مصر للعراقيين.. وطن "ترانزيت" فرضته الحروب والمحن - مصطفى عبيد

المتواجدون الأن

73 زائر، ولايوجد أعضاء داخل الموقع

القنوات

   

Flag Counter

primi sui motori con e-max.it

مصر للعراقيين.. وطن "ترانزيت" فرضته الحروب والمحن - مصطفى عبيد

 

  - عكس التقارب المصري العراقي على مر التاريخ جوانب مهمة من العلاقة الوثيقة التي جمعت بين الشعبين، وخلقت سمات خاصة بينهما. وتشكل الجالية العراقية في مصر طابعا فريدا من العلاقات التي رسختها سهولة الاندماج والتقارب الثقافي على مر التاريخ والطابع المتآلف مع شتى ألوان البشر والطوائف.

وجاء وقت لم تخل فيه أسرة مصرية من أب أو ابن أو قريب كان يعيش في العراق خلال عقدي الثمانينات والتسعينات من القرن الماضي، ولم يشعروا بالاغتراب، وتحول هذا البلد إلى وطن ثان لنحو 4 ملايين مصري، وجرى التعامل معهم باعتبارهم مواطنين من الدرجة الأولى، وأدى الاندماج الاجتماعي إلى توثيق العلاقات، وبعد أن هجر قطاع كبير من المصريين العراق لم تسقط من ذاكرتهم مواقف كثيرة، وعندما جاء مئات الآلاف من العراقيين إلى مصر، بسبب الظروف السياسية التي يمر بها بلدهم، بقيت الوشائج الاجتماعية قوية، بل وشاهدة على عمق التواصل، وكأن الجينات الحضارية لا تزال تلعب دورا ملهما.

وتتسم العلاقة التي تجمع العراقيين والمصريين بطابع خاص، تعود أصوله إلى أكثر من أربعة آلاف عام. فلم تكن العلاقة التي بدأت منذ العام 2300 قبل الميلاد بين الحضارة السومرية العراقية مرورا بالأكادية ثم البابلية، والحضارة الفرعونية المصرية، تنافسية فقط، بل كانت نفعية وتبادلية وتركت تأثيراتها على الكثير من المعالم التي تربط بين الشعبين على المستوى الاجتماعي.

عاش مصريون وعراقيون على شطر شرقي واحد جمعتهم التجارة والعلوم والفنون، وفرقتهم الحروب أحيانا، لكن بقيت خطوط التواصل مفتوحة، وهو ما مهد الطريق لمزيد من التواصل المجتمعي حاليا.

تبادل الشعبان كل شيء، بداية من اللغات وفنونها وإقامة الحدائق وصناعة الأختام والقوانين مرورا بتبادل العلماء والكتب ومشاطرة الأخلاق والكرم والانضباط.

تلخص حكايات المغتربين العراقيين في مصر تلك العلاقة الممتدة والمتشعبة، وتصف أبعادها واندماجاتها المختلفة. وقبلها ترصد حكايات أكثر من أربعة ملايين مصري عملوا في العراق مجتمعا مشتركا، لم تنته تداعياته حتى الآن.

تأقلم سريع

 

تختلف الأرقام حول تعداد العراقيين في مصر، لكن مهما كان الحجم والذي يقدره البعض بنحو نصف مليون عراقي، ترك احتكاكهم بالمجتمع المصري أثاراً واضحة على المتعاملين معهم، أبرزها روح الجدية في العمل، والخوف الدائم من المستقبل، والعاطفة الجياشة تجاه الآخرين، بالمحبة أو الكراهية، فضلا عن الكرم الشديد والذي يصل أحيانا إلى درجة البذخ، والتعامل بمودة مع الضيف واللباقة في الحديث والكبرياء، وعزة النفس.

في الوقت ذاته، تأثر العراقيون بالمجتمع المصري المألوف لديهم، منذ تواجد ملايين المصريين للعمل في العراق، وتطبّع البعض بطبائعهم من مرح وتنكيت وسخرية ورضا ومرونة في التعامل مع الآخرين.

