نواميس الجدلان، من ناموس العرفان الإلهي حتى ناموس شنعار، فلسفة د نوري المرادي

المتواجدون الأن

147 زائر، ولايوجد أعضاء داخل الموقع

القنوات

   

Flag Counter

primi sui motori con e-max.it

نواميس الجدلان، من ناموس العرفان الإلهي حتى ناموس شنعار، فلسفة د نوري المرادي

 

                    نواميس الجدلان

 

هي تعاريف مباني السرمد وفلسفة عرفان الله والنفس وأطر وضعية لمناحي الحياة.

وهي 60 ناموسا بنيت على الغوث في الجملة المتكونة من مجموع حروف روي الجدلان.

وكل ناموس قائم بذاته،

وهي ما كنت أريد قوله ونقله إلى فتيان شنعار الميامين.

 

 

 

1 - الناموس الأول: – العرفان

 

كل ما فيها وعليها تتبصره بثلاثة أسئلة فقط هي: من أين أتى؟ كيف يعمل؟ إلى أين هو ذاهب؟ فإن أجبتها ظهرت أمامك هذه الأسئلة مجددا في كل جواب وفي جواب الجواب وبمتوالية تأخذك شتى المسارب ثم تعود وتضيق بك لتضعك أمام البدء فتراه مجردا ظاهرا ملموسا تواقا إليك أكثر منك إليه، راض عنك أكثر منك عنه. وستدرك إن كنت بخسته أم أوفيت. وأشمل الأجوبة وأصدقها من الشاك الحليم العالم الثابت الجنان. وهذه فيك ومن ضمن حولك. لا تخف سؤالا وجادل ما تحسبه الرب ذاته ندا لند فلا خير في رب يخاف الجدل، ولا وجود لرب ينفيه العقل. فاقتطع من وقتك، إن شئت، وارحل عبر هذه الأسئلة إليه. تساءل أولا عن ماهية البدء ومن صيّره. لا تتسرع الحكم. قد تصل إلى بدء تحسبه الله ثم تجد الأسئلة اجتازته بك إلى ما بعده. فلا تيئس، فواصل اجتياز البدء الذي يليه وما بعده كلما رأيت الاجتياز لا زال حقا وواجبا. لأن الذي يعيى عنده وعيك وترتد إليك الأسئلة حائرة كلما خرجت عنك، والذي يتحول الشك به إلى يقين، والذي كلما أشركته تعود وتراه واحدا، هو البدء الحقيقي، وهو البارئ لذاته وما خلق، وهو الله الصمد الأحد رب الأكوان والعصور وسيدها الأعلى ومن بيده القرار وكلمة التكوين والإفناء. فقف أمامه خاشعا لا خائفا، رفيقا لا عبدا، حامدا لا متسولا، عابدا لا خادما، محبا لا متملقا، شامخا لا ذليلا. فهذه أحب إليه منك. لأنه أعقلك وزكـّــاك وشرّفك وأطلق يدك على الأسرار، وحرم نفسه متعاليا مقتدرا، عما منحك إياه - اللذة والخدن والبنين وأطايب العيش. وأن تنخاه مدروكا وتناجيه تائقا وتتغنى به عاشقا. وهو الذي أرادك صنوه وصورته، لتعرف قدره وشؤونه، وهو الذي حكّمك على ما دونك لتعرف معنى الربوبية وثقلها. لك أن تتصومع وتبقى العمر تتفكر به وتفلسف، لكن أن تسعى أيضا لقوت يومك. فلا ثوب مع التكلان. وإن قدسته على هذه عازف عما ترجوه منه، فممكن، شرط أن تسعى، وأن تجعل علاقتك معه معيار تعاملك مع الغير. وهو سبحانه رغم سطوته وجبروته التي تحتوى السرامد كلها وتسيرها وفي يده قرار طيها، فهو ليس بعبعا ولا حارسا ولا حتى مبعث قهر تنشد الجيرة منه والاطمئنان من خوفه عند غيره. لذاه وهبك حرية الفكر والتنظيم وسبيل السعي. تدين بدين أهلك أو الأرض التي أنت عليها تعيش. هذا شيء وعلاقتك به شيء. وإن شئت تدين وإن شئت تورّع لكن لا تنس موقعك ولا سعيك.

 

 

2 - الناموس الثاني: الإيمان

 

هو أقصى درجات الاعتناق. وللأيمان خمس مراحل متكاملة أولها الثقة، وهي برهان الواثق من المعايشة والأدلة على نزاهة الموثوق به واستقامته وسطوته وقدرته. ومن لا تثق به لن تؤمن به لأنك ستتوقف عند هذه المرحلة في التعامل معه. الثانية التصديق، وهو القناعة بأن ما يقوله الموثوق به ناجع ومنطلق من وقائع عينية لا تقبل الدحض أو هي سوف لن تقبل الدحض لوضوح براهينها ومنطقية دلالاتها. الثالثة الاطمئنان، وهو خشوع اليقين لكون صاحب الفكرة أهلا لأن يطبق ما يقول ويستأهل البذل معه أو لأجله. ولو عجز الموثوق عن الدفاع حين يقول أو ينقل صار عرافا يخطئ ويصيب. الرابعة التقمص، وهو التطبع بما اقتنعته والتصرف بموجبه وكأنه جبلة فيك. وما لم يحدث هذا بقي ما قبله ضمن الاستحسان وحسب. الخامسة الاخلاص. وهو تنفيذ ما توجبه عليك الفكرة بأقصى الاستطاعة. والإخلاص هو أسهل المستطاع عند البشر، وهو الأحب لله منهم. وله ثلاث درجات كل منها يمثل إخلاصا إليه سبحانه. وأولها الإخلاص للذات. فالحليم العرفاني العالم الصادق يخلص لما اقتنعه ويعمل به ولا يمتنع عن العمل به إلا لدرء مهلكة. والدرجة الثانية الإخلاص للعدو، بأن تنصحه وتبين له الدرب الصحيح ثم تحذره من رد فعلك أو فعل غيرك، عساه يثوب فتحقن دما وتدرأ شرور بلا خسائر. والأخيرة الإخلاص للمجتمع عامته وخاصته، إن بالنصح والإرشاد والمودة في القربى والأبعدين، أو بإتمام ما يوكل إليه منهم بما تستطيع. والإيمان عموما مرهون بالبراهين المرهونة هي الأخرى بالتطور. وقد آمن سابقون بما ننكره اليوم بعد اتضاح حقيقته. لذا فالإيمان ثابت الشكل متغير المضمون، يرتكس بأسباب ويقوى بأسباب. وهو من معنى الوجود. فمراحله جميعها ضمن السعي لاكتشاف المحيط ومحاولة تغييره. فإن أحسنته، حسن ما كسبت ونقلته إلى التالين فتفضلت وفضلت عليهم، وإن أسئت ساء ما اكتسبت ونقلته إلى التالين فحقرت وحقرتهم. والإيمان من مكونات العرفان لكنه أعم وأقل اشتراطا. فهو أيضا ينطلق من الأسئلة الكونية الثلاثة، لكن قد يتوقف عند درجة دنيا كالإيمان بغير الله، أو بفكرة تنقض الوجود، أو بقدرة حيوان أو طوطم وما إليه. على أن الإيمان مرتبط مع النفس البشرية ولا يمكنها الفكاك عنه، بينما تستطيع النفس العيش بلا عرفان، أو بدون الوصول إلى درجاته العليا التي تجعل السائل يتماهى كليا مع الذات العليا.

 

 

3 – الناموس الثالث: السرمد

 

السرمد هو الكون بزمكانه ومعناه وأدواره وتخاليقه. والسرامد تتوالد، وليدها يأخذ من أبيه ويمنحه بعد التلاقح والتجربة خلال وجوده إلى تاليه. ولا ندري أي سرمد في الدور هذا الذي نعيش، إنما الحدس يفترضه الرابع الأخير من نمطه، ما قبل كمون كبير يسبق تخليقا جديدا فيه شيء من هذا النمط وفيه تجديد من نمط بعيد عن وعينا كنهه. وفي السرمد يوجد المحسوس والملموس وما قد نتعرف عليه بعد تطور بعيد، وما قد نراه حلما وما قد يبقى علينا غيبا محالا. وأحداث السرمد ومحتوياته موجودة فيه مرة لا معنى لماض فيها ومستقبل، كأنها محتوى قدر لعين طباخ. أو كسيل ماء على خط عين ناظر، ما مر صار ماضيا وما بقي هو المستقبل. وكل حدث مضى يمكن رؤيته من جديد. وكل سرمد محكوم بواعز يسيره. وما يبدو يسير من ذاته ليس كذلك، وما يبدو حرا ليس كذلك. ويولد السرمد من سابق له يحمل صفاته بإضافات، ويعيش صباه ثم أوج فعله ثم يكهل لينهار على ذاته ويموت. وكل مرحلة بصيحة. فبينما كل شيء فيه مستمر ساكن على ما هو فيه، وبزيادة التضاد والتطور، تحدث القفزة، وهي رعشة تعمه فيتسارع كل شيء فيه إلى مركزه سالكا الطريق ذاتها التي تشارد عليها بعد الولادة، وبجذب قوي لتتلاطم المحتويات ثم تتصادم وينهار على بعضه البعض عزوما وأزمانا ومكونات ثم تعود لتتضاغط، وتواصل حتى يغدو السرمد الواحد بحجم أصغر شيء كان فيه. ثم يحدث الانهيار الأكبر حين يرتطم هذا المنهار بمنهار قرين فتتلاقح المحتويات، ليكمن فترة، ثم بنبضة صيحة مجعولة لا ندري كنهها وإن نعلم أن الله صاحبها وواعزها وضمن توقيته هو، تنهضه لتتشارد المحتويات بعضها عن بعض بفوبيا شديدة. والتشارد يسلك الطريق ذاته والتسارع الذي سحبه إلى المركز. ولا ندري إن كان الوعز مرة فصار الأمر إلى آلية مقنونة تخضع لأسباب، أو إنه يحدث مع كل موت وكل انبعاث. الثابت أنه فعل بموته وحياته وتغيراته، مُستَمـَد، لولا الإمداد ما استمر. وما الماد سوى الله وعبر آلية يستحيل فهمها، مع سماحه لنا بالفهم. فهي مترابطة سريعة متراكبة عنقودية الفعل والنتائج بعضها حث والآخر قفزة والثالث فعل مباشر. وكل حركة معنونة متخصصة ملهمة السير هي كالطفل لا تولد نفسها ولكن تولد التي بعدها. وكل وجه فيه لا يصنع نفسه ولكن يصنع لاحقه، وكل هذا بكم وحجم وتسارع لا يستوعبه عقل. وما يعسر فهم جزئه يعسر فهمه كله.

