وقائع الأيام الأخيرة للجاسوسة هبة سليم فى سجن النساء -أكرم السعدني

المتواجدون الأن

65 زائر، ولايوجد أعضاء داخل الموقع

القنوات

   

Flag Counter

primi sui motori con e-max.it

وقائع الأيام الأخيرة للجاسوسة هبة سليم فى سجن النساء -أكرم السعدني

 طوال سنوات خدمتى فى مصلحة السجون لم أر فى حياتى إنسانة على هذه الدرجة من الحيطة والوعى والذكاء، إنها فتاة تملك قدرات استثنائية ولديها قدرة عظيمة على المراوغة وهى أشبه بالزئبق لا تستطيع الإمساك بها.. أثبتت هبة سليم ذلك كله أثناء التحقيق معها وأثناء إقامتها فى سجن القناطر.. إنها الجاسوسة التى تحولت قصتها إلى فيلم بعنوان «الصعود إلى الهاوية» الذى لعبت بطولته النجمة الراحلة مديحة كامل والفنان الكبير محمود ياسين. ومع هبة اكتشفت أنها سليلة أسرة طيبة ملتزمة محافظة وأنها سافرت لباريس من أجل استكمال دراستها، أما خالها فهو الكابتن «ع ص» أشهر من تلاعب بالكرة على البساط الأخضر والبعض يظن وكل ظنه إثم أن هبة سليم تمت بصلة قرابة للراحل صالح سليم.

