العاشق برفروك في عصر الإنستغرام - صبحي حديدي

المتواجدون الأن

54 زائر، ولايوجد أعضاء داخل الموقع

القنوات

   

Flag Counter

primi sui motori con e-max.it

العاشق برفروك في عصر الإنستغرام - صبحي حديدي

بعد مئة عام ونيف على نشرها، ما تزال قصيدة «أغنية حبّ ج. ألفرد برفروك»، للشاعر الأمريكي ــ البريطاني ت. س. إليوت (1888 ــ 1965) تُلقي بظلال كثيفة على شخصية الإنسان المعاصر، المغترب أو التائه أو الرجيم أو الكسير، العالق في شبكة من المآزق والمعضلات. ولا تجري هذه الإسقاطات في سياق مطالع آلة القرن العشرين الطاحنة وحدها، وقد أعادت إنتاج ذاتها في القرن الراهن، فحسب؛ بل كذلك في إسار مواضعات شتى وليدة أو متجددة، تقذف بها الآلات ذاتها، والتكنولوجيات، التي قيل إنها تتولى التواصل الاجتماعي بين البشر.
أوغست مييرات نشر مؤخراً مقالة في مجلة «المحافظ الجديد» الأمريكية، بعنوان «جيل من البرفروكات»، ساجل فيها بأنّ قصيدة إليوت الشهيرة استبطنت جيلاً كاملاً معاصراً تتطابق صفاته مع شخصية برفروك، وأنّ الشاعر قد تنبأ بهذا النوع من البشر، وتلك الصيغة من علاقات العشق الشرعي (الزواج) وغير الشرعي (الغراميات والتهتك الجنسي)، والتواصل الإنساني الافتراضي عبر فيسبوك وتويتر وإنستغرام وسواها. ولأنّ أطروحة مييرات محافظة في الجوهر، إذْ تدعو إلى قدوة مناقضة لأمثولة برفروك، فإنّ اتكاءه على هذه القصيدة يستلهم إليوت المحافظ والمتدين، صاحب المواقف الرجعية المعلنة. وعلى نحو ما، ورغم أنّ برفروك كان شخصية شعرية محضة، وإذا ذكّرت بنظير فإنّ هاملت شكسبير هو مرشح التذكير الأبرز؛ فإنّ مييرات يرى في القصيدة وثيقة صالحة لمناهضة الانحدار الأخلاقي الراهن، على عكس ما توخى الشاعر منها في واقع الأمر، وطبقاً لغالبية القراءات النقدية.
ولا يخلو هذا من وجهة نظر سليمة الأركان، إذا استرجع المرء تصريح إليوت الشهير بأنه ملكي في السياسة وأنغلو ــ كاثوليكي في الدين وكلاسيكي في الأدب. ستيفن سبندر، في كتابه الممتاز «ت. س. إليوت»، الذي قد يكون العمل الأفضل عن الشاعر حتى اليوم، يرى أنّ جملة الآراء السياسية المبثوثة هنا وهناك في قصائد ومسرحيات ومقالات إليوت تظلّ من حيث الجوهر صادرة عن رجل يؤمن بضرورة انبثاق النشاط السياسي من المبادئ المجردة، وضرورة ارتكاز الأصول على الدوغما، وارتكاز الدوغما على السلطة الماورائية، وهذه الأخيرة لا تضمنها سوى مؤسسات الكنيسة والدولة الملكية (الموناركية). ولهذا فإنّ إليوت رجعي بالمعنى الحصري للكلمة، في قناعة سبندر وآخرين كثر، إذْ جاهر بعدائه للأفكار الليبرالية، واعتبرها حالة انحطاط لرومانتيكية دفينة عند الإنسان المتوهّم في نفسه الكمال والقدرة على تغيير الثابت؛ كما عارض فلسفة التقدم الاجتماعي التي تنخر البنيان الكلاسيكي الصلب الناجز، وعند هذه النقطة تغنّى بأوروبا العصور الوسطى، وما شهدته من وحدة في الإيمان، ومن توافق في القيم الاجتماعية.