ويعمل جزء من العراقيين النازحين إلى مصر في إدارة مصانع صغيرة وشركات تجارية ومطاعم، فضلا عن العمل الفني في مجال الفضائيات، في الإعداد والتقديم والإخراج، وآخرون قرروا الإقامة في مصر دون عمل، اعتمادا على مدخرات أودعوها في البنوك، مقابل عائدات شهرية ثابتة، ولجأ البعض لشراء شقق سكنية ومحلات تجارية، واكتفوا بتأجيرها والحصول على ريعها.

قال سلطان التكريتي، ضابط عراقي سابق ومغرم بالأدب والثقافة، ومُسجل كلاجئ ويقيم في الإسكندرية منذ عام 2005، لـ”العرب”، إن هناك تأثيرات اجتماعية وثقافية متبادلة بين المصريين والعراقيين على مدى السنوات الماضية بحكم الاحتكاك المستمر بين الشعبين.

وأضاف أن مصر من الدول التي لا يشعر فيها العراقيون بالغربة، لأن الكثير منهم تعايشوا مع مصريين سنوات عديدة خلال الحرب العراقية الإيرانية، مشيرا إلى أن العراقيين يفضلون الإقامة في مصر كلاجئين، رغم أنهم لا يحصلون على رواتب من الأمم المتحدة، بينما يحصل اللاجئون العراقيون في أوروبا على منح ثابتة. ويرجع ذلك إلى تآلفهم وتفضيلهم عادات المجتمع المصري على المجتمعات الغربية.

ورأى التكريتي، الذي عمل مسؤولا عن شؤون المصريين في العراق خلال عهد الرئيس الراحل صدام حسين، أن هناك سمات عديدة مشتركة بين الشعبين، تتمثل في قوة التحمل، والصبر على الشدائد، والكرم الشديد وحب الثقافة والفنون.

شهدت مصر أربع موجات من الهجرة العراقية إليها، الأولى عقب قيام الثورة العراقية عام 1958، وكان من أشهر اللاجئين صدام حسين الذي أقام في حي الدقي بالجيزة القريبة من القاهرة، ولا يزال سكان هذا الحي يتذكرون كرمه وجسارته. والموجة الثانية حدثت مع الحرب العراقية- الإيرانية (1980 – 1988). وكانت الثالثة بعد حرب الخليج الأولى عام 1991، في ظل انهيار الأوضاع الاقتصادية، وتلتها موجة رابعة مع النزوح الكبير بعد الغزو الأميركي للعراق عام 2003.

اختارت الجالية العراقية في مصر أماكن خاصة، أبرزها مدينة الرحاب والسادس من أكتوبر في القاهرة ومدن المنصورة والإسكندرية (شمال القاهرة)، ونقلت معها جزءا من التراث الاجتماعي والثقافي للعراق. وبرزت فنونه في الشوارع، وظهرت مأكولات ومشروبات باتت جزءا من الحياة في تلك الأحياء. وعرف المصريون خبز الصمون والفلافل البغدادية والدولمة وكبب التمن والسراي.

خاض العراقيون في مصر تجربة الوطن البديل، فأثّروا وتأثروا وتركوا بصمات واضحة على المجتمع المصري سلوكيا وفكريا وثقافيا، وساعدهم في ذلك أن المصريين قادرون على التعامل مع جميع الجنسيات، ولديهم استعداد اجتماعي لقبول الآخر، مهما كانت ثقافته، وهي ميزة مجتمعية جعلت من مصر مكانا مناسبا للملايين من العرب في السنوات الأخيرة.

ورغم أن مصر، بظروفها الحالية، لم تعُد مقصدا مباشرا للمهاجرين العراقيين، فإنها لا تزال محطة (ترانزيت) هامة لكثير من الراغبين في الهجرة إلى أوروبا والدول الغربية منهم.