بالمناسبة خالها كان الشخص الوحيد من بين جميع أفراد الأسرة الذى وجد لديه الشجاعة كى يزورها فى محبسها ولم يتبرأ منها كما فعل جميع أفراد العائلة، وبالطبع كنت أراقب نظرات هذا الرجل والتى ملؤها الخجل من تهمة ابنة شقيقته ولكننى كنت أتجاهل هذا الأمر تماما وأبدى له عظيم الاحترام والتقدير فهو أحد كباتن الكرة الذين أمتعونا بفنهم الكروى الفريد، وكان الخال «ع ص» بدون مبالغة يدخل من باب السجن العمومى وهو ينظر فى الأرض ولا يبادلك النظرات إلا للضرورة القصوى وبالطبع داخل السجون تعلمون حضراتكم أن الناس ينادون بعضهم البعض بالتهم المنسوبة إليهم، فمثلا لو كان هناك حسين المتهم بالنشل ينادونه حسين النشال وهكذا.. ولذلك فقد كان «ع ص» كلما جاء لزيارة ابنة شقيقته استمع إلى كلمات لا يمكن لرجل مثله أن يحتملها وهنا أدركت أن علىّ دورا ينبغى أن أقوم به فالرجل قدم لفريقه الكروى الكبير كل سنوات العطاء وهو فى شبابه وفعل نفس الشىء مع منتخب بلاده ولم نسمع عنه ما يسىء إلى سمعته أو إلى تاريخه أو يشكك فى انتمائه لهذا الوطن العظيم.. لذلك فقد كنت أشعر بالألم للموقف الذى يتعرض له كلما هم بزيارة قريبته، وهنا قررت أن أصحبه من البوابة العمومية حتى مقر الزيارة وكان وجودى إلى جانبه كافيا كى تخرس كل الألسنة المنفلتة، وقد أدرك الرجل السر الذى جعلنى أقف فى انتظاره أمام بوابة السجن عند كل زيارة، لذلك كان يكيل لى آيات الثناء والمديح وكنت أرجوه أن يتوقف عن هذا الأمر، لأننى أقوم بواجبى لا أكثر ولا أقل ولعل هذا الموقف هو الذى جعله يفتح قلبه لى كى يروى لى موقف أفراد الأسرة التى تربت على الفضيلة والتزمت طوال حياتها بالتقاليد والأصول والأعراف التى ينشأ عليها كل أهل مصر، وبمرارة تعتصر قلب الرجل بدأ يروى لى كيف أنهم قرروا مخاصمة كل من يجرؤ على زيارتها أو حتى ذكر اسمها بعد أن وضعت العائلة وتاريخها فى الوحل، فبفعلتها «المهببة» وخدعت الرجل دموعه وهو يؤكد لى أن هبة صحيح جاسوسة خانت وطنها وأهلها لكنها فى النهاية بشر وهى ابنة شقيقته التى تربت وكبرت فى أحضانه، وكان الرجل يؤمن إيمانا عميقا بأن تربية هبة لا يمكن أن تصل بها إلى مرتبة الخيانة وأن هناك أمرا فظيعا ربما تعرضت له قادها إلى طريق الخيانة.. فى الحقيقة كنت أستمع للرجل بأكثر مما أتكلم فقد كان حواره فى الأغلب أشبه بحوار مع الذات ويبدو أن الرجل تحدث مع هبة وكيف أننى أقوم بانتظاره، وإذا كنت داخل السجن لأصحبه حتى مكان الزيارة كى لا يخدش أسماعه أى لفظ خارج من السجينات أو السجانات.. فقد وجدت فى ملامح هبة ترحيبا وسماحة لم أعهدهما من قبل وبدأت تفتح بابا ثقيلا بدا أن خلفه كنزا من المعلومات تصورت أنها فى طريقها كى تبوح بها جميعا وتلقى بكل ما تختزنه الذاكرة وإذا بها تقول لى: إن شخصية إسرائيلية ذات ثقل محلى وعالمى رهيب كانت تقطع المسافة من إسرائيل إلى باريس جوا من أجل أن تقابلنى وعندما سألت عن هذه الشخصية أجابت والفخر يكسو صوتها: موشيه ديان وبالطبع كنت أسأل عن سر هذا اللقاء وكيف لرجل مثل ديان أن يتكلف عناء هذه المسافة من أجل مقابلة هبة سليم.. إلا إذا كانت هناك معلومات تستحق؟! وجدتها وبمنتهى البساطة تجيب.. إن من حق الدول أن تبحث عن المعلومات وتتبادلها إما بالطريق الدبلوماسى مع بقية الدول أو عن طريق متطوعين!!