ومع ذلك، ومنذ أن سطع نجمه في سماء الأدب الحداثي، تتابع أجيال الدارسين المتضادات الصارخة التي تصالحت عند إليوت: النزعة التقليدية المتشككة، الكلاسيكية الرومانتيكية، التحرّر من الذات بصورة مفرطة في ذاتيتها، دهشة المحافظ الناظر إلى نفسه في مرآة سديمية، المنقلب في غبشها إلى مَلَكي أنغلو ـ كاثولكي. وفي ثنايا ذلك كله كانت ترتسم صورة الرجل الذي أثار المجابهة الأهمّ في زمانه بين الشخصية الروحية السلبية للعالم المعاصر والشخصية الروحية الإيجابية للموروث، وتعايش عنده الماضي والحاضر في تركيب متوازن من الرموز المتصارعة. وما اقترابه من حدود الفاشية، دون الولوج إلى ظلامها للإنصاف، سوى مظهر آخر من مفارقة مركزية ظلّت تحكم مسار رجل كسر القالب الرومانتيكي للشعر في نقطة الذروة من صلابته ورسوخه، ليرسي دعائم «حداثة كلاسيكية» متينة؛ لم تفلح، مع ذلك، في الفرار من الشبح الرومانتيكي، على قياس هاملت مثلاً، ولم تنجح في تفادي ضغوطات روح العصر.
والحقّ أن آراء إليوت السياسية كانت تشبه، في عناصر كثيرة، تلك المواقف التي دفعت بعض معاصريه، وأبرزهم مجايله وصديقه الشاعر إزرا باوند، ليس إلى المسيحية، بل إلى الفاشية. وأمّا أنه لم ينخرط مباشرة في النشاط الفاشي، فذلك عائد بدرجة كبيرة إلى مزاجه المسيحي الذي يتفوّق على مزاج الميل إلى العقيدة الدنيوية؛ وكذلك إلى عزوفه بصورة عامة عن الانضمام إلى أي حزب سياسي، ويؤمن أنّ الأفكار السياسية تندثر حالما تتحوّل إلى وقائع. ذلك لا يطمس تأثره بأفكار الفرنسي شارل موراس، الذي كان أقوى سند فكري لحكومة بيتان خلال الاحتلال الألماني لفرنسا، واعتُقل سنة 1944، وفُصل من الأكاديمية الفرنسية، وحُكم عليه بالسجن المؤبد.
وعند افتتاح القرن الجديد الراهن، اختارت أسبوعية «تايم» الأمريكية أنّ يكون إليوت شاعر القرن العشرين، لأنه رجّح كفة الشعر في زمن أخذ يميل بقوّة إلى ترجيح الرواية، وكانت قصيدته «الأرض اليباب» بمثابة نهضة حيوية وعمر جديد فتيّ كُتب للشعر، كما عبّرت الناقدة الأمريكية هيلين فندلر في تسويغ اختيار المجلة. لكنّ فندلر، على شاكلة محرّري «تايم»، تجاهلت سلسلة السقطات التي تحفر هوّة عميقة أخلاقية وفكرية وفلسفية وسياسية بين إليوت حامل القِيَم، وإليوت الثاني حامل القصيدة الحداثية. وهذا ما تتجاهله مقالة مييرات اليوم، في بحثها المحموم عن جذور رجعية لقصيدة كانت حداثية تماماً في زمنها، وباتت اليوم قرينة انحلال العاشق المعاصر، ابن أزمنة الإنستغرام!

 

أضف تعليق

(( مَا يَلْفِظُ مِنْ قَوْلٍ إِلَّا لَدَيْهِ رَقِيبٌ عَتِيدٌ)) ‏


كود امني
تحديث