حكومة: صفقات متداخلة وتواطؤات - يحيى الكبيسي

المتواجدون الأن

89 زائر، ولايوجد أعضاء داخل الموقع

القنوات

   

Flag Counter

primi sui motori con e-max.it

حكومة: صفقات متداخلة وتواطؤات - يحيى الكبيسي

لم تخل عملية انتخاب رئيس الجمهورية، وتكليف مرشح الكتلة الأكثر عددا لتشكيل الحكومة، كالعادة، من الصفقات المتداخلة، والتوافقات، والانتهاكات الدستورية كذلك. ومن خلالها تكرس عجز الكتل السياسية عن تقديم أنموذج يختلف عن ذاك الذي حكم العراق خلال سنوات ما بعد 2003. وثبت للعراقيين ان الخطابات المتعلقة بالإصلاح والتغيير، ما هي سوى خطابات دعائية من اجل التغطية على صراع الهيمنة والنفوذ القائم، فضلا عن الشخصنة؛ صراع يتحكم بقواعد اللعبة السياسية في العراق ويتمظهر مع كل مناسبة!

والمثال الاوضح اليوم هو نجاح الاتفاق السياسي الذي أنجزه تحالف البناء مع الحزب الديمقراطي الكردستاني في تمرير رئيس مجلس النواب ونائبه الثاني، وهو الاتفاق الذي كان يجب الالتزام به في انتخاب مرشح الحزب الديمقراطي، الدكتور فؤاد حسين، لمنصب رئيس الجمهورية. لكن فوز منافسه، مرشح حزب الاتحاد الوطني الدكتور برهم صالح، أوضح بجلاء أن ثمة صفقات جانبية قد أفشلت هذا الاتفاق، وان ثمة أطرافا سياسية ضمن تحالف البناء لم تلتزم بالاتفاق السياسي، عبر تصويت اعضاء فيها بخلاف ما اتفق عليه، حيث لم يحصل الدكتور فؤاد حسين سوى على 89 صوتا، في حين كان يفترض أن يصل على الأقل إلى حاجز الـ 181 صوتا (154 مقعدا تحالف البناء مضافا إلى 27 مقاعد الحزب الديمقراطي). وهو ما يعني أن 92 نائبا ضمن تحالف الفتح لم يصوت للمرشح «المتفق عليه»!

في المقابل كانت ثمة صفقة جانبية أخرى أنتجت تكليف السيد عادل عبد المهدي بتشكيل الحكومة. فقد سبق عقد الجلسة الاولى لمجلس النواب في 3 سبتمبر/ أيلول 2018، والتي قدم فيها تحالفا الفتح والإصلاح قائمتين يزعم كل منهما انها تجعله الكتلة الأكثر عددا، من خلال اعتماد قائمة تحالف الفتح على توقيعات أعضاء مجلس النواب المنضوين اليه، في مقابل اعتماد قائمة تحالف الإصلاح على توقيعات رؤساء القوائم الانتخابية حصرا. سبق هذه الجلسة صراع طويل لكن التحالفين (الفتح وسائرون) اللذين يشكلان الكتلة الأكبر في تحالفي البناء والإصلاح، توصلا إلى اتفاق جانبي، بعيدا عن الكتل المتحالفة معهم، على تحييد مسألة الكتلة الأكثر عددا. وكانت الثمرة الاولى لهذا الاتفاق الجانبي انتخاب مرشح سائرون لمنصب النائب الاول لرئيس مجلس النواب!

وبعد انتخاب رئيس الجمهورية مباشرة، تم تكليف السيد عادل عبد المهدي لتشكيل الحكومة، بوصفة مرشح الكتلة الأكثر عددا، ولكن كتاب التكليف لم يشر مطلقا إلى اسم هذه الكتلة المفترضة! وقد تواطأ الجميع على قبول هذا الانتهاك الدستوري لإدراكهم بأن الرجل هو مرشح توافقي بين الفتح وسائرون، وبالتالي بين تحالفي البناء والإصلاح، وانه ليس مرشح كتلة بعينها! فالجميع يعلم أننا لسنا بإزاء صراع سياسي بين طرفين سياسيين، بل صراع أكثر تعقيدا بين قوى سياسية لديها أجنحة مسلحة «مشرعنة» بقانون، أو أجنحة مسلحة «غير مشرعنة» تغض الدولة النظر عنها!

إقليميا ودوليا، بدا واضحا ان الوقائع على الأرض في العراق لا علاقة لها بالتجريدات الامريكية، والنماذج الافتراضية التي يخططها مبعوث الرئيس الأمريكي بريت ماكغورك! فالصفقة الجانبية التي أنتجت المكلف بتشكيل الحكومة تثبت ما قلناه سابقا وهو اضطرار الولايات المتحدة وإيران، بوصفهما الفاعلين الرئيسيين في العراق، إلى قبول ما تفرضه الوقائع على الأرض بعيدا عن الافتراضات الامريكية الساذجة، أو الأجندات العقائدية الايرانية! ومن ثم يبدو من الغباء بقاء الحديث عن صراع أمريكي ايراني في العراق، او تصنيف الفاعلين السياسيين حسب الولاء لأمريكا او إيران.

والحديث عن برامج ومشاريع ورؤى سياسية مختلفة يحتاج ايضا الى اعادة نظر!

هذه الصفقات المتداخلة، والتواطؤات، فضلا عن استمرار مسلسل الانتهاكات الدستورية (من الجلسة غير المرفوعة وغير المفتوحة إلى مرشح الكتلة الأكثر عددا الافتراضية)، لا يمكن النظر اليها إلا على أنها مقدمة لتكرار القواعد التي حكمت تشكيل الحكومات العراقية المتتالية بعد العام 2003، وان تسويق شعارات مثل الفضاء الوطني والتي اعتمدها الجميع قبل الانتخابات وبعدها ليست سوى أمنيات لا علاقة لها بالوقائع الحاكمة على الأرض. ففي النهاية سنكون أمام حكومة تضم الجميع تقريبا، وسنكون أمام الآليات نفسها التي حكمت تسمية وزراء الحكومات السابقة، وسنكون أمام التوزيع القومي والمذهبي والأقلياتي الذي وسم الحكومات السابقة، وسنكون أمام ندرة التمثيل النسوي في الحكومة بعيدا عن نسبة الـ 25٪ التي أٌقرها الدستور العراقي للكوتا النسوية داخل مجلس النواب (الكوتا النسوية كانت مطلبا أمريكيا)! وسنكون أمام وزراء تفرضهم الأحزاب والتحالفات المهيمنة في مجلس النواب بعيدا عن أي معايير مهنية! وهو ما سيفرض على هذه الاحزاب والتحالفات التعامل بعصبوية ما قبل دولتية مع هؤلاء الوزراء تحيد قدرة مجلس النواب على الرقابة والمحاسبة! ولا يمكن لوصفة كهذه أن تنتج إصلاحا حقيقيا بأي شكل من الأشكال! ففي النهاية، ومهما كانت المواصفات الشخصية والعلمية والمهنية للمكلف بتشكيل الحكومة، إلا أن ثمة بنى، وعلاقات قوى، ووقائع حاكمة، لا يمكن تغييرها بالنوايا والشعارات ومن دون ارادة جماعية لذلك ومؤشرات ملموسة من اجل تحقيق هذا التغيير
   

أضف تعليق

(( مَا يَلْفِظُ مِنْ قَوْلٍ إِلَّا لَدَيْهِ رَقِيبٌ عَتِيدٌ)) ‏


كود امني
تحديث