وعناصر السرمد هي: الطاقة ( kgm2s-2) والزمن (s) وحجم كتلة الكون ( m3kg-1) ومقلوب ثابت أينشتاين 1 -( m2s-2 )

 ومعادلة نشأة الكون والسرمد بنظام  mkgs هي:

السرمد = الطاقة X الزمن X حجم الكتلة / ثابت إينشاتين

 

sm3 = kgm2s-2 . s . m3kg-1 . (m2s-2)-1 

 

 

 

4 - الناموس الرابع: القرين

 

لكل شيء موجة قرين صغيرة دائمة الرنين والتلوي والتقلب مشفرة بكمات واهتزازات ترددية، هي بلا كتلة وصغيرة لا تلمسها الحواس البشرية، إنما قد تتخيلها. وهي مخزن المعلومات ومستوعبه وكاشفه وناقله إلى ما بعده. فيها قرار الشيء وشكله ومضمونه وخصائصه ومنهج عمله على شكل جينات ليس بالمقدور معرفة كنهها أو كيف تعمل، مع أن هذا مباح من الخالق. منها تسري إليه المعلومات ليتصرف حسبها، ومنه إليها لتنطبع فيها وتحفظ. وللسرمد موجة قرين ولكل جزء فيه موجته القرين. هي نظيره الاحتياط. والموجة تبادل السرمد أو جزئيته الإحلال. وقد يجس المجس الشيء فلا تظهر له موجته، وقد يجس الموجة فيعمى عن الشيء. ولا يرى الشيء، كلا أو جزءا، وموجته معا إلا الخالق سبحانه. والحال معكوسة في عالم الموجات. فحيث موجة السرمد الواحد تحتوي معلومات عن كل ما فيه من الأجزاء، فهي تتضاغط وتتكاثف بسبب الجذب الكمي للشفرات لتكون الأصغر على الإطلاق، لكن استيعابها المعلوماتي الشفراتي هو الأكبر على الإطلاق. أما موجة أصغر جزء من السرمد الواحد فهي الأكبر فيه، لأنها تحتوي كما قليلا من المعلومات فلا تتضاغط أو تتكاثف لذاها تبقى منفوشة كبيرة. وعليه فموجة السرمد أصغر من موجة أي من محتوياته الكبرى، وموجات هذه أصغر من موجات التي تليها حجما وهكذا. وهذا من محاسن الخلق وعجيبه، ومبعثه الاختصار. وهي تغنى من التجربة التي عاشها الشيء خلال وجوده العيني. وهي جيناته التي تعيده كالسابق أو تلده من الأصل مع التغاير الذي حتمه وجوده وسعيه في السابق. وكل هذا بميزان دقيق لا يقبل الخطأ ومن واعز واحد هو الله سبحانه. وموجة السرمد الواحد تنقل المعلومات إلى السرمد الذي يليه. وكل موجة تكشف عن نفسها لموجة أخرى، وقد تبادلها المعلومات. وإذ يفنى الشيء لا تفنى موجته في السرمد الواحد ولا تفنى موجات السرامد مطلقا وقد تستنسخ ذاتها حتى حد يكون الاستنساخ قد فاق طاقة الاستيعاب، فتنهار وتتفانى، ليفنى معها السرمد جملة ويطوى. والتناسخ بوازع من الخالق والتفاني كذلك. ولا ندري إن كانت الموجة الأولى قد خلقت مع الشيء الأول أم تكونت عنه بالبداء، ولا ندري أيضا كيف تستنسخ وكيف يوعز لها بأن تقترن بالشيء ومتى لتخبره بمنهج عمله الكبير والصغير ومستقبله وما يخصه من ثوابت الهيأة والسلوك والميول وما إليه. وهذا يتم بمضاعفات سرعة الضوء.

 

 

5 - الناموس الخامس: الدوّامة

 

كل سرمد يدور حول شيء، وهو والشيء يدوران حول آخر، وهذان يدوران حول ثالث وهكذا، حتى شيء هو مركز الدوران الأعظم لكل السرامد. وربما مركز الدوران هو الله سبحانه، وربما الله خارج المركز وخارج السرامد وهو الأصح ليشرف وينظم. وواعز الدوران مجهول الكنه والكيف معلوم المصدر ومحسوب النتيجة في يعضه. والوعز من الله سبحانه. والدوامة دوران والدوران فور والفور ولادة واستمرارية ونشاط واستشراق وانبعاث ودمار وطي. وكل سرمد يدور أولا على شكل كرة تفور من ذاتها ككتلة اللهب في السماء، ثم قرص مكور ثم بيضة ما تلبث أن تتذارع. فيصبح لها أولا ذراعان ثم ثلاثة ثم أربعة إلى السبعة. ووكل دوامة إن كبرت لا تمتلك ثمانية أذرع بل تتفرق. وكل ذراع يسير مرتبطا بمركزه مائل عليه يتبعه ويتلوه متخلفا عنه قليلا. ولا حياة بما لا يدور ولا نشوة ولا تكوين. وفي الدوامة الفرد كرة كانت أم قرصا أم بيضة تكون الحالة قلقة تحت جهد كبير ما بين سرعة الدوران وقوة الجذب. ومنها يحدث انتشار وإليها يعود المنتشر. فهي تكون قبل الانتشار وتكون بعده أيضا. ويكون الجهد أقل في الدوامة ذات الذراعين لتناقص الدوران لكن مع زيادة الطرد وقلة الجذب. وهكذا حتى يكون التوازن الأمثل بين الجذب والطرد والدوران في الدوامة رباعية الأذرع. وما بعدها في الخماسية يتزايد الطرد ويزداد الارتخاء، ليكون أقله في الدوامة سباعية الأذرع التي سرعانما تنهار وتتشارد مكوناتها كل إلى حال سبيله. وكلما زاد الجهد في الدوامة تكاثفت الأحداث فيها وصغرت الحجوم والمعايير، لكن اشتدت تأثيرا وتوترا. ومن الدوامات المدمج فتكون لها أذرع من أربعة إلى أربعة عشر لا تكون إلا بأرقام مزدوجة. ومن الدومات ما يتكون من ثلاث مدمجة فتكون أذرعتها من ستة إلى تسعة، حتى الثمانية والعشرين، بفارق أحدها عن الأخرى بثلاثة أذرع. ويأخذ الزمن والأحداث المنحى ذاته تحت الجهد والطرد والجذب. فيكون الزمن الأطول في ذات الثمانية والعشرين ذراعا. والمكان في الدوامة مستوعب الشيء المتحرك وموقعه مع الجوار. والزمان هو مستوعب الشيء من الأحداث السارية، وموقعها لغيرها. فكلا الزمان والمكان غير ثابتين. ومجموعهما هو الزمكان. وكلاهما في مركز الدوامة أقل مستوعبا مما في الأطراف نتيجة الانضغاط. ويكون الزمن أبطأه بين أذرع الدوامات عند الأطراف. ولا زمن لما لا يدور، ولكن لا يوجد ما لا يدور في السرمد أو بين السرامد.

 

 

6 - الناموس السادس: الحالات

 

أوجه تواجد السرمد. وهي ثلاث حالات فقط: كتلة أو طاقة أو هيولي. ولا شكل غيرها وأجملتها في المعادلة:

الطاقة = الكتلة × الهيولي. أو : (e (e volt) = m (kg) x p (e volt kg-1) . وهي معادلة قرينة لمعادلة النسبية. وكل ما في السرامد وخصوصا هذا الذي نحن ضمنه لا يتواجد بغير هذه الحالات الثلاث. وكل حالة من هذه الثلاثة لها ثلاثة جواهر لا تكون بغيرها مطلقا. فالطاقة كمات على شكل جذب وحث وكهروطيس وتتواجد كلها مجتمعة مع بعضها البعض، لكل منها حدود التردد والرنين ولكل منها كميته التي تحتمها ظروف المحيط. وهي تتحول فيما بينها وتتنافس لكن ليس بمقدور أي منها إلغاء الآخر مطلقا. وكل شكل منها مقاوم للفناء يبقى ولو بأصغر ما يكونه، ليعود بزوال الظرف إلى نسبته الطبيعية. فلا طاقة كلها جذب ولا طاقة كلها حث أو كهروطيس. وكلما قلت نسبة شكل من هذه الثلاثة عن حدها الطبيعي وهو الثلث، صار تحت جهد عال فيقوى مفعوله نسبة إلى صاحبيه، ويبقى يصارع حتى يعود إلى حجمه المعلوم الذي يحدده المحيط. وعند التوافق في النسب يكون الارتخاء والذي يكون فيه الجهد الأقل. والكتلة صلب وسائل وغاز، لكل منها خصائصه وحدوده، تتنافس مع بعضها البعض وتتحول فيما بينها لكن لا يلغي أحدها الآخر مطلقا، بسبب مقاومة الفناء. وخير النسب الثلث لكل منها، ومن زادت نسبته أو قلت، نقص جهده أو زاد، حتى يتوازن. وما يبدو أنه استحال سائلا، لابد من صلب فيه هو الشبكية الجزيئية أو البلورة. وما استحال كله غازا، ففيه الصلب والسائل، وما استحال كله صلبا يحتوي الغاز والسائل. والهيولي وهو البلازما، أما لهب أو أثير أو غبار الكون المشحون. كل واحد منها يتحول إلى الآخر تحت ظرف لكن ليس كليا بسبب مقاومة الفناء. فاللهب يتحول إلى أثير أو غبار جزيئات كونية مشحونة، ومثله الغبار إلى أثير أو لهب، والأثير إلى لهب أو غبار، لكن ليس قطعيا بسبب مقاومة الفناء. ومقاومة الفناء نسبية ضمن السرمد الواحد. والأصل أن يجري التحول على النمط: طاقة – هيولي – كتله – طاقة – هيولي،، وهكذا. لكن هذا ليس شرطا. فقد تتحول كمات الجذب إلى سائل أو غاز أو صلب، وقد تتحول إلى أثير أو لهب أو غبار. وهذا لكل مكون من الثواليث أعلاه، حيث يعبر حدود جوهره لينتقل مباشرة إلى ما يليه ضمن المعادلة. ولكل حالة ولكل جوهر فيها خصال وحثوث وعلامات بيّنة.

 

 

 

7 - الناموس السابع: التناظر

 

السرمد متناظر الكل والأجزاء ينتشر على شكل قوس تعيى أفكارنا على إدراك مسافاته. ولكل شيء فيه نظير أما مـَثـّل أو صورة عكس. ومثل الشيء طبقه أما ينتشر معه في المحيط أو يلازمه فينطبق عليه تماما. وصورة الشيء طبقه أما تنتشر في المحيط أو تنطبق عليه كانطباق اليمين على اليسار. وتتناظر المضامين كمضمون السماء والماء ومضمون الذرة والمجرة والكوكب والنواة، والإعصار والثقب الأسود، وهكذا. وللملموس والمحسوس نظير مثل وصورة عكس، قد لا نستطيع التعرف عليه. والسرمد في المرقب له قسمان دونين وعلـّين. ودونين هو موضع التخليق والأحياء وأشراطها وفيها السعي والتجدد العضوي واكتساب المعرفة والطباع والموروث. ومكانها على الأرض وأشباهها وكل ما يحيطها وبه ظروف تناسب الحياة التي نعلم. ولا تسمح معايير دونين برؤيا الله عيانا، إنما طيفا ودلالة لذاها أكثر ما تكون تخاف الله لجهلها شكله أولا ولأنها محاطة بالمجاهيل ثانيا، ولأن حولها محدود ثالثا. وهي مرحلة أولى من التخليق العضوي. والقسم الثاني هو علـّين وهي تشرف على دونين، وهي موطن الخلود للتكوين الواحد وفيها الفردوس وفيها تسبح النفوس المغادرة؛ ومعاييرها تسمح لأن يُرى الله عيانا. وموقعها مجهول مكانا معلوم زمنا، لأنها أسبق طورا وأرقى تكوينا. لهذا يصلها الذي يرقى في حياة دونين ويخترق عالم الحجب بينهما الذي شكله الظاهر الموت العضوي. وليس في علّين سعي ولا تجدد ولا تراكم معرفة، لأنها دار قرار وسكون. وكل من أتاها بقي على ما عنده لم يزد معرفة ولا ينقص، حتى تحين نهاية التخليق الصغير في السرمد الواحد فيذهب مع غيره. وكل تخليق يموت على عتبة التجدد. ويتجدد التخليق بناءا على ما في موجات التخليق السابق من شفرات أصلية ومضافة خلال السعي. ويحتوي التخليق الصغير – العضوي من سابقه الكثير ومضافا إليه ما استحسنه الله من الفناء السابق وما أبداه لذاته، وما كدحته واستنتجته أحياؤه، ومنه شرط لاحقه بعد فنائه. ونحن الآن في دونين، ولا أمل لنا بالارتقاء إلى علين بلا شوء من الله، ولكن أيضا بعد اختراق حاجز الموت. وشوء الله مجهول ولا معايير عندنا لإدراكه. فلا غضاضة إن لم نرتق إلى علين. فالمتاح من السعادة في دونين هو كوثر أقيانوس لا تستنفذ الأحياء جزءه الأصغر ولو غرفته غرفا. وللحي في التخليق الصغير الواحد مسار واحد لا عودة فيه ولا تراجع ولا توقف.

