصاصة وغيره ما هي «المهمة العاجلة» إلا قبل انطلاقها بقليل. كانت مهمة هذه الفصائل التوجّه إلى بيت رئيس الجمهورية شكري القوتلي واعتقاله وسوقه إلى سجن المزة. وهنا يعترف العميد عصاصة بالقول: «لم أكن أفهم في السياسة كثيراً آنذاك»، ولكنه يشهد أن الرئيس القوتلي كان متعاوناً ولم يقاوم عندما أخبروه بالانقلاب وطلبوا منه الامتثال والخروج معهم (إلى سجن المزة).

من سلاح المشاة إلى الطيران

كشفت حرب 1948 عن أهمية سلاح الطيران وعن تفوق إسرائيل في هذا المجال، ولذلك أعلنت قيادة الجيش السوري عن الحاجة إلى طيارين وإرسال الراغبين في دورات إلى الخارج. كان الملازم عصاصة ينتظر مثل هذه الفرصة فتقدّم في 1950 للانضمام إلى سلاح الجو وأرسل في دورة لمدة سنتين في إيطاليا. كان التدرب في إيطاليا على طائرات مروحية من نوع فيات 55 وفيات 59 التي استخدمت آنذاك في سورية. وبعد ذلك أرسل في دورة أخرى إلى بريطانيا ليتدرب للمرة الأولى على طائرة نفاثة من نوع متيور. ومع انفتاح سورية على الاتحاد السوفياتي أرسل النقيب عصاصة إلى الاتحاد السوفياتي للتدرب على قيادة ميغ 15 ثم عاد مرة أخرى إلى دورة أركان ومرة ثالثة إلى دورة مدرب طيران. في غضون ذلك كان عصاصة يترقى في الهرمية العسكرية حتى وصل إلى رتبة عقيد وأصبح في 1958 قائد اللواء الجوي الذي كان يتمركز في مطار المزة العسكري، ثم أصبح قائداً للقوات الجوية في الإقليم الشمالي لـ «الجمهورية العربية المتحدة» في 1958 بعد أن أرسل العميد وديع مقعبري في دورة طويلة إلى الاتحاد السوفياتي.

كانت هذه فرصة للحديث عن الوحدة مع مصر وكيف تمّت وما آلت إليه الأمور وصولاً إلى يوم 28 أيلول 1961.

مع حماسة العميد عصاصة للقومية العربية والوحدة مع مصر وغيرها كان غير راض عن الإسراع في عقد الوحدة كما تمّ، وبالتحديد مع ذهاب الضباط الـ14 للقاء الرئيس عبد الناصر والاتفاق معه والقبول بشروطه من وراء ظهر المؤسسات الدستورية (رئاسة الجمهورية ورئاسة الحكومة والمجلس النيابي) مع أن صهره المقدم بشير صادق كان من أعضاء الوفد. كان العميد عصاصة يؤمن، ولا يزال، بحتمية الوحدة العربية «إذا أراد العرب أن يكون لهم شأن في العالم، ولكن يجب أن يسبق ذلك الترتيب والتدرّج في تكييف الأوضاع السياسية والاقتصادية والإدارية والقانونية الخ» .

ولكن مع الانجراف إلى الوحدة التي كان لعبد الحميد السراج والأجهزة دورهم في الترويج لها، أصبح أي تحفظ يمكن أن يجرّ على صاحبه المتاعب. ولكن مع تطبيق الوحدة ونقل الضباط البعثيين الذين كان لهم دور فاعل في إنجاز الوحدة إلى القاهرة بمسميات مختلفة، ونقل ضباط مصريين إلى سورية وتسليمهم مناصب قيادية بدأت الحساسيات تتنامى بالتدريج، بخاصة بعد استقالة نائب رئيس الجمهورية أكرم الحوراني والوزراء البعثيين من وزارة الوحدة في نهاية 1959 وبداية 1960 والحملة المتبادلة بين البعثيين والناصريين.

كان المقدم عصاصة قائد القوى الجوية في الإقليم الشمالي آنذاك يشكو أولاً من تغيّر تعامل الضباط المصريين (الذين يحتلون مناصب قيادية في سورية) مع الضباط السوريين سواء ممن هم أعلى أم أدنى رتبة. كانت الشكوى تتنامى من الشعور بعدم وجود ثقة. ويضرب عصاصة مثلاً على ذلك، زيارة الرئيس جمال عبد الناصر اللاذقية وحلب في 1959 التي لم يكن يعرف بها مسبقاً. فقد فاجأه رئيس هيئة الأركان بسؤال: هل يصلح مطار اللاذقية للهبوط الليلي وهل يصلح لهبوط طائرة من نوع كذا وكذا فأجابه من دون أن يدري ما الهدف من السؤال. وتبيّن لاحقاً أن الرئيس عبد الناصر طلب من كل رؤساء التحرير والكتاب الصحافيين أن يسبقوه في طائرة عسكرية إلى اللاذقية بينما يلحق بهم بواسطة يخت «الحرية» عن طريق البحر. وفي اليوم التالي اصطحب العقيد عصاصة العقيد المصري أحمد زكي مدير مكتب الاتصال في سيارة إلى اللاذقية ليكونا هناك في التحضير لزيارة الرئيس، واغتنم عصاصة هذه الفرصة فكان حديثه «طول الطريق عن الاختلالات في التعامل مع الضباط السوريين».

ويبدو أن أحمد زكي الذي كان يمدح طيبته العميد عصاصة في حديثنا، لم يوصل هذا الاحتجاج من معاملة الضباط المصريين للضباط السوريين إلى الأجهزة المختصة، وهو ما أدى إلى أن يبدأ الاحتجاج المكتوم بين كبار الضباط السوريين الذين يثقون ببعضهم بعضاً. من هؤلاء كان المقدم عبد الكريم النحلاوي مدير مكتب المشير عبد الحكيم عامر ونائب مدير شؤون الضباط. يعترف العميد عصاصة الذي كان متقدماً على النحلاوي في الهرمية العسكرية، أنه اجتمع مرات عدة مع النحلاوي تخلّلها «فش الخلق حول الأوضاع». ومن المناسبات التي أثارت «فش الخلق» كان القرار المفاجىء للقاهرة بانتداب العقيد الطيار هيثم المهايني إلى القاهرة وتعيين ضابط مصري مكانه، حيث احتج عصاصة وراجع في ذلك قائد الجيش الأول الفريق جمال فيصل فقال له «خليه عندك».

هذا الموقف المعارض حُسِب للعميد عصاصة حين ذهب بعدها إلى القاهرة والتقى قائد القوى الجوية في الجمهورية العربية المتحدة اللواء صدقي محمود. فقد عاتبه الأخير على تحفظه عن تنفيذ الأمر الذي كان «لمصلحة القومية العربية». وبعد أن أوضح العميد عصاصة وجهة نظره لم يفوت الفرصة ليقول إن العروبة في دمه منذ أن كان في الحادية عشرة في عمره مشاركاً في التظاهرات ضد الانتداب الفرنسي.

أضف تعليق

(( مَا يَلْفِظُ مِنْ قَوْلٍ إِلَّا لَدَيْهِ رَقِيبٌ عَتِيدٌ)) ‏


كود امني
تحديث