ويرى اللواء المتقاعد محمود القيسي، موظف سابق في القصر الجمهوري العراقي، أن المشتركات الكبيرة بين المجتمعين المصري والعراقي هي التي جعلت التجانس أمرا ميسورا للعراقيين المقيمين في مصر

ويقول لـ”العرب” إنه استقر في الإسكندرية منذ عام 2007، بعد أن اتسع نطاق الفوضى الأمنية في العراق، وجاء اختياره لها كمقر للإقامة، لأنه زارها مرارا منذ عام 1968 بعد تخرجه في الكلية الحربية ببغداد، ولم يشعر بالاغتراب الذي كان يجده في بلدان أخرى، لذلك عندما حلت المحن ببلده اختار مصر موطنا ثانيا، واستطاع بسهولة التكيف مع المجتمع.

ويضيف “كُنا نتعاطف كشباب مع مواقف مصر وحسها العربي خلال عصر الرئيس الراحل جمال عبدالناصر، وصارت لصيقة بقلوبنا، ما ترك أثرا إيجابيا في نفوسنا حيال مصر، وحتى مع تغير الظروف المجتمعية، لا تزال ذاكرتنا متعلقة بفترة الأحلام الكبرى”.

ولا يشعر القيسي، البالغ من العمر 74 عاما، بفوارق كبيرة في العادات والتقاليد واللهجات لأنه اعتاد في العراق على التعددية الاجتماعية، موضحا أن عادات أهل البصرة تختلف عن عادات أهل الموصل، وعادات المصريين في الإسكندرية تختلف عن الصعيد (جنوب مصر)، لكن في النهاية هناك أرضية مجتمعية مشتركة تجعل الجميع أكثر انسجاما.

ساهمت التطورات السياسية الجسيمة التي مر بها العالم العربي خلال السنوات الماضية في إحداث تغييرات في الشخصية العربية بشكل عام، إلا أن الثوابت الأخلاقية واحدة وراسخة، وهو ما أدى إلى نوع من الانصهار الاجتماعي.

ويُدلل القيسي على سرعة وسهولة الاندماج والتكيف بين الشعبين، بأن الكثير من أبناء الجالية العراقية اختلطوا بسهولة مع المصريين وتزوجوا منهم وكونوا أسرا واحدة وملتحمة.

محطة في الطريق

تشير دراسة أعدها عبدالواحد مشعل، أستاذ علم الاجتماع بكلية الآداب جامعة بغداد، إلى أن العراقيين النازحين إلى مصر، بعد سقوط نظام صدام حسين صنفان، الأول تكيّف تماما مع المجتمع المصري واستقر فيه ومعظمهم من سكان بغداد، والصنف الآخر لم يستطع التكيف ووضع في حسابه التوطن في بلد ثالث، وهم من مدن عراقية أخرى غير العاصمة.

كانت أهم المشكلات الاجتماعية التي واجهت العراقيين في مصر، تخص تعليم الأبناء، حيث كان البعض لا يثق كثيرا في نظام التعليم المصري، بينما كان آخرون غير قادرين على تحمل تكاليف التعليم الخاص المرتفعة، وحاول البعض اللجوء إلى إنشاء مدارس لتعليم العراقيين
لتجاوز بعض العقبات التي كانت تظهر من حين لآخر.

غادر مصر خلال السنوات الخمس الأخيرة آلاف العراقيين قاصدين دول أوروبا والولايات المتحدة وكندا، ومن أبرزهم النخبة العراقية، فقد أيقنوا أن هناك فرصة أفضل يمكن أن تكون متاحة أمامهم في تلك البلدان، معتمدين على ما لديهم من مهارات تجد قبولا في المجتمعات الغربية.

كشف الكاتب والناقد المصري علي حامد، لـ”العرب”، أن معظم العراقيين المغادرين ينتمون إلى فئة المبدعين والأدباء المشاهير، مثل الشاعر خزعل الماجدي والذي كان حاضرا بقوة في معظم الأنشطة الثقافية بالقاهرة، ومثل هؤلاء رأوا أن مستقبل عائلاتهم سيكون في الغرب أكثر أمانا، وعندما تتاح الفرصة يعودون إلى مصر كزائرين في أي وقت باعتبارها مكانا ثقافيا واجتماعيا جيدا.