وبدا على وجهى القرف والتعجب معا لهذا المنطق الذى يبيح خيانة الوطن تحت مسمى تبادل المعلومات فلم أرد وتركتها تكمل.. أنا لا أصنع هذا العمل من أجل المال والثراء ولكننى مؤمنة بأنه من حق الإنسان، أى إنسان، أن يعيش آمنا مطمئنا أيا كان لونه أو دينه أو جنسيته وعلى هذا الأساس أنا ناشطة فى إحدى المنظمات الكبرى لحقوق الإنسان.. والحق أقول إننى لم أستطع تحمل المزيد، فقلت لها: هناك خطابات بالحبر السرى متبادلة مع خطيبك الضابط بالجيش «فاروق الفقى»، هنا رفعت يدها معترضة لتقول: أرجوك أنا لا أسمح بترديد مثل هذه الاتهامات الباطلة.. هنا رفعت صوتى بشكل تلقائى فلم أستطع فى الحقيقة أن أسيطر على أعصابى وقلت: إن فاروق الفقى كلما استلم  حنجر من  حناجر الطائرات أو قاعدة للصواريخ كان يتم ضربها وقصفها من قبل طيران العدو بساعات معدودة، وجدتها ترفع حاجبيها وهى تقول: اسمح لى أنا لن أستطيع مواصلة الحديث وأنت على هذه الحالة.. نحن نتبادل الحديث، المفترض أن نتحكم فى أعصابنا ولكن أتصور أن الحديث قد يتطور لحد الاشتباك لو بقيت حضرتك على هذا القدر من الحماس السلبى الذى لا أرى له سببا وجيها.. وانتهى بنا الحديث إلى هذا الحد.
أدركت أننى أمام فتاة تم تدريبها على أعلى مستوى ممكن من قبل جهاز الموساد، فهى بالفعل على درجة من الحذر والحيطة لم أعهدهما فى أى إنسان من قبل مع أن عمرها لم يتجاوز فى هذا التوقيت 25 عاما وكان التقرير الذى تسلمناه بشأنها قبل تسلمها فى سجن القناطر يفيد بأنها شخصية شديدة الخطورة وأن هناك احتمالا قويا لقيام أحد أجهزة المخابرات الأجنبية بعملية انتحارية لاختطاف هبة سليم.. وبالطبع كانت الحراسة المفروضة عليها شديدة وقد راقبتها كثيرا وأنا أحاول أن أتحكم فى بركان من حمم الغضب كان يتراكم داخلى، وكنت أتساءلكيف أمكن لبنت من أسرة طيبة أن تجرؤ على خيانة الوطن؟ فالمصرى يا سبحان الله يربطه بهذه الأرض عشق لا يمكن لأى أديب مهما أوتى من بلاغة أن يفسره أو يشرح أسبابه.. ولم تكن هبة تملك هذا الجمال الأخاذ للنجمة مديحة كامل ولكنها بدت لى متوسطة الجمال شديدة العناية بمنظرها، وعلى الرغم من كل المراحل التى مرت بها هبة من عملية القبض عليها ثم اقتيادها إلى مصر مرورا بالمحاكمة والنيابة وحتى الحكم عليها بالإعدام أقول: كانت البنت تمشى وسط العنابر وبين السجينات واثقة فى نفسها بل فخورة بما أسدته للإنسانية من تبادل للمعلومات منعت به وقوع العديد من الضحايا على الجانبين المصرى والإسرائيلى وفوق ذلك كانت تتحدث والثقة تكاد تطفح من جنباتها بأنها ستحصل على حريتها فى القريب العاجل وأنها ستلقى كل المراحب الحارة من السلطات المصرية التى ستحرص على مصاحبتها على أول طائرة متجهة إلى باريس بعد نيل حريتها.