 

 

8 - الناموس الثامن: الأقانيم

 

للجعل في دونين أقانيم تجسد سر الخلق والخالق. وهي سبعة: المادية، القرائنية، الإخصاب، السرمدية، الديمومة، الطاقة، الإفناء. ويظهر كل منها بأشكال. فالمادة بأشكالها الثلاثة وما تحويه من خصائص لابد وصنعها صانع عينا أو أمرا حثا أو عملا بيد. وحيث لكل مادة شكل يؤهل إلى مضمون ووظيفة تسبقها وتلحقها مشروطية محددة، فلابد والصانع ذات واعية حسبت الأمر مقدما فنظمت السبب لينتج الصنع المسبق التصميم. والشيء قد يصنع جزءه لكن لا يصنع نفسه ولا نظيره المثل أو عكس أو النقيض مثلما لا يصنع موجته القرين. ولابد وأن يدا ما صنعت الشيء ونظيره وموجته القرين معا. والتلاقح والإخصاب ضرورة كل حي، وكل جماد أيضا. ومحال أن يعرف الشيء لذة الإخصاب أو ضرورته ولا يستدل من ذاته إلى مخصبه دون وازع أو جعل وضعه فيه من هو أرقى منه صنعة وقدرة، ولابد وخطط مسبقا ليكون هذا العمل وهيأ له كل الأسباب والشروط. والشيء يقصر مطلقا عن إيجاد نفسه، وعن تحديد عمره ووجوده مكانا وزمانا. وقد يستطيع التأثير على عمره ومكانه ولكن بشكل محدود. فلابد من مسيطر صاحب قرار على الزمان والمكان يقرر إن يكون هذا الشيء بعينه متى وكيف وليشغل أي حيز، سيان إن كانت السيطرة إلهاما مسبقا أو مباشرا. وتواجد الأشياء ضمن السرمد الواحد وضمن التخليق الصغير فيه ليس عابر مرة وينتهي، إنما متكرر دائم وهذا لا يكون إلا من فعل فاعل أعلى من الشيء ومحتواه. وولادة الأشياء واحترابها ضمنه لابد ويستهلك طاقته ويهفت وينتهي، ما لم ينهضه أو يزوده بالطاقة شيء أرقى وأقوى جبروتا ليستمر. وكل محترب نراه على العكس ينتج طاقة كوليد أو كمتحول وليس يستهلك. فطاقة الوازع إذن أكبر مما يحتاجه الشيء وقرينه. ولا يجعل الشيء من ذاته طاقته أعلى مما صنع منه، ولابد وأن من زوده بالطاقة حسب احتياجه وبدقة متناهية. وحيث كل المخلوق يحتاج إلى طاقة فلابد ومعين هذه الطاقة لا ينضب. ولابد وهذا المعين جبار حاو أوقيانوس مكين. وكل الأشياء تفنى، ليس لتنتهي وإنما لتتجدد. فمن المادة ذاتها التي كان عليها الأب ينتج الابن والحفيد وهكذا. والشيء إذا مات، لن ينهض ثم يحيى ويجدد نفسه ذاتيا، ما لم يعنه أو ينهضه ويجدده شيء أعلى منه وأرقى، وبقرار منه بسبب أو دونه.

 

 

9 - الناموس التاسع: المراحل

 

لارتقاء الحي سبع مراحل هي: الولادة، الصبا، المراهقة، الأوج، الكهولة، الدِّعة، الفناء. وبالولادة يبدأ النشاط ويتصاعد مع الصبا ثم المراهقة ثم الأوج الذي يستمر طويلا، ثم الكهولة حيث يضعف النشاط ثم ينضب نهائيا عند الدعة يترقب الموت. ولكل مرحلة من هذه السبع فضل يستشعر في المراحل التي تليها. وكلما انتقلت النفس إلى مرحلة هابتها، لجهلها بها، فرمزتها بيوم وجرم. وإن كانت لكل حي معاييره عن العمر والحياة فهو ضمن حيز يؤثر فيه ما يؤثر على حيزه. وأول ما يؤثر عليه الأجرام الشبيهة لموطنه الأرض والتي تلازمها وتتآثر معها وخلقت أيضا من غبار واحد عدى القمر. وأول الأجرام هو الشمس. وهي حارقة حامية تخرج البادرات من ظلام الأعماق في التراب وتنهضها من السبات، ومنها الطاقة والنشاط، وهي تحكم النهار والرطوبة والهواء. لذا كان يومها يوم بدء النشاط والحياة وهو يوم الأحد، وعادل البشر أثرها بالذهب. والقمر يحرك الماء، سقي الأرض، ويرسم التواريخ ويحكم الليل وأرحام النساء، وهو ليس من جنس الأرض إنما رافقها بعد حين من التخليق. وهو إذن يحكم النشاط الثاني بعد الشمس، ويومه الثاني في الترتيب الاثنين ويعادل البشر أثره بالفضة وهي المعدن الثاني بعد الذهب قيمة في السابق. والمريخ يشبه الأرض بأسباب الحياة لكنه حارق حام يحكم القوة والشرّان، وهما النشاط الثالث، ويومه الثلاثاء، ويعادل في أثره الحديد من المعادن. وعطارد حام حارق وأشد من المريخ، لكنه بعيد مبهم يلوذ بالشمس لذا فالأرض أقل تأثرا به من المريخ. لذا يتراجع نشاطه إلى المرتبة الرابعة وكان يومه الأربعاء، وعادله البشر بالنحاس من المعادن. والمشتري رخو خبا من نشاط في ماض له بعيد وكأنه تعب أو انتهت مؤونته، لكنه جميل. ومن هنا تراجع إلى المرتبة الخامسة نشاطا فيومه الخميس، ومعادله عند البشر النورة، وصار يوما تنشده الأنفس لأنه ما قبل الراحة والعشرة. والزهرة جميلة باهرة وهي من جنس الأرض بلها صورتها المعكوسة التي تشبهها في كل شيء سوى أن عامها دون يومها وتشرق الشمس عليها من الغرب. والقرين يركن إلى قرينه النقيض يطلب الدعة منه وينشدها فيه، لذا كان الجمعة، يوم الزهرة – عشتار للعشير والمناجاة، ومعدنها الماء، ماء السقي والإخصاب. وزحل بعيد قليل الضوء يستقر هانئا في أطواق كأنها وضعته في سجن لا يتصل به أحد ولا يواصل، فهو عاطل معزول ويومه السبت، ومعادله الهواء.

 

 

10 - الناموس العاشر: المعنى

 

للسرمد الواحد ولكل موجود فيه معنى مجعول في جبلته يسير عليه طائعا كآلة لا تفقه أنها مأمورة. والمعنى يتأسس على الثالوث الجليل: علم الوارث، ومهمة المورث، وانتقال الإرث. ومع قدرته عليه لم يخلق الله السرمد الأول دفعة واحدة وبشكل واحد. ورغم أنه القادر المالك لفعل التكوين والسابق بعلمه لما سيجري ويكون في سرامده في أقاصي المستقبل البعيد، فقد تواضع سبحانه، ومنح ذاته خصلة البداء وإعادة النظر كلما أراد، كيما يكون الخلق الحاضر عنده على أحسن تقويم. فهو يخلق ويعيد النظر من التجربة ثم يحسن في الخلق الجديد متى رآه ضرورة. وهو، إذن، ليس صانع مسير لخلقه وحسب، إنما مصلح محسّن متم بما يراه. وحين قضى سبحانه أن يبدأ التخليق العضوي، تعامل مع مخلوقه بصفاته. أي أن يكون قادرا متفاعلا مع ما ينتجه أزليا تام العلم وما إليه. لكن من يعلم أنه خالد أزلي لن يسعى وسيكون علمه دائما مستقا بالوحي وليس الاستيعاب والتجربة. فلم يرضه سبحانه هذا، لذا قضى لخلقه التجديد عبر الفناء والولادة، والسعي للديمومة، وتوريث معطيات التجربة من السابق إلى اللاحق. وهكذا كانت وتبين أن الأمر أحسن. وحين قضى الإفناء لكل السرمد يوم قدم واختل سيره خلق السرمد الثاني منه وأخذ معطياته التي استجدت خلال سيره ثم ما ارتآه له وما فضله أيضا أن يكون، وهكذا. ولكل شيء في السرمد، كان أو يكون، مهمة هي معنى وجوده وسببه ومشروطيته. وهي أن يستلم الموروث من سابقه، ويحسنه من معطيات سعيه وتجاربه واستشراق خياله، ثم ينقله إلى الذي يليه في سلسة التخليق، وهكذا. ومهمة الوالد مثلا أن يستلم جين التكوين من أبيه، ليتصرف حسبه ويضيف إليه من تجربة سعيه، ثم ينقله إلى ابنه. وهكذا الأم. وهكذا الحجر وهكذا الهواء والماء والنار. وهكذا يحدث مع الموجة القرين. والنقل بين الجد والأب والابن، يكون غالبا عبر الجين، ويكون أيضا عبر الروح إلى الموجة القرين، وهي النظير الاحتياط في التكوين. وقد يحدث النقل بالاستيحاء فيعلم الابن ما لم يعلمه أبوه ولا ابنه من بعده. والاستيحاء هو الوصول إلى هدف المستعلم بتمرين الفكر ووضعه على مساق الحدث، ليكتشف الديدان الأساس، فيعرف النتيجة دونما حاجة الوصول إليها عينا. وقد يكون بوسيط بأمر من الوارث لا يعرب سببه ومضمونه ومشروطيته.

 

 

11- الناموس الحادي عشر: الطباع

 

الطبع هو الخصلة المشروطة بما سبقها والمتسببة بما يليها، كحلقة ضمن سلسلة. وكل شيء في السرمد الواحد محكوم بطباع تحدد ملامحه. ولكل جزء فيه طباع أيضا. والطباع تلمسها معاييرنا على الأحياء خاصة، رغم أنها موجودة عينية لكل شيء. وملامح الطباع سبعة أولها الدلالة. ولاشيء بلا دلالة في محيطه سابقا ومستقبلا. فالحجر يدل على صهارة سابقة وعلى تراب لاحق. والتراب يدل على صخر متحوت ثم صهارة فيما بعد. والماء على حياة، والغيم على المطر وما إليه. ودليل الشيء على جنسه وغيره. فما يدل على الحياة سيدل على مجتمع وعرف وتاريخ وهكذا. وما دل على حياة نبت دل على حياة بكتيريا وحشرات وما إليه. والثاني الوظيفة: ولكل شيء وظيفة يخدم بها نفسه وغيره إجبارا. فالنبات يئيض على الماء والهواء والتراب، وهو يجمعها في جسده لينمو، لكنه في الوقت ذاته يوفر الغذاء والمأوى لغيره. والبقرة تعتلف النبات العسير، لتنمو عليه، ولتوفر مع هذا الحليب واللحم والجلد لمن يليها وهكذا. والملمح الثالث للطباع هو التضاد. حيث كل شيء يزاحم غيره، ويحسب أن الأمر خاص به بينما هو يسوق الحراك بين الجماد والحيوان والإنسان. وقطب المغناطيس يحسب نفسه يزاحم خصمه لكن لا ينفصل عنه، وبتلاصقه معه حياته. والملح الرابع استنساخ الذات. وكل حي ينحو لأن يكون وريثه على شاكلته، أو هو يربيه على شاكلته، أو إن هذا ينتج من المعايشة. والخامس الألفة مع الخليل، وهو في الأصل خليل خدن ليتم التناظر وينتظم المراد. والكتلة تنجذب إلى الكتلة ليكونا فيما بعد مركز جذب يتنامى حتى يكون كوكبا. والسادس القطيعية. وكل حي ينحو إلى العيش ضمن قطيع خيره ما يكون ملموس التعداد فيتكافل عند الشدة ولا يحرم بعضه الآخر في الموارد، كما في حالة زيادة العدد عن حد معلوم. والقطيعية طبع لتنظيم الوجود والألفة والتعايش وما إليه. والسابع الاطمئنان، حيث كل حي ينشد الاطمئنان من عدو بعينه أو من مجهول في الوجود أو قوة قاهرة، وكل حي ينشد الارتخاء. والطباع ثابتة الجواهر متغيرة المضمون، يمكن التأثير عليها بسهولة. فيمكن مثلا توسيع وظيفة شيء ما لكن ليس إلغائها أو تغييرها. كذلك يتغير عدد القطيع لكن تبقى القطيعية. ويمكن تخفيف التزاحم بالوفرة لكن ليس إلغائه. ويمكن أن يقل عدد مدلولات الشيء لكن لا يمكن إلغائها، وهكذا.