لعب البعض من المثقفين العراقيين المقيمين في مصر، دورا في إحداث رواج أدبي كبير جراء الاندماج الإيجابي خلال السنوات الأخيرة، خاصة في شعر الفصحى الذي تراجع الاهتمام به في مصر نتيجة انغماس معظم الشعراء في قصيدة النثر.

وأوضح علي حامد أن المثقفين العراقيين يحبون أعمال الأديب المصري الراحل نجيب محفوظ، ويقرأون للشعراء أمل دنقل وصلاح عبدالصبور وأحمد عبدالمعطي حجازي، ويتآلفون مع السينما المصرية وإبداعاتها في المجال الاجتماعي، وينغمسون بقوة في الفعاليات الثقافية، ويشاركون في معارض الفن التشكيلي ومعارض الكتب.

وارتبط حامد بصداقة مع الكثير من المبدعين العراقيين، ويقول: “الاحتكاك ساهم في نقل بعض الثيمات الأدبية العراقية إلى الأدب المصري، مثل فكرة الاستشهاد لدى الشيعة، والمحبة الطاغية لآل البيت، وهو ما جعل المجتمع الأدبي العراقي مألوفا لدى متذوقي الأدب والمشتغلين به من المصريين”.

وأشار ياسر رمضان، مدير دار كنوز للنشر بالقاهرة، إلى أن دور النشر المصرية نشرت دواوين شعرية عديدة لعراقيين، بعضها بالعربية الفصحى والبعض الآخر باللهجة المحلية العراقية.

ولفت في تصريحات لـ”العرب”، إلى أن تلك الدواوين لاقت رواجا وطبعت أكثر من مرة، مثلما هو الحال مع الشاعر توفيق السلمان الذي أصدر ديوانا بعنوان (معا نبقى ولن نكبر)، ولقي رواجا كبيرا في القاهرة، وركزت بعض الروايات والقصص الأدبية على فكرتي الاغتراب والشتات اللتين واجهتا العراقيين بعد الغزو الأميركي.

لا تتوقف شواهد العلاقة التبادلية بين مصر والعراق عند الثقافة والأدب وحده، لكن تبقى الكثير من الآثار خاصة الإسلامية شاهدة على عمق العلاقة بين الحضارتين. وذكر خالد حرفي، المتخصص في الآثار الإسلامية، أن فن المشكاوات الموجود في المساجد المصرية تأثر بفن الزقورات العراقي، وأخذ المصريون عن العراقيين فكرة الأختام، كما تأثروا بفن الفخار العراقي في الزخارف والرسوم الحيوانية، وتتشابه الكثير من التصميمات في المعابد المصرية مع بعض الآثار الآشورية، من حيث التصميم المعماري والنقوش والزخارف الفنية.

ويتذكر البعض من المصريين الذين ارتبطوا بعلاقات شراكة تجارية مع عراقيين أن الاحتكاك بهم أكسبهم حُب المغامرة والجرأة والجدية الشديدة والالتزام بالمواعيد واحترام القوانين.

ويحكي ممدوح زين الدين، صاحب مكتب استيراد وتصدير بالقاهرة، أنه عمل لعدة سنوات مع مهاجر عراقي يعمل في استيراد الزجاج، كان منضبطا وحريصا على احترام القوانين.

ويقول لـ”العرب” إن شريكه العراقي كان يُفضل المخاطرة، ويكرر أن الرزق يزيد لمن يخاطر بشكل أكبر، واستفاد من حرصه على التخطيط لأي صفقة بجمع المعلومات ودراسة البدائل قبل أي شيء آخر، مؤكدا أن التآلف والتفاهم بين الشعبين يبدو سهلا بسبب تشابه النسق الاجتماعي وتقارب العادات والولع بالثقافة والفنون

أضف تعليق

(( مَا يَلْفِظُ مِنْ قَوْلٍ إِلَّا لَدَيْهِ رَقِيبٌ عَتِيدٌ)) ‏


كود امني
تحديث