ولم يظهر على هذه البنت ذات الخمسة وعشرين ربيعا أى مظهر للقلق أو الاكتئاب.. وفى الغالب فإن هذه الفتاة كانت مختلفة فى كل شىء.. فالمحكوم عليه بالإعدام دائما ما تجده يعيش كل لحظة مما تبقى له فى الحياة وهو يقرأ القرآن ويدعو الله أن يغفر له ما اقترفه من ذنب ولكن هبة كانت تقضى وقتها كله فى التزين ولبس الباروكات وكان عددها «6»، ورش غرفتها بالمبيدات الحشرية والتعطر بالبارفانات الباريسية، لقد كانت أمور الحياة هى شاغلها وليس الموت الذى أصبحت على بعد أيام منه بعد صدور الحكم بإعدامها.. ولكن هبة لم تكن تعترف بهذا الحكم وهى تؤكد لى: أن هناك قوى فى الغرب ليست إسرائيل وحدها سوف تجبر القيادة فى مصر على إخلاء سبيلى.. وقامت هبة بالفعل بإرسال التماس إلى الرئيس السادات لمنحها عفوا رئاسيا وكذلك قامت بإرسال خطاب إلى السيدة جيهان السادات عن طريق المجلس الأعلى للمرأة، وبالطبع لم نعلم شيئا عن هذه الخطابات لكونها أرسلتها عن طريق أقاربها وليس عن طريق إدارة السجن ووزارة الداخلية.
وقد أردت التحقق من هذه المعلومات وبالفعل بلغنا أنها أرسلت التماسا إلى السيد الرئيس أنور السادات وأن الالتماس رفض وأصبح الحكم واجب النفاذ!!
وعلمنا من مصادر رفيعة فى الوزارة أن العد التنازلى بدأ وأن ساعة الصفر اقتربت ومعنى هذا أن علينا القيام ببعض الخطوات المهمة والضرورية لإعداد المحكوم عليه لعملية الإعدام ومنها معرفة وزن المحكوم بالضبط، حيث إن بعض المساجين داخل السجن يزداد وزنهم والبعض الآخر ينقص وزنه.. وهذه الخطوة يتم على أساسها تحديد الحبل المناسب لعملية الإعدام من حيث السمك والطول، وهنا يجب أن نذكر ملحوظة غريبة بعض الشىء وهى أن أغلب المساجين المحكوم عليهم بالإعدام يعانون خلال فترة سجنهم من ازدياد فى الوزن لا أستطيع أن أعدد مبرراته أو أسبابه.
وبالطبع تسلمنا كتابا بضرورة قياس وزن المحكوم عليها فى سرية تامة لا تلفت أنظارها أو أنظار أى  من المقربين إليها من السجينات أو السجانات حفاظا على السرية ومنعا لتسرب الخبر الذى أصبح محصورا بين شخصين لا ثالث لهما داخل السجن وهما سيادة العميد نظمى الجولى والعبدلله ويا سبحان الله.. بعد أن تلقينا الخطاب بعدة ساعات ونحن جلوس بمكتبى العميد نظمى وأنا وجدنا الحارسة المكلفة بحراسة «هبة» تبلغنى بضرورة عرض المحكوم عليها بأسرع وقت على طبيبة السجن لشعورها بآلام غير محتملة وعلى الفور اتجهنا إلى المستشفى بصحبة هبة وقبل أن تدخل على الطبيبة قلت لها ربما لا نملك أفضل الأجهزة ولكننا بالتأكيد لدينا أمهر الأطباء وحاولت أن أطمئنها بأنها ستكون فى أيد أمينة وانتظرنا خروج هبة من غرفة الكشف وكنا نجلس فى صالة الانتظار وفى أحد أركانها كان هناك الميزان الطبى وبمجرد أن سمعنا خطواتها اتجهنا العميد نظمى وأنا وارتفع صوت العميد نظمى وهو يقول بعد أن وقف فوق الميزان: أراهن أن هذا الميزان هو من بين الأجهزة الخربانة فى هذه المستشفى.. قلت للعميد إن الميزان لا يكذب.. فأنا أعرف وزنى تماما وعندما وقفت على الميزان أظهر وزنى الذى لم يتغير منذ ستة أشهر ولكن لأن سيادتك أفرطت فى