 

 

12 - الناموس الثاني عشر: الكمال

 

بلوغ الغاية. كل شيء حيا كان أم جمادا ملهم على متغيرات وثوابت حين يصلها يتوقف عندها أولا ثم ينقلها إلى لاحقيه ثم ينتهي دوره. والثوابت هي أن يولد ويسعى وينمو إلى حد معلوم لا يتخطاه ثم يموت بعد أن يكون نقل معنى وجوده إلى ما يليه. والمتغيرات هي صيغ أشبه بمعادلات تقبل عدة قيم أو دلالات لتعطي عدة نتائج تدخل ضمن موروثه لينقلها إلى الذي يليه ثم يموت. وهذا ينطبق على الكل والجزء، الشرمد ومكوناته أحياء أو جمادات. ونقل معنى الوجود هو واجب يتم عبر الجين والموروث. والأصل أن ينتقل الواجب مباشرة أي من الأب إلى ابنه العضوي. لكن لا يندر أن يتكفل نوع بمهمة نقل موروث غيره. كنقل ملكة النحل جينات عاملاتها فتواصل معنى وجوها. وكذلك نقل الحمار والفرس لجينات البغل، ومعها ينتقل إليه إلهام عمله وموته وما إليه. وأشبه بهذا تلقين البشر للحواسيب وما إليها من أجهزة برنامج عملها. والإلهام يوضع في الشيء كرنين على ذراته، وعند موجته القرين كرنين على ترددها، وفي الآلة كمات مغناطيس على مسيّراتها. وأول أسس الإلهام هو المشروطية. أي أن لا يقوم شيء بلا مقدمات وأسباب. والإلهام مطواع للسعي في غير الثوابت التي هي الولادة والنمو والموت والمعنى. ما عداها يمكن أن يتغير الإلهام نبعوامل السعي. لذاه قد يختل وقد يضعف أو يشتد. وثاني أسسه الاكتفاء، وهو حجم الكمال أو حدوده، والثالث التشكل في جين. والرابع الالتصاق بذرة أو موجة. وكل كمال بديع وكل بديع كمال. ومن لم تنقص طباعه، أو من زاد عليها بغير مألوف، فهو كامل، وهو إذن بديع، بأي منحى أظهر نفسه في المحيط وبأي عين رأته الناس. ومن اكتملت خلقته فهو كمال بديع وإن قبح منظره في عينيك. ومن الماء الآسن جبلنا، وقد نضطر للاستعانة بمثقب الأسنان. ولك أن تمتعض مما تراه قبيحا ناقص الخلقة، لكن اخف مشاعرك، واعتبره عابرا لم تره وما بدا إليك. وبديع الخلق شيء وشرانه أو حسنانه شيء آخر. لا تخلط بين الاثنين. فالقرش صنع بديع، إنما محياه بموتك، فاتقه. والصبية الحسناء صنع بديع، فلا تركن لبدع صنعها فقط. والبديع ليس الجمال. وهناك جمال وهناك قبح. والجمال كمال الخلقة الجذاب. والقبح نقص الخلقة أو اكتمالها بلا جذب. وغاية الجمال خلقة الرضيع، ثم الصبية الحلوة الكامل العذراء، ثم الثيب الكامل، ثم المرأة الحبلى. وعداها فمختلف عليه اختلاف حبات لؤلؤ العقد. وكل جمال به من روح الخالق نفحة. وكل جمال آية من آياته سبحانه إلى الأرضين.

 

 

13 - الناموس الثالث عشر: الكارث

 

ما يعترض المسار المرسوم للحدث فيوقفه كليا أو جزئيا. وللكارث مبعثان فقط، الأول أن يسير السرمد نحو خطأ سيدمره أو يضره فيعدل مساره أو يوقف. والثاني أن يسير السرمد إلى حال أرقى مما يحتمله فيعدل مساره أو يوقف. سوى أنه يحدث بأثر ملحوظ على العين أو فترة المراقبة. وما اعترض طريقك إلى البيت هو كارث، والبركان إذا ثار كارث، وتصادم المجرات كارث، وطي السرمد وإفناؤه كارث. وعلى غرار الأرض فلو تواصل شحن محيطها بالكهرباء عبر البروق والاحتكاك والصناعة لانفجرت وتفتت فكان الضرر أعظم. بينماها تتخلص من هذه الشحنة في أن تحيلها إلى طاقة حركية بالأعاصير، أو تطرد بعضا من جزيئاتها إلى الفضاء، أو بإنتاج الشفق القطبي والهالات. وامتصاص الأرض المتواصل لأشعة الشمس ينتج طاقة تتخلص منها بالبراكين وحركة المياه والريح. والغيم يتخلص من شحناته بالبروق وهكذا. والكوارث رافقت التطور ولازمته، وهي من مشروطياته التي لا يمكن له الارتقاء بلاها، فهي واحد من موازين المسار وضوابط التحكم فيه. والكارث هو حدث عيني ملموس له أسباب ومشروطيات وينتج عنه أسباب ومشروطيات ولا علاقة له بالخير والشر. والكارث لا يحدث كغضب من الله على ما فعله عبد ولا ثأرا ولا نكاية. فسبحان الذي خلق طوعا وأبقى طوعا وحسّن طوعا، ولا من أمره أو رجاه لأن يخلق هذا وليس غيره. فهو أذن أرفع من أن يثار لما جبله في مخلوقه. والملهم في سير الكارث هو ضرورته ومشروطية حدوثه. وما عداه فهو بداء من الخالق أن يصيره متى ارتأى ضرورة لذلك من تحسين الخلق أو تشذيبه وما إليه. والكارث معلوم السبب مجهول المواقيت. وليس شرطا أن يحدث الكارث العظيم بسبب أو فعل أو جهد عظيم. فللأحداث وللتطور وللطور بذور يكفي إلهامها أو تغيير جينها ليحدث الكارث في الميقات والشكل المتاح. فإن حدث كارث وجزعت لنتائجه فحق مشروع، وإن صبرت فلن تغير. أي اقبلها كما هي وتصرف بما ترتأيه. لكن قبلها احتط، بما تراه يعوض أو يدرأ الأثر ودع ما تبقى للقرار. وخير ما تعالج به الكارث الملموس البسيط هو الادخار. من هنا، ادخر ليوم ينفعك به الذخر، وأكثر نسلك تُقى القضاء، واحتسب تُقى المفاجأة. ومن لطفه أن جعل للكارث مقدمات ملموسة محسوسة ومحسوبة. فلابد من رصدها ومراقبة علاماتها.

 

 

14 - الناموس الرابع عشر: الديدان

 

هو طريقة الجعل ومسارها. وتختلف السرامد عن بعضها وتختلف مكوناتها ومحتويات كل مكون حتى وإن تشابهت تشابها كاملا. لكنها مهما اختلفت فلكل سرمد ديدان جعل واحد، يشمله ومحتوياته قاطبة. وقد يختلف الديدان من سرمد إلى سرمد، لأن الديدان للسرمد التالي محسن عن الديدان الذي لسابقه. والديدان العام للسرمد الواحد ولمجموع السرامد هو أن ما بعد الله، وبعد كلمته الخلاقة كن، مرهون ومشروط ولا شيء عدى الله بلا أسباب ولا مخلوق غيره بلا خالق. ولا شيء في السرمد عبث أو خارج الديدان. وديدان السرمد وديدان كل ما فيه، وديدان مجموع السرامد هو السعي. وكل شيء يسعى إلى الديمومتين الصغرى والكبرى. والديمومة الصغرى يحفزها نقص الطاقة للكدح وبناء الجسد. ويدخل فيه التنفس والحاجة إلى الماء والطعام والنوم والتوالد وما يرافق السلوك، وما يتبدل وما يتحرك. والديمومة الكبرى تجربة الواقع واكتشاف المحاسن والعيوب وتسجيلها لاستخدامها لاحقا. وسعي الديمومتين قائم بذاته منظم لنفسه يحكم ولا يُحكم، يبدو للناظر عشواء التوجه وهو حقيقة مرتب منظم محسوب مسبقا، ولكن ببعض الحرية. فمن هو محكوم بتنفس الهواء، مجبر على السعي حيث يوجد الهواء الطليق. ومن هو مجبول على تنفس هواء الماء المذاب، مجبر إذن على السعي وإن كان حرا، في الماء. ومن جعل على العيش في التربة مجبر على السعي داخلها. والسعي يجعل لكل شيء نقيض مباشر يلازمه ويصارعه على الوجود، ونقيض غير مباشر واحد أو أكثر. ونقيض الملموس والمحسوس من جنسه، محسوس وملموس. وما له كتلة فلنقيضه كتلة. وما كان طاقة فنقيضه طاقة وهكذا. ولا يشابه الشيء قرينه إلا في المعنى والحس والهدف. فكلا الموت والحياة يتأسس على علم الوارث ومهمة الموروث وانتقال الإرث، لكنهما لازالا مختلفين كل الاختلاف في الجوهر. وكلاهما محسوسان آليا وبالبرهان، ولا يستحيل تحسس أي منهما أو التعرف عليه. وكلاهما ينتظمان في مسار هدف واحد هو التجديد. وكذلك البذر والحصاد، وكذلك البناء والهدم. وكل نقيض يغني نفسه على حساب نقيضه حتى لحظة يعجز على الاستغناء فيعود النقيض ويثأر ويغني نفسه فيرقى. وهكذا، حتى يرقى كل منها، شكلا ويبقى مضمونا، ليرقي معه نقيضه. والشيء يغير شكل نقيضه ويتغير به. والشكل الخارجي صنو ونتاج للشكل الداخلي وهكذا.

 

 

15 - الناموس الخامس عشر: البذرة

 

حتى لا تتزاحم المعطيات في السرمد الواحد، وبغية الاختصار وليشتمل الحي الواحد أعلى طاقة استيعاب، صار التخليق بالبذرة. فكل سرمد يبدأ بموجة صغيرة كاملة التفاصيل والتشفير تنتجها الموجة القرين التي بقيت من السرمد السابق. وهذه الموجة القرين تنتج بذرة صغيرة هي الأخرى وتحتوي كامل الجينات العينية لبداية السرمد. وتسيطر الموجة على القرار، فتتشطر وتتخصص ليتشطر بسببها وتزامنا معها الشيء الذي في البذرة ليكبر هو الآخر ويتشطر ويتخصص ولتنمو الأحداث والأزمنة. وبينما البذرة تكبر حجما خلال النمو، ترى الموجة القرين على العكس تصغر حجما خلال النمو. وبينما البذرة تخلق بعد النمو ما هو أصغر منها، ترى الموجة القرين خلال النمو المعكوس إلى الصغر، تنتج موجات أكبر منها حجما. وتتشطر الموجة ومعها الشيء الذي نما من موجتها القرين أيضا. ويستمر الحال هكذا حتى يصبح السرمد مكتمل الأجزاء والمعطيات. وهكذا الحال مع الأحياء في دونين. حيث تخلق الموجة القرين أولا بذرة الحي كله التي تحمل جيناته، شديدة الصغر نسبة إلى ما ستنمو إليه. وفي كل بذرة وازع ما أن يستلم الأمر يبدأ النمو والتخصص. وبذرة الحياة على الأرض فيروسات حفظت في الجليد وباطن المحيطات وأغوار الكهوف وتحت رمال الصحراء بنسخ لا حصر لها ضمانا. ولازالت منها نسخ في القطبين. فإن انتهت الحياة لأمر أو فعل، تستلم هذه البذور الوازع فتبدأ بالانقسام والتكاثر والتخصص، كل مخصوص يحمل مواصفاته السابقة ومؤهلاته وطريقة عمله وما يسعى إليه منفردا وجماعة، فضلا عن الاغناء بالإضافة والبداء. ومع هذا واحتياطا فقد نمت بعض فيروسات البذور وتخصصت وحفظت أيضا في جليد القطبين منسوخة بأعداد لا حصر لها لتغالب الظروف. وبذرة النبات خلية خضراء واحدة توجد منفردة أو مجتمعة بعدد دون العشرة. وبذرة الحيوان خلية بيضاء هلامية كدرة تعيش منفردة أو في جماعات ليس كاجتماع بذرة النبات. وقد تبقى البذرتان كامنتين بلا نشاط دهورا ودهورا. وقد تبقيان تحتفظان بحيز من الضوء والهواء والماء دهورا ثم حين تستلمان الواعز تبدأان النشاط. وتكاثر النبات أسرع من الحيوان لأنه غير محكوم بالسعي الحركي الكبير. حيث السعي يحتاج إلى طاقة إضافية استغلها النبات بسرعة التكاثر. وتكاثر الحيوان أوسع مضمونا وأعقد نظاما.