الطعام على ما يبدو فإن الميزان خانك، وهنا وجه العميد نظمى كلامه لهبة التى كانت تراقب المشهد وقال: يا هبة.. أنت عارفة وزنك قد إيه.. وهى ترفع حاجبيها وقد اتسعت عيناها بشدة قالت: طبعا يا نظمى بيه.. فقال: طيب لا تقولى وزنك.. ولكن إصعدى هنا فلو ظهر نفس الوزن يكون الميزان صحيحا ويكسب الرائد السرساوى الرهان.. وهنا هبط العميد من على الميزان، بينما صعدت هبة والابتسامة تكسو وجهها.. ثم رأت لحظة صمت رهيب فقد اقتربنا من الميزان لنتأكد من ميزان هبة فإذا بالمؤشر يشير إلى 62 كيلو، هنا خرجت منها شهقة.. تصورت أنها فهمت الملعوب.. ولكنها أعقبت ذلك بتوجيه سؤال وقالت: معقول أنا زدت عندكم 2 كيلو.. فقال العميد نظمى: ليه.. أنت وزنك كان كام؟ فقالت: عمرى مازدت عن 60 كيلو طوال فترة وجودى فى باريس كنت محافظة على وزنى.. حتى لما جابونى مصر ماحسيتش أبدا بأى زيادة فى الوزن، فسألتها: وأنت وزنتى نفسك قبل كده.. أجابت بالنفى.. فقال العميد نظمى.. خلاص يا محسن أنت خسرت الرهان، الميزان خربان وفيه اثنين كيلو زيادة.. فقلت للعميد يا افندم مش مهم زيادة أو نقصان المهم احنا معرفناش هبة اطمنت على نفسها ولا لأ مع الدكتورة.. وأجابت هبة والشر يبدو على وجهها: لا الحمد الله الدكتورة عندها فكرة طيبة جدا واضح أن الأجهزة بس هى اللى مخرفة.. لكن الناس هنا فعلا فاهمين.. وياريت يا محسن بيه تلموا من الناس فلوس وتجيبوا ميزان.. وأضافت: ولا أقولك.. أنا يا سيدى ح اتكفل بالمصروفات كلها واشترى لكم جهاز بعد خروجى من هنا.. وده وعد منىواطمأن بالى ومعى العميد نظمى الجولى فقد انتهت المهمة الصعبة دون أن يشعر أحد بالأمر ولا حتى المحكوم عليها وبات علينا أن نجهز للخطوة الثانية، وهى إعداد مأمورية ترحيل على أعلى مستوى من السرية والتأمين لنقل المحكوم عليها إلى سجن الاستئناف حيث لم يكن بسجن القناطر للنساء غرفة للإعدام وعليه كان لابد من نقل السجينة إلى سجن الاستئناف على بعد 40 كم. وفى حالة معرفتها بالأمر فهى معرضة إما لنوبات هيستيرية أو صحية قد تؤثر على توقيت عملية الإعدام.. وهنا وحتى لا يتسرب الخبر إلى أى من العاملين بالسجن أو خشية من أن يقوم أحد ضعاف النفوس بتسريب الخبر إلى هبة فقد أحضرتها إلى مكتبى فى الصباح الباكر وقلت لها إن ما سوف أخبرها به أمر على درجة عالية من السرية.. أومأت برأسها.. فأكملت وقلت: لقد وردنا للتو إخطار يفيد بضرورة ترحيل المسجونة هبة سليم على الفور إلى القاهرة للبت فى الالتماس المقدم منها إلى السيد رئيس الجمهورية، وساعتها انفجرت ينابيع السعادة على وجه هبة التى قالت: أنا أكدت لك من قبل أننى لن أخرج من هنا إلى حبل الإعدام ولكن إلى مطار القاهرة إن شاء الله.. وأنا أنظر إليها للمرة الأخيرة قلت: طالما سيتم النظر فى الالتماس أتصور أننا ربما لن نلتقى ثانية.. أتمنى لك رحلة طيبة وهى تبتسم قالت: حاولت أن أشرح لك أننى لست جاسوسة ولكن أنا أعمل من أجل الحفاظ على الجنس البشرى من الدمار وخلفى دول ومؤسسات دولية تدعمنى.. وهنا استأذنت وانصرفت فأخذتها