 

 

16 - الناموس السادس عشر: البصمة

 

هي الشفرة الصورية للشيء فلا تمثل سواه ولا تشير إلا إليه. ولكل شيء ولكل أجزائه بصمة. فهناك بصمة للأحداث وللسلوك وللأعضاء والجماد والسرمد، يمكن عبرها فهم خواصه ومضمونه وما يؤاثره أو يتشارط معه. وهي محصلة علاقة الشيء بمحيطه مولودا ووالدا، مسعيا لأجله وساعيا لذاته وساعيا لأجل غيره. والبصمة شيء ملموس عينا ودلالة يمثلها طيف ضوء منبعث عنه. ولا تتغير البصمة للشيء الواحد، ولا تشير البصمة إلى شيئين مطلقا. وعبر البصمة يمكن التواصل مع جوهر الشيء ويمكن زيادة أو تخفيف نشاطه، لكن لا يمكن تغييره نوعا. وبصمة الوجه في الأذن اليسرى، وبصمة البطن في الأذن اليمنى. وبصمة النوم في أعلى الجبهة عند بدء الشعر، وبصمة النفس على جانبي العمود الفقري تحت لوحي الكتف. وبصمة العجز على جانبي الحوض عند المرفقين. وبصمة الإثارة للرجل في باطن القدم وللمرأة بين الفخذين وتحت شحمة الأذن. وبصمة الإنماء شحمة الذكر تحت تمرته. وبصمة النصف الأيسر من الرأس أسفل قبضة اليد اليمنى ونصفه الأيمن أسفل قبضة اليد اليسرى. وبصمة التيه الفكري فوق الثدي الأيسر على الصدر وبصمة الهجران مقابلها فوق الثدي الأيمن. وبصمة المعدة في أعلى الساق تحت الركبة، وبصمة القلب في مرفق اليد اليسرى وبصمة الكبد في مرفق اليد اليمنى. وبصمة الأسنان في شحمة الأذن. وبصمة الحمض النووي في بصمة الإبهام، وبصمة السمع في عضلات الفك تحت سن العقل. وبصمة الحلم في مؤخرة الهامة عند أبرز نقطة من عظمها. وبصمة الانتباه والتركيز في الثلث الأمامي الأعلى من الهامة. وبصمة التذكر فوق الأذن عندما يبدأ شعر جانب الرأس. وبصمة الصحو في باطن مقدمة المنخرين، وبصمة التخنث العضلة الخارجية من الوركين، وبصمة الذهول في مقدمة الشفتين، وبصمة انهيار الحول الجسدي والتبول فوق نهاية العمود الفقري، وبصمة الشلل في العضلة الخلفية للساق، وبصمة العظمة بين الحاجبين، وبصمة النبل والكرم والوفاء في الفك الأسفل وبصمة الشجاعة والاقدام على الشفة العليا. وبصمة الشتم في أصابع اليد، وبصمة الود راحة الكف. وبصمة الإحباط نقرة الصدر، وبصمة الجَلَد في أعلى الكتف، وبصمة الكره فوق زاوية القلب اليمنى العليا، وبصمة العشق في الحجاب الحاجز. وبصمة الحزن المهول ما بين الرئة اليسرى والقلب. وهكذا. وبلمس البصمة أو دلكها أو التأثير عليها ستنشّط أو تحبط مدلولها. وللجماد بصمات أيضا.

 

 

17 - الناموس السابع عشر: الروح

 

خيط يربط بين الشيء وموجته القرين، تسري عبره المعلومات من الشيء إليها وبالعكس منها إليه. وهو دلالة المعنى وهو دلالة السعي الذي لا يحدث بغير الحياة. فالروح إذن دلالة الحياة. وإذا انقطع هذا الخيط فقدت الموجة سيطرتها على الشيء فاختل عمله وبطل ديدانه وتوقف كل شيء فيه فيبور. وروح الحي محسوسة بينما عند الجماد بالدلالة. ودلالة الروح عند الجماد أن للسرمد روح تربطه بموجته. وحين تكون لكل السرمد روح، فلأجزائه بالضرورة أرواح أيضا، وإن اختلف شكلها عند الجماد عنها للحي أو لم يختلف. والخيط هذا يصاحب التخليق، ولا ندري كنهه ومادته. وهو بوعز من الله ينشا وبوعز منه يشد الشيء إلى موجته القرين وبوعز يرتخي لتسبح الموجة القرين ما سمح لها طوله، وبوعز يعود وينشد، وبوعز أيضا ينقطع، فتفترق الموجة عن الجسد إلي الأبد. ولا نعلم من طريقة الوعز سوى أنها موجودة. ومادة الخيط مستحدثة مصنوعة ليست أبدية كأبدية الشيء أو موجته القرين. فهي مثلا عند الحي تنشأ مع لحظة إخصاب مكونيه. وهذا الخيط يكون أقصر ما يكون وأشده خلال الوعي الكامل للحي، وقد يصبح طويلا بلا حدود خلال الخدر والنوم، وقد ينقطع، وهذا خلال الموت. وعبر الروح تنتقل المعلومات ما بين الحي وموجته القرين. وعبر الروح تنقل الموجة القرين إلى الحي ما تبادلته من معلومات مع غيرها في رحبة السرمد. ولا ندري بعد مصدر الروح ولا كيف فعلها ولا من يديمها. لكن، وحيث بمقدورنا قطعها عن الجسد بتعطيل فعله بالقتل مثلا، فهي إذن تستمد طاقتها من الجسد ذاته. وهذا أخطر ما فيها. لأن الخالق سبحانه حملنا أمانة الحفاظ عليها فيما لا يستوجب القصاص. والروح وإن تقرر الحياة، فهي بالمقابل تحتاج إلى أقل قدر من الطاقة لدوامها وإكمال معنى وجودها. فإن بدا الشيء الحي بلا روح أي تراه قد مات فلا تعجل بدفنه. ولكن إلى حد. أي لا تتأخر كثيرا بميعاد الدفن فيبدأ الجسد بالتفسخ فيقبح في العين كمال خلقته. فإذا رأيت الجسد مات، فاصبر على الدفن بما يعادل فترة النوم عنده لليوم الواحد ثم ادفنه. ومستقر الروح تحت أرنبة الأنف قبل المنخرين. ولها وزن، وهي عند الرضيع تساوي رقميا جزء من مئة من وزنه، وعند البالغ جزءان بالمئة من وزنه. سوى أن وزنها سالب، أي انها تقلل من وزن الجسد حين ترتبط فيه، وحين تغادره يثقل بمقدارها.

 

 

18 - الناموس الثامن عشر: النفس

 

هي دلالة محتوى الوعي ورد الفعلين الداخلي والخارجي سلما. وللنفس سمتان، السريرة والملامح. والسريرة جوهر والملامح شكل خارجي. والسريرة هي التربص بالمحيط ضمن معيار وحكم مسبق عليه. ذلك أنها متركبة على محتوى الوعي الذي يكون معبأ أما من عالم سابق أو موروث. والملامح هي التربص بالمحيط، ضمن معيار آني لا علاقة له بسابقة. ومحتوى الوعي متسع مختلف شاسع الفوارق، والأفعال كثيرة مختلفة، والمؤثرات على الشيء كثيرة لا حصر لها فتكون ردود الأفعال عليها كثيرة ومتغيرة. ومن هنا تتغاير النفوس ولا يشبه بعضها بعضا. والنفس شيء ملموس إن لم تتحسسه حواسنا عينا فتعرفه وتدركه دلالة. وموقع النفس من الجسد عند البشر في مربع أطرافه خلف الثديين من الصدر والطرف الداخلي السفلي للوحي الكتف من الظهر. ومركزها ما بين القصبة الهوائية والمريء في هذه المنطقة. والنفس تولد منذ الإخصاب وترافق الجسد حتى لحظة الموت. وعند الموت تبقى قليلا بعد انقطاع الروح ثم تذبل وتنتهي. والنفس تحكم حركة الدم وضربات القلب والتنفس ثم السمع والبصر وتحتكم إليها جميعا. فهي تؤثر عليها وتتأثر بها، لذا يمكن تغييرها. وتغيير سمة السريرة فيها أصعب قليلا من تعيير سمة الملامح. وطالما النفس من البداهة فنقطة توازنها إيجابية الأثر. ولذا لا يولد الشخص إلا متوازنا قريرا قانعا بالمحيط محبا له، ما لم يستمع في عالم الرحم ما يغير ذلك. وكلما سهلت حركة الدم، وكلما انتظمت ضربات القلب، توازنت النفس وقل تأثرها بالمحيط ومالت إلى القناعة. وكلما رأت العين جمالا وكلمات سمعت الإذن طربا، مالت النفس إلى الإيجاب. والملامح أسرع تغيرا من السريرة، لارتباط السريرة بالموروث. ولأن الحمام أفضل ما يطمئن إليه المرء وينزع عنده أستاره، فله أجمل التأثير على النفس. ولأن الماء مصدر الحياة، فتنشرح عنده النفوس سرائرها والملامح. وخير التأثير من الماء البحر ولونه الشذري. ثم يأتي بعدها الحسن والخضرة وما إليه. وأسهل ما يظهر على النفس الحزن والمرح، لأنهما أول أسس الدفاع عن النفس. ولذاهما أسهل ما يظهران على الرضيع ما أن يتحسس معايير محيطه. وبعدهما يأتي الكره والود ثم الرضا والغضب ثم البكاء والضحك، وما بعدها تأتي ردات الفعل العينية العنيفة. وبكاء الطفل كلام رفض. والمرء بنفسه في عين المقابل، فاكتم مكروهها لا مراءٍ ولا تفعل به، واظهر طيبها واعمل به صادقا.

 

 

19 - الناموس التاسع عشر: الوعي

 

ذاكرة المحسوس والموروث ومشغّله. موطنه حيز في المخ إن أوصلت نقاطه ستتكون صورة مقلوبة لإنسان مفخم الأطراف والفم والعينين والأذنين وعضو التناسل. وللوعي سبعة روافد، أولها الإلهام، فالبشر ملهم على أن يتصرف ضمن آدميته متطورة أو مرسومة ومن هنا يكتسب معاييرة الأولى. والثاني السعي، حيث منه يكتسب الخبرة ويجري التجارب ويعلم العلوم ويؤثر على أسس سعيه ويتأثر بها. والثالث المحيط، لأن الوعي معكوس الواقع المحيط في العقل. ولذا وفيما عدى ما ألهم الشيء به، تختلف معايير ابن الصحراء عن ابن الغاب والراعي عن الفلاح وابن المدينة عن ابن الريف. والرابع، الإدراك، فمن تعطل إدراكه بطل استيعابه لما حوله وقل تفاعله معه، فيما عدى ما يخص قوت يومه. وليس أن تجرب وتسعى وتحتفظ بالصور في الذاكرة هو المطلوب، إنما أن تعقل المعاني والدلالات من المستوعب وتفهم المساق. والخامس، الموروث، فما عاشه الأسلاف وراكموه ينتقل إليك عبر الجين والسلوك الجمعي الذي يشتمل العادات والأعراف والقصص الشعبي التي تنظم قواعد وأنماط العيش. والسادس الخيال، وهو شيء عيني ملموس يتواصل الحي عبره بالقفزة أو طريق ما نجهله مع ما حدث والحادث وما سيحدث، وتتراكم معطياته لتصبح جزءا من الوعي. والسابع الوحي، وهو عام ولكل البشر سوى أنه قوى عند البعض وضعيف عند آخر، وقد يكون مباشرة من المصدر الأول - الله وقد يكون عبر ما تكشفه للجسد موجته القرين. والوعي حاكم الحواس السبع - السمع والبصر واللمس والذوق والشم والمخرج وعضوي التناسل. والوعي يتحكم بكل ما يحدث في الجسم من أفعال إرادية ولا إرادية ويتحكم أيضا بالساعة البيولوجية، ومواقيت مراحل النمو والأنزيمات وما إليه. وطاقته الاستيعابية لا محدودة وتجري العمليات فيه عبر الاتصال القفزة وبأضعاف سرعة الضوء. والوعي يصح بصحة الجسد وليس بكمال خلقته. وقد يكون عند ناقص الخلقة أقوى. لأن ما كان يوفره العضو المفقود من معلومات للوعي، سيعوضه عضو آخر، لكن الطاقة التي كانت ستصرف على إدامة العضو المفقود يستخدمها المخ في تنمية أحد روافد الوعي أعلاه. والوعي قبل الروح من حيث حاجته للطاقة. أي لا أقل احتياجا للطاقة منه غير الروح فقط. لذاه بين آخر ما يغادر الجسد، حيث يغادره قبل الروح مباشرة. والوعي قد يعود إلى الجسد طالما عضوه – المخ بقي سالما على الأقل فيما يخص مواطن الإحساس.

 

 

20 – الناموس العشرون: العالم

 

هو محتويات ومضامين الرابط الحسي ما بين الشيء ومحيطه. وهو أكثر ما يتضح بين الأحياء. وله ثلاثة أشكال مترابطة، هي: عالم الرحم، وعالم السعي، وعالم البرزخ. وقد يختل تتابعها بقفزة من عالم إلى الذي لا يليه. وعالم الرحم هو موقع التخليق والنجر والإلهام والموضع الأجل الأكرم على الله سبحانه في السرمد الواحد. ومعايير هذا العالم عن الزمان والمكان والسلوك تنظمت من كونه مستمِد معتمد على غيره ولا يحتاج أهله للسعي لأجل الحياة. فكل شيء فيه جاهز سهل المنال وكل شيء متوفر وبلا رقابة وسيطرة ولا تفاوت. لذا يكون الزمن فيه أطول مما في العالمين اللذين يليانه. والزمن فيه يحسب على أساس التغيرات البيولوجية، وليس على أساس تتابع الوحدات. وهذا العالم يوفر الأسباب للتخليق والأمان لمن فيه دونما اعتبار أيه المخلوق ومن سيكون. فهو العالم الأكثر عدلا ومساواة ووفرة، وهو الفردوس بعينه. والجنين الذي فيه أكثر المخلوقات علما وحكمة ويعلم جل أسرار السرمد، وله من القوة والجبروت ما ليس لغيره، حيث يستعمل حواسه الخاصة وحواس أمه كلها وبعض من حواس أبيه. وهو يرى عينا ما هو خارج الرحم وداخله ويفهم الحديث واضحا منذ اليوم السابع للتخصيب. فاتقوا إجهاضه بعد هذا اليوم. وفي عالم الرحم تبدأ البرمجة على الأفعال الحسية والتصرفات المدركة وفيه يبدأ جمع المعلومات عن العالم التالي. العالم الثاني هو عالم السعي، الذي يبتدئ بمفارقة الفردوس الرحمي عند الولادة. وفيه يخرج الحي مكتمل المعلومات عن المحيط يفهم كل شيء سوى أن ردات فعله لازالت تحمل طابع عالم الرحم. ومعايير هذا العالم مرتبطة بالسعي منطلقة منه، لذا فيه أعراف المنع والسماح والحق والباطل وفيه الحروب والظلم والعدل وتكوين المجتمعات والدول وما إليه. وهو عالم قاس من لم يسع فيه انتهى. والزمن في هذا العالم متوسط الطول يحسب بتوقيت منتظم على أساس تتابع الوحدات الحدثية مقارنة مع شكل وموضع الشمس أو القمر. والعالم الثالث هو عالم البرزخ الذي يبتدئ بالموت. وفيه يتوقف السعي وينهدم البناء تدريجيا حتى يتوقف عند وحدات البناء الأولية أي العناصر، تهيئة للخلق التالي الذي سيكون أما عودة إلى الرحم مجددا أو إلى بعث قيامي عام. لذا يتراجع الزمن فيه، أي ينعكس سيره من النهاية إلى البدء وتكون المعايير فيه مقلوبة أيضا، إذا استطعنا سبرها سنجد الخير فيها شرا والعدل ظلما والجمال قبحا وما إليه.

 

 

21 - الناموس الواحد والعشرين: الإنسان

 

سيد الكائنات بعد الله سبحانه، وسيدته المرأة. ولقد بدأ الخلق مادة زلالية ثم فيروسا برمجه الله على الارتقاء، فتخصص وتفصل وتشعب إلى معاشر حية وصل بعضها إلى نمو بحجوم هائلة وأوزان كبيرة وأعمار طويلة، ثم انقرضت وعادت الدورة من جديد وعادت مرات ومرات. ولا ندري سبب فنائها وإن نعلم بعض أدواته. ولربماها فنت لأن الله استخدمها تجربة لخلق جديد، أو لأن سعيها لم يكن بالوتيرة التي ارتأى وشاء سبحانه. والكون ذاته ترقى ولم يعد بدائيا في السرامد المتأخرة، ولابد من سبر أسراره أولا ثم تحكيم كائن نظير عليه، يفهم الله ويدركه وعيا ووحيا وتابع لما يلهمه به. بينما هذه المعاشر عرفت من العلوم مبادئها وبقي وعيها بما احتواه من الجبلة والبداهة ولم تكتشف من الأسرار غير اليسير من يسير المتاح. وهذا ما لم يعد يرق الله سبحانه. لأن ديدنه الكمال، والكمال لا يتم بنقصان العقل، لذا لابد من مخلوق جديد له عقل كامل. وكمال العقل لا يتم ما لم يستعمله صاحبه ويعمله في كل شيء يراه ويتحسسه من محيطه، لتنكشف له الأسرار. لذاه سبحانه خلق الصورة الأجمل لأحيائه - الإنسان وحكمه على الخلق والخليقة. وسيان أكان خلقه مرة ونفخ فيه من روحه، أم طوّره من مخلوق دونه، فهذا لا يمس جلال قدر تلك اللحظة التي خلق الله بها هذا الإنسان، الذي شرفه على كل ما عداه. فقد جعله الأوهى حولا والأشد سطوة، الأوسط حجما والأعقد مخا، الأيسر بديهة والأوسع عقلا، الأكثر شكوكا والأقوى إيمانا. وفوق هذا وذاك منحه النطق والصولجان وهيأ له أن يعرف نفسه أولا ثم معناه ثانيا. مثلما منحه أسباب المعرفة، كأن عزل إبهامه عن باقي أصابعه فهيأ ليديه أن تنفذان ما يتخيله، كما عسّر حاجته فجعله يخترع، وعدد مصادر ديمومته فجعله يتوسع في السعي، وأضعفه فجعله يحتال ليكتشف الأسرار، وأرسل له البعوث تعدل مساره كلما مال، وجعله بعده مباشرة على الكون. ولولا الإنسان ما كان للتاريخ من معنى ولا أهمية، ولا بان معنى الجمال والأعراف والمعايير. ولولا الإنسان ما كان لتواتر الأبوة أو الأمومة معنى، حيث هو الوحيد الذي يرعى حرمة للجد والحفيد وما سبقهما وما تلاهما، وهو الوحيد الذي وجدت الرحمة أوسع معانيها فيه، ووجد الحب أعلى خيالاته ووجدت النجوى أجمل معانيها. فالإنسان هو الأغلى قيمة والأعلى درجة بين المخلوقات، فليقدر حق قدره. 

 

 

22 - الناموس الثاني والعشرون: الإنباء

 

إرسال الدلالات. إن أحداث وأشياء السرمد الواحد متواجدة فيه، ما مر منها السرمد تحت خط دقيق فيه صار غربا ماضيا، وما لازال كان شرقا مستقبلا. ولا تخضع أمواجه القرين لخط ولا تمر عبره. وأية موجة فيه ترى الأمواج الأخرى وقرائنها وتستشعرها، لترى ما كان وما سيكون عبر رموز. ومبعث الترميز الاختصار. فالله سبحانه أو من أوكله بالمنامات، يعلم أن الحي مثلا تكلم عشرات اللغات في إحلالاته الدنيوية السابقة. لذا سيعسر إنباؤه لغويا ما لم تكن اللغة ذاتها ترميزا. لذاه يعطيه المعلومة مرمزة من واقع محيطه ووعيه وموروثه ومعاني الأشياء عنده. وقد تمر الشفرات بمركز التفسير في وعي الجسد فيفهم المقصود، وقد لا تمر أو تمر ويجهلها. فانتبه لمعنى الرمز في شريط سريان الحلم ومكانه وما تشعره أنت منه، وما تراه يعني في موطنه، وما حوله من أشكال وإشارات وخلفية. وكل حي هو مركز لمحيطه. ولأن موجة القرين تتحرك بمضاعفات سرعة الضوء، لذا يرى المُنبأ الشيء في طرف السرمد هذا وفي طرفه المقابل في آن. وطول حبل الوصل – الروح، يتسع لهذا الحيز الهائل. وأفضل الإنباء عند السحر والقيلولة. وكلما قصر عمر الإنباء واختصرت معالمه ولم تحتج إلى تفسير حيث هي واضحة تامة، فهو رؤيا. والرؤيا تخص عظائم الأمور، حيث يعرف الله قدر المعني فينبئه بالحدث دون رموز، أو حقيقة يجعله يرى الحدث بمفرادته فكأنه يراه رؤيا العين. وإن طال زمن الإنباء واتسعت محتوياته وترمزت وتدرج في مراحله فهو حلم. وفي الحلم يكون مصدر المعلومات تبادل شفراتي بين الموجات، وليس برؤية الحدث عينه. وما بين الحلم والرؤيا فهو الطيف، الذي عادة ما يخص المطاف وشخص عزيز عليه. وما تشوشت صوره وخرجت عن الترتيب المنطقي، فهو ضغث ناتج عن اختلال مؤقت. وما خلا من الشارات وتتابع منطقيا ومفرحا أو محزنا، فهو مسرحية من الدماغ لعبها ليزيح عن ذاته العناء. والإنباء عشواء لأننا دون المنطقة التي تكمن فيها الإشارات وتسبح فيها النفوس التي قرارها ومواعيدها بيد من يديرها. لكن قد تضع نفسك على درب الحلم أو الطيف بأن تستذكر مرارا كلمات معينة. والإنباء عن ماض أو مستقبل قريب أو بعيد. وما يخص الماضي قليل جدا، تكتشفه حالما تراجع نفسك إن كان تمن أو مزحة من واعز أو رحمة يطفئ به شوقا أو يعالج خلة توطنت. لكن حتى هذا القليل، قليله يخص الحاضر، وأعظمه يخص المستقبل.

 

 

23 - الناموس الثالث والعشرون: السبوق

 

وهي طلائع الأحداث وموجتها الصدمية. والحدث لا يجري إنما كان ويمر عليك فكأنه يجري في اللحظة التي أنت فيها. وحيث هو موجود ومقرر سلفا فلكل حدث سبوق ظاهرة محسوسة ملموسة أما بشكل أشراط لمروره عليك، أو يشكل مجال حثي ينتشر حوله كدائرة هو مركزها النابض المحرك. والحدث الصغير مجاله وسبوقه صغيرة لا يتحسسها غير المتخصصين. والحدث العظيم سبوقه وأشراطه عظيمة متعددة وتوسع مجالا وعظم حثا فلا يخطؤه أحد. وتسير السبوق بسرعة الصوت غالبا، إذا كانت مباشرة تنتقل بلا واسطة. وقد تنتقل السبوق بالواسطة كما تنتقل الأخبار بالبريد والهاتف والبث. لكن بعض السبوق تنقل بأسرع من الضوء أو بواسطة جسيمات تمر على حدث تنطبع عليها شفرته وتخرج عنه حاملة سبوقه في طريقها، فيتحسسها المتخصص ويعلمها. وخير النواقل في هذا المحال جسيم النترينو. وموطن استلام السبوق عند الإنسان ومستقبِلها، ما بين المريء والصدر تحت مفترق الأضلاع. وجوهر الأشراط  والحث وسعة دائرة البث هي من جنس الحدث ذاته. فللكارث وللخير حث وسبق من جنسهما. وقد نشعر الكارث بغصة شديدة ما دام الكارث عظيما. وقد نستشعر الخير ببشر يجعل العمود الفقري يستقيم ويرسل النظر إلى الأمام. وقد يكون السبق رائحة وقد يكون اهتزازا وقد يكون أشعة لا مرئية وقد يكون صوتا غير معتاد التردد. ولكل حي نطاق حواس معين لا يتخطاه إلا بسلطان الحلم والطيف والوحي والاستيحاء والخيال. وما لا نشعره بهذه يشعره غيرنا من معشر الأحياء. وقد يستشعر هذا الحيوان ما لايستشعره غيره. وأكثر الحيوانات انتباها للسبوق المتوحش المنفرد السائر على أقدامه. ومن الحيوان الأليف فالأكثر استشعارا بالسبوق الكلاب والخيل والغربان والدجاج. وأضعف الحيوان انتباها للسبوق حيوان البحر لكثرة حشوره وتعدده فتقل حساسيته للسبوق. ومن بين هذا الحيوان يكون الحوت الأقوى استشعارا للسبوق لقوة سمعه والقرش لشراهته. والإنسان متوسط الاستشعار بالسبوق، لكنه قد يصبح قويا إذا ما تمرن واستطاع أن يعلم تردد الحدث فيضع وعيه عليه. وأكثر البشر استشعارا بالسبوق المتربص لحدث بعينه، والمهموم بأمر والمُخبر سلفا بالإنباء عن حدث سيصادفه. وما لا نستطيع عبر العيافة إدراكه، فبسلطان العلم والدراسة وبمعونة الصناعة. وأكثر الجميع استشعارا الموحى إليهم، لأن الحدث وضوابطه ومجالاته يستلمونه عينا. 

 

 

24 - الناموس الرابع والعشرون: الهالة

 

شعاع من ذات الشيء يجذب النظر أو اللب إليه. ولها نوعان، الأول المصنوعة، وهي تظهر من شيء مشحون أو له قابلية على شحن ما حوله بالتفريغ فيضيء أو يرسل كمّات جذب أو حرارة وما إليه. ومنها التي على أعلى الصواري، وحول المصابيح في الهواء الرطب، وبعد المطر بشكل قوس قزح، وهالة الشفق القطبي وما إليه. وهذه مستحدثة مشروطيتها آلية صرفة. والثاني هو الهالة النفسية، وهي غير مستحدثة وتولد مع الإنسان ولا تتأثر بلبس أو مظهر. وهي أيضا شيء عيني ملموس أو محسوس، إنما ليست من طبيعة ترددات النور المعروفة، وقد تكون فوقها أو تحتها ومصدرها منطقة عينية في جبهة المُهال تشحن الهواء أو الأثير حوله فتضيئه أو تمغنطه بيولوجيا، فتجعل المُهال ظاهرا ضمن المجاميع ومتبوع الحركة مُتبَصر بسكوته، وتراه دائما أهلا للقيادة وإن لم يكن من ذوي الرأي. وترميز هذه الهالة نابع من ظهورات الهالة المصنوعة. حيث ترسم في شمال الأرض وجنوبها كحلقة نور فوق هامة المُهال، وفي وسط الأرض قرص نور ينتصب على الكتفين ويحتوي الرأس. والهالة النفسانية تجعل الإنسان لأقرانه كمغناطيس ما أن يلتصقوا به حتى يشعروا بالفخر والأمان. والهالة النفسية هبة مع الجبلة في الرحم، وتلازم الموهوب حتى مماته. وتتركب من سبعة دلائل، أولها اكتمال الطلعة خلقة وجمالا. ولا يكون الكمال إلا من الله سبحانه كما لا يكون الجمال إلا منه. وكل كامل جميل محط أنظار لغيره ومبعث للتفكير بإبداع الله سبحانه حيث لا يكمل الله خلق شيء ويرفده بالجمال جزافا. وثانيها الصدق. والصدق أن تنقل عن نفسك إلى الآخرين ما تضمره حقا فيما لا يخص أسرارك وأن لا تزوّق القول فتخرجه عن مرماه ولا تجففه فتجعل سمعه ممجوجا. وإذا لم يصدق الكامل الجميل سقط أو تحول دمية للهو وحسب. الثالث الإخلاص، وهو أن يتعادل جهد ما تعمله لنفسك مع جهد ما تعمله لغيرك، وأن تتم ما أوكل إليك على خير وجه. والرابع الأمانة وهي أن لا تزيد أو تنقص ما كنت وسيلة مقصده أو حفظه. والخامس الإثرة وهي أن تقدم غيرك ممن لا يعاديك ولا يستهدفك عليك فيما تستطيع وفوقه شرط أن لا يلقيك إلى التهلكة. والسادس سعة الإدراك للإلمام بمن حولك كل على حدة ومجموعا ولفهم المحيط ومتغيراته فتستكشف القادم منه وتخطط عليه. والسابع الجرأة، وهي التنفيذ في الوقت والمكان المحدد دون تردد، وبدونها يسقط ما قبلها.

 

 

25 - الناموس الخامس والعشرون:التآصر

 

علاقة حث بين موجتين قرين أو أكثر، تربطهما معا ما دامت الأسباب سارية. وموقعه في اللب الذي يجمع القلب والكبد والمرارة وما بين الرئتين. وله شكلان، الألفة وهي تطابق الموجتين القرين وتعاكس اتجاه سيرهما، والنفور، وهو تنافر الموجتين وتوحد اتجاه حركتهما. وللألفة سبع مراحل تبدأ بالرغبة إلى مجهول لا تدري كنهه لكن ترغب أن تأتيه أو تريده. والثانية الصداقة وهي تواد بين معلومين يوجب المنعة والمساعدة. والثالثة الشوق: وهو رغبة بسبب بعد ظرف أصله النجوى وتغني المشوق لشائقه. والرابعة التيم، وهو هوم بمن لم يشعر بك بعد. والخامسة الحب وهو ارتباط بين معلومين متبادل القوة محكوم بأعراف الفداء والتكفل. السادسة العشق وهو علاقة مختلة من حبيب واحد فقط لآخر، وهو أقوى من العرف والقانون، واشد ما يكون من المرأة إلى رجل فضها. السابعة الأبوة والأمومة. وهي أقوى مراحل التآصر. وللنفور سبع مراجل أولها الغيرة والتغارم وهو تباغض مؤقت يزول بزوال أسبابه، وعادة ما يكون بين متزاحمين على سبب عيش أو ود. والثانية الكره، وهو زعل لا عدائي تزول أسبابه بالتقادم أو الانقلاب بعد أن يكتشف المتكارهان أمرا كان محجوبا عنهما. الثالثة المج، وهو تباغض دائم لكن ليس عدائي، ومبعثه تخالف الطباع. الرابعة العداء، وهو كره سمته التربص للنيل من المكروه، لكنه يزول بزوال الأسباب. الخامسة الحقد، وهو كره بتربص لا يزول بزوال الأسباب، وأغلبه موروث أو في الجبلة. السادسة الذحل، وهو حقد لا ينحل إلا بانتهاء أحد الطرفين، كالذي بين المغزي وغازيه وبين الموتور وواتره. السابعة الاحتقار. وهو أعلى مراحل النفور بين متآصرين ارتبط مصيرهما معا. وله ثلاثة مراحل أولها الاستصغار وثانيها الاستعباد وثالثها الاستنجاس. ولا يزول الاحتقار إلا بثورة المحتَقر على المحتقِر فينهيه كليا أو يسلبه مصادر قوته فيخضعه. والتآصر بحسنه ونقيضه وحيث هو بين طرفين، فسيتسم بثلاث، أولها ما بين عزيزي النفس. وما بينهما من ود أو نفور يبقى أو يزول بمبادرة من أحدهما أو بتقادم زمن ويكتم كل منهما معايب متآصره. والثاني ما بين عزيز نفس وذليل، وهذا لا يزول غالبا لأن حب الذليل للعزيز لحاجة وحاجة الذليل لا تنقطع، مثلما كره العزيز للذليل جبلة، والجبلة لا تمحى. والثالث بين ذليلين، يزول بأمر ممن عليهما أو بتغير أحوالهما، لكن لا يحفظ أحدهما للآخر ودا ولا يستر له عيبا.

 

 

26 - الناموس السادس والعشرون: الرِّماق

 

هو تأثير الإنسان عن بعد على محيطه. وهو تفاعل عيني كيميائي أو فيزيائي يحثه الرامق بالمرموق فيجعله يخلق فعلا أو يستجيب لفعل فيتساوق معه. وهو حاسة عينية عضوها شكل بيضاوي ما بين الحاجبين وأعلى الأنف وعند بدء الشعر على الغرّة ومرسلات هذه الحاسة النطق والنظر وترددات تصدر من أعلى غرة الرامق إلى المرموق. والرامق شخص قوي الملاحظة واسع الإدراك يعلم المشروطيات فيتصرف على أساسها أحيانا، أو هو شديد الحساسية للسبوق قادر على تعبير الشفرات الصادرة عن المحيط، أو هو يوحي إلى المرموق بأن فعلا سيحدث فيسيره على أسبابه ليقع فعلا. وللرماق ثلاثة تأثيرات على المرموق هي السحر والحسد والتنويم. والسحر فعل يثيره رامق قانع عزيز كريم بمرموق أما من مستواه وجنسه أو دونهما. ولا علاقة لهذا بالحيل التي يفعلها سحرة المسارح. وأول السحر التعجب ثم إثارة الحماسة والإطراب والتخيل وإعماش البصر وما إليه. والحسد تأثير من رامق حقود بخيل لا يمتلك، على مرموق من جنسه أو أعلى منه درجة وأشرف مرتبة. ولا يدخل في هذا ما يحسد الأخ أخاه عليه ولا المحب لرفيقه، من جمال أو مال أو جاه. لأن هذا الحسد أصله سحر في حقيقته، حيث يرى أن الشيء في محسوده أجمل مما لو كان عنده. وهو لا يؤثر على المحسود بله يتأثر به. وحاسد الحقد يفعل بأن ما ليس لي لن يكون للمحسود. وهو أما يحتوي محسوده مجالا فيفقده رشده، أو يسيره بإشعاع إلى ما يريد، وقد يتماهى فيه فينزع عنه ما يريد، وقد يكون ينبؤه نظرا بأن مكروها سيحصل له، فيحسب الأمر عليه. والرامق هنا يكون دائما مهموما بما عند مرموقه. والشكل الثالث للرماق التنويم المغناطيسي. وهو استطاعة الرامق اعتراض مسار ترددات النوم والأفعال العصبية لمرموقه، فيدخل عليها ويسيرها حسب مقصوده سالبا حول مرموقه أو رشده وبما لا يدخل في أفعاله اللاإرادية. ولكل إنسان رماق، يقوى عادة بضعف المرموق نفسيا وضعف دفاعه. وذو الهالة رامق شديد ولكن أقوى منه رماقا الذي يوحى إليه. وأضعف المرموقين المصعوق بالمفاجأة والمطارد من عدو والذي تتالت عليه المصائب. والرماق ليس من الجبلة، فهو ينمو بأسباب ويضعف بأسباب، مثله مثل خضوع المرموق لإيحاء الرامق. ولذا فالرماق ينمّى أو يضعف مع التدريب. فقد يقوى الرماق بالتأمل والمران، وقد تقوى مقاومة المرموق بهذين فيتحصن.   

 

 

27 -  الناموس التاسع والعشرون: الفراسة

 

ما تقرأه عن الآخر من جسده وسلوكه. وهي تبدأ عند الجنين في الرحم، وهي الأقوى عنده سوى أن معاييرها مختلفة لأن مستشعراتها هي أحاسيس الجنين وأحاسيس أمه. ومنذ لحظة الولادة تتحول معاييرها إلى معايير عالم السعي. وتبدأ الفراسة تضعف بعد الفطام لتصبح اقلها ما بين الصبا ونهاية المراهقة، حيث تقوى عليها بديهة النوع والتغيير الذي يطرأ على الجسد خدمة لها. وبعد المراهقة أما أن تبقى الفراسة كامنة ضعيفة أو يقويها الشخص بالمعارف والملاحظات. وأقوى الفراسة بين الكبار عند المتأملين من سكنة الصحاري، لقلة المعطيات أمامهم، فيتفكرون بما يرون مليـّا. وأضعفها عند الحضري ما لم يقوّيها بالعلوم. وللفراسة درجتان، العامة، وهي أن تعرف الفرد من مظاهره العامة كعاداته الظاهرة ولون بشرته وشكل وجهه وأنفه واتساع عينيه وما إليه. وهي غالبا ما تكون محكومة بالجغرافيا والجين والعرف. ومن عاش في المناطق الحارة وخط الاستواء كان داكن البشرة أسود العينين ومن عاش قرب القطبين كان فاتح البشرة ملوّن العيون. ومن عاش في أعلي جبال انتفخ منخراه. ولكل قارة أشكال تميزها ولكل شعب سلوك معين أشد وضوحا عنده عن غيره. والدرجة الثانية الدقيقة، وهي التعرف على السريرة. وهي الأخرى محكومة بالجين والجغرافيا والموروث، إضافة إلى تفاعلات الأيض فيه وما إليه. وكل شيء يجري في الجسد له شارة، وكل ما يحتويه الضمير شارة، ضعيفة أو شديدة، تظهر على العين والغرة والأذنين والخدين وطريقة المشي وتحرك اليدين. والشره يبيء الطعام، والمحزور دائم العطش والممحون ينشد نظره إلى وسط جسد جليسه، ومن ينفرد خنصره عن بقية أصابعه متعدد الشهوة، ومن ينفرد بنصره لم يشبع من حنان الأمم، ومن انفرد خنصره وسبابته تخنث، ومن التوى إبهامه إلى الخلف آثر نفسه على غيره، ورجولة المرء بوجنتيه، إن عظمتا كان به سبق تخنث، وقريرته في عينيه، ووداده بجبهته، وذكاؤه بنظرته، وشجاعته بأعلى صدره، وحقده في الجانب الأيمن لشفته العليا ومكابرته على عيب يدري أنك تعلمه بتلمسه لعنقه أو ياقته، ونسيانه بتلمسه لهامته، وخسرانه أو فشله بتلمسه لصدغه، وما إليه. ولك أن تقوي فراستك، شريطة أن تعالج بها موضوعا خاصا بك، وأن تروض نفسك قبلها على الكتمان، وأن تعتنق صادقا أن كل خلق بديع كيف خلق وأيّا كانت سريرته. فلا تتفرس لتفضح، ولا تتفرس لتعيب. فقد تلمح أثر حالة انتهت، وقد تخطئ.

 

 

28 - الناموس الثامن والعشرون:اللذّة

 

وهي أسمى إحساس للمخلوق بفعل مؤثر ليس من ذاته ولا لذاته. ومستشعراها ثلاثة أولها الرماق فتأتي الشيء بتأثير فعل عن بعد، كالتأثر بالترانيم والأذكار والغناء والموسيقى والصور والمطالعة وما إليه. والثاني الكيمياء النفسية بين المؤثر والمتأثر، والتي عادة ما لا تتعدى دائرة قطرها باعين من قياس الشخص حوله. والثالث اللمس. وتنعكس اللذة على الجسد عامة والوجه خاصة. وللذة ست درجات كل لشأنها، أولها الانشراح، وهو شعور الحرية والارتخاء وانتظام التنفس واستقامة القد، وأغلبه من السبوق وبيوت الراحة كالحمام ومن الرياضة والتدليك والسباحة، وموطنه بين لوحي الكتف. والدرجة الثانية، التجلي وهو التماهي مع انكشاف السر اللطيف. وموطنه الشعور الذي يجمع العقل والأحاسيس. وغالبا ما يكون بفعل خلوة طقسية. والثالثة الاستشراق، وهو ارتقاء النفس بسبب المحسوس آليا إلى المحسوس وعيا. وموطنه اللب الذي يجمع القلب والكبد والمرارة وما بين الرئتين. وقد يكون بفعل نسيم أو غناء إلا أن أعلاه ما كان في ليل جنوبي مقمر وفي السحر أو الضحى. والاستشراق يضع النفس على مساق العرفان. الدرجة الرابعة التمايل والرقص، وموطنه المرافق. وهو تصوير الجسد للإيقاع المسموع والمتخيل. وهو بالأصل رياضة تدليك لبعض من مواطن الانشراح وبصماته. الدرجة الخامسة الفرح، وهو الانعكاس الآلي لنيل المنى. وموطنه الفؤاد وهو القلب وشغافه. الدرجة السادسة النكاح. وهو أسمى درجات اللذة وأقصرها. وموطنه أسفل السرّة عند المرأة وعند الرجل حول منظم الحالبين. وأعضاؤه معلومة. وكل درجة من اللذة ترقى أو تقل بالمؤثرات الإضافية كالخمر والترياق التي تقلل تأثر المعني بغير مشاعر اللذة، والموسيقى التي تضع الجسم على تردد الموجة المعلومة للاسترخاء. واللذة مشروطة فتحل بأسباب وتزول بزوالها والإشباع. وهي فعل لا ينفع لذاته إنماه شرط لهدف أو فعل يليه. وهي فعل بدأ وعيا وآليا ثم تأصل في النفس والجسد فصار من معاييرهما وحاجتها. فالنجوى قد تقال شعرا، والشعر لا ينفع ذاته، لكنه صار حاجة. والنكاح آلية التخصيب، طغت على مبعثها فصارت أصلا. وكل لذة جميلة مع القريب، وخصوصا الزوجة أو العشيقة. وكل لذة تجمل مع الرقة والخضوع للمعشوق متى حتمت والقسوة متى تحتمت عند الاختلاء. فالفرس تطرب للصفير وتخنع لحافر الحصان. لا تدنس اللذة بالمعايير ولا تنقصها بالاعتبارات، بل أشبعها طالماها لا تنتقص من شأن غيرك.

 

 

 

29 - الناموس التاسع والعشرون: العادة

 

ما تحبب تكراره إليك عندك فأسرك وتحكم بالسلوك فلا توقفه إلا بقاهر. والعادة ذاتية تخص الشخص وحده أو مجموعة أشخاص أو قوم. وهي مشروطة بما يحدث من تفاعلات أيضية وفيزيائية داخل الجسد، ومشروطة بالموروث عموما والمكتسب. والموروث في العادة أما جينا أو وعيا، والمكتسب فيها أما من الجغرافيا والتعايش أو الارتقاء في العلم والمجتمع أو الارتكاس. وقد تتغير العادات بتغير القناعات وخصوصا العرفانية. والعادة ضمن بديع الصنع وكماله أما في ذاتها أو في معكوسها. فالحسناء التي تعودت الدمث والبشر، ترقي بديع الصنع إلى تمام الكمال. بينما الذي تعود فقدان الوعي بسبب الخمر والترياق وغيره، ينقص الكمال بعين الناظر إليه، فيتبصر منه، فيتجنب السبب، ليعيد البديع إلى كماله. أي عملت العادة هنا كأداة تشذيب لكمال البديع. وللعادة خمس درجات، أولها الهوى، وهو الرغبة المسيطر عليها نحو شيء أو بعمل شيء، فتأتيه مرة أو اثنتين ثم تهجره على ود وتحيله إلى الذكريات. والثانية الغرام، وهو أن تمارس العادة سرا وتنكرها أو تبرؤ منها علنا. ومنه أيضا أن تفعل العادة ثم تستنكرها ثم تعود وتفعلها وتستنكرها وهكذا. والثالثة التساوق، وهو إتيان ما تحكمه الرغبة عليك جهارا بتبرير أنها جبلة وعلى الآخرين قبولها. والرابعة الإيغال، وهو إتيان ما تحكمه الرغبة جهارا دونما تبرير أو حياء. والخامسة الشذوذ حيث تستعبد العادة المعتاد فتنفلت من عقالها وتفلته معها فتحلله عن الأعراف والشروع لتجعله بمصاف المنبوذ. والعادة سلوك يؤثر على محيط المعتاد ويتأثر به. وخير العادات ما ينفع الغير كالكرم والعون والنصرة والإثرة وما إليه. وأهونها ما لا يؤثر عليهم كالغناء في الحمام أو التفكير بصوت مسموع والسير خلال النوم وما إليه. والعادة سبب قاهر ضعف أمامه المعتاد فساقه. فلا تشن المعتاد ولا تحسب عادته سبّة عليه. وكما لك عادة فلغيرك أيضا، فعامل عادة غيرك بما تعامل به عادتك. وما تراه من الغير خارج العرف تجاهله، ما لم يخرق قانونا أو شرعا أو يضر أحدا، وانصح متى كان ذلك ممكنا. والأصل أن لا تخجل من عادتك ما لم تضر غيرك أو تخرق العرف والشروع. والفرع أن تكتم عادتك أو تسترها ذميمة كانت أم كريمة. وخير علاج للعادة الذميم ترويض النفس على مكارم الأخلاق والـتآمل والانشغال بعادة نقيض.

 

 

30 – الناموس الثلاثون: القسطاس

 

وهو ميزان العرف والموروث والسلوك الوسط وما عرفته النفس من معايير الإنصاف والعدل والجرم. وهو موقع عيني، يكون عند البشر تحت العنق بين الترقوتين، وعند الفقرات الأبرز خلف العنق. وهو الأشد تحملا في الجسد والأرهف تأثرا. ومكوناه هما الكاهل والضمير. والكاهل هو فعل المحيط نفسيا عليك، والضمير هو رد فعلك النفسي على المحيط. والقسطاس جبلة وبداهة ثابتة الإطار والمضمون، وقد يتغاير جزئيا بسبب الأعراف. والمرء في عالم السعي الذي أحد سماته التزاحم والتضاد وما ينتج عنهما من اختلاف السرائر، لذا لن يحبك كل الناس وينصفوك ولن تنصفهم وتحبهم جميعا. ولن يُُسأل المرء عن حبه للناس إنما عما جعلهم يحبوه أو يكرهوه. فإن أحبك أكثرهم فقد كفوك نصف العناء، حيث لابد وفعلت ما آلفهم عليك. ويبقى النصف الثاني من العناء وهو أن تبقى التآلف أو تطيله ما استطعت. وهذا بأسباب أولها أن لا تركن إلى ما صنعت وتتكل عليه كضمان لك عليهم. ومن صلى وصام وحج وقام ثم ظلم الناس مفترضا أنه قد كسب الجنة انقلبت عليه. والسبب الثاني الإدراك أن الناس متقلبون بتقلب الظروف عليهم، فلابد من مداراة أو مجاراة هذا التقلب بما لا ينقصك بينهم أو يقلل من شأنك. والثالث أن الناس ملولون فتأتي ما يغير الملل بالتحديث. والرابع الاجتهاد فهو الذي أعلاك عليهم أو آلفهم عليك ولابد أن تأت دائما بالجديد المفيد وتبقي التفرد لصالحك. ومن الفعل النفسي عليك وردك عليه تحدث الشرور وتزهق النفوس التي حرم الله قتلها بغير القساص. لذا،  فإن لم تكن منفذا لقصاص أو دارءا لظلم دافعا غزوا ومقاتلا لأجل تحرير، فحكم قسطاسك بالأمور على ثلاثة موجبات، الأول أن تضع نفسك موضع الذي تستهدفه تبصرا إن كنت ستتحمل ما تنزله به ظالما. تفكر بحال طفلك اليتم وأرملتك لو كان مستهدفك الذي قتلك وليس العكس. أنظر إلى حرمك لو كان هو المستباح أمام الناس. تفكر بحالك لو كنت أنت المسروق المُصادَر المال وبقيت بلا معين. الموجب الثاني أن تمرّن قسطاسك دائما على الحق مستقا من الشروع والقانون والأعراف والقناعة. فهي ميزان طورته البشرية وليس لك أن تتخطاه. والموجب الثالث أن لا تروض قسطاسك على شيء، فلو روضته على القسوة أو اللين، خسرت حساسيته ولم يعد صالحا للقرار. فهو حاكم إن قسى بحكمه أو لان، فمنصفا ولا يحكم المروّض، وإن حكم فلا ينصف. 

 

 

31 - الناموس الواحد والثلاثون:القيمة

 

دلالة المنجز المتاح. وهو ضمن الوفرة التي هي محتوى سطح الأرض من تراب وماء وهواء وما ورد إليها من الفضاء فصار منها. وسطح الأرض متعادل يحتوي الشيء ونقيضه والسم وبلسمه. وبالأسباب نفصل بين النقيضين وبها نفصل بين المحيي والمميت والنافع من الضار. وتركيب جسم الحي من التراب، والتراب ضمن دورة أزلية على سطح الأرض، ينزل إلى باطنها بسبب الالتواء وما إليه، ويتحول هناك رسوبا ثم حمما تخالط غيرها وتعود هي أو بدائلها إلى السطح مع البراكين والالتواءات، ثم تتحول حجرا، ثم تتفتت بالتحات لتعود ترابا وهكذا. وما يصل الأرض عبر النيازك والشهب وجسيمات الإشعاعات الفلكية وضوء الشمس والنجوم، يفوق ما تفقده عبر التبخر الأثيري إلى الفضاء. والزيادة تحول إلى طاقة لحركة الأحياء عليها والجماد. لذا فميزان الطاقة عليها ثابت متساو. والأرض خلقت غنية أصلا مكتملة الحاجة والعناصر ولا تحتاج لغير ضوء الشمس وطاقتها، وهو متاح. وهي تكفي وكفت لعيش من عليها هانئا راغدا مذ بدأت الحياة عليها بفيروس حتى صار بعضها إلى خلقة عظيمة حجما وطويلة عمرا. ولولا الوفرة لفرضت المشروطية أن تكون الأحياء