 حارستها الشخصية فى تمام الساعة السابعة صباحا وبدأ الموكب يتحرك وقد تم تأمين الطريق بالكامل من قبل كل الأجهزة الأمنية فى الدولة، وقد رافق هبة أحد الزملاء الأفاضل وهو المقدم فوزى الذى تحول إلى سمّيع طوال ساعة كاملة وهبة تتكلم فيها وليست معه ولكنها سألت عن الشخصية التى سوف تلتقى ولم تلق ردا.. فخمنت وقالت ربما السيدة جيهان السادات.
ولم يستطع فوزى أن يفتح فمه بكلمة واحدة لأسباب نفسية، فالضابط فى النهاية بشر وإنسان ولديه مشاعر وأحاسيس فهو يقتاد فتاة فى مقتبل العمر كى ينفذ فيها حكم الإعدام شنقا.. وكان المقدم فوزى يفكر فى الحياة والموت وما يفصل هذه الفتاة عن حبل المشنقة إنه الطريق من القناطر إلى الاستئناف.. وفجأة انقطع هذا السيل من الكلام الذى انساب على لسان هبة وتوقف هذا الشلال من التفكير الذى دار فى عقل فوزى، وبمجرد أن دخلت السيارة إلى سجن الاستئناف صمتت هبة وهى ترقب المشهد المرعب وبعد ذلك وهى تتفقد اللجنة المشكلة لتنفيذ الإعدام، وهى مكونة من السيد رئيس النيابة العسكرية والسيد مفتش مصلحة السجون والسيد مندوب الأمن العام  وطبيب السجن والواعظ الدينى.. وهنا بلغت هبة نقطة الانقلاب فى المزاج وفى التوازن وفى التفاؤل الذى كان، وفى الأمل الذى انعقد على قبول الالتماس، كل ذلك انقلب إلى النقيض ودخلت فى الانهيار وبدأت تهذى وتتساءل عن الالتماس وعن منظمات حقوق الإنسان وعن رئيس الجمهورية والسيدة حرمه وموشى ديان وجهاز الموساد الذى لا يتخلى مطلقا عن أبنائه المخلصين.
وتم اقتياد هبة إلى فناء الدور الأرضى بسجن الاستئناف أمام حجرة الإعدام واصطفت اللجنة والحراس وبدأ المأمور يتلو ملخص حيثيات الحكم وما تبعه من استنفاد طرق الطعن وتصديق السيد رئيس الجمهورية على التنفيذ ثم تلا بعد ذلك ساعة وتاريخ التنفيذ وسألها ممثل النيابة عما إذا كان لها مطالب فلم تجب ثم أعاد سؤالها فقالت: أين الالتماس المقدم للسادات  فتقدم الواعظ لإنطاقها بالشهادة وتم اقتيادها لغرفة تنفيذ الحكم.
وهنا ينبغى أن نشرح لماذا نقوم بتلاوة وقائع الجريمة وحيثيات الحكم أثناء التنفيذ.. فلذلك أسباب قانونية واجتماعية.. فالعلة القانونية الهدف منها تذكير المحكوم عليه بما اقترفه من جريمة فى حق الوطن والشعب، أما السبب الاجتماعى فهو للردع العام ولتحفيز القائمين على التنفيذ والتخفيف عليهم من الشعور بالذنب لإزهاق روح.
وحدث بعد إعدام هبة أن دخلت السجانات والسجينات فى معركة حامية للفوز بعلب الماكياج والباروكات التى تركتها هبة دون وريث يسأل عنها وتمت السيطرة على الأمور بمعجزة وبعد أيام من الإعدام بلغنا ما هو أهم من ذلك.. وهى معلومة ينبغى أن نسجلها للتاريخ فهى تشهد للسادات الرئيس الذى اختلف حوله البعض واتهمه البعض بما ليس فيه.. وقد صارحنا أحد الأصدقاء الذى كان يشغل منصبا رفيعا بجوار الرئيس أن السادات فى أحد لقاءاته مع مناحم بيجين رئيس وزراء إسرائيل طرح اسم هبة سليم وطالب الرئيس السادات أن يبدى بعضا من حسن الصنيع لإسرائيل بمنح هبة عفوا رئاسيا.. ولكن السادات عظيم الدهاء أكد لبيجن أن هذه الفتاة قد نفذ فيها حكم الإعدام بالفعل وأن الأمر لم يصل إلى وسائل الإعلام بعد!! حتى يقطع أى طريق على بيجين لطرح مزيد من الأسئلة حول هبة وحتى لا تتحول إلى ورقة للضغط أو المساومة، وبعد هذا اللقاء مباشرة جاء أمر رئاسى باستعجال تنفيذ الحكم على مواطنة مصرية ارتكبت جريمة الخيانة العظمى للوطن.
أما فيما يخص عملية إعدام هبة.. فأنا لم أحضرها ولكننى حضرت 12 عملية إعدام فى حياتى وقد حكى لى صديق حضر هذه العملية.. أن السجان بدأ يربط يديها من الخلف ووضع الطاقية السوداء على رأسها ثم قام بوضعها على طبلية الإعدام انتظارا لإشارة مأمور التنفيذ.. وأستطيع أن أقول لحضراتكم أنه بمجرد فتح الطبلية تشعر بأن قلبك سقط فى قدميك.. أما العشماوى فإن اسمه الرسمى الجلاد ومساعده أذكره جيدا حتى يومنا هذا واسمه فتحى سلطان وهو رجل فاضل وتقى ومصل ربى أولاده حتى نالوا أرفع الدرجات العلمية، كلما فتح طبلية الإعدام جلس على الأرض وطلب سيجارة ودخل فى نوبة اكتئاب طويلة.. والحق أقول إننى عانيت خلال الـ12 عملية إعدام التى حضرتها من نفس هذه الأعراض.. إلا مرة واحدة فقط لا غير كان بطلها ولداً من عتاة المجرمين كان خارق الذكاء يحفظ القانون كأنه صاحب دكتوراه فى القانون.. هذا الولد اسمه «البرنس».

أضف تعليق

(( مَا يَلْفِظُ مِنْ قَوْلٍ إِلَّا لَدَيْهِ رَقِيبٌ عَتِيدٌ)) ‏


كود امني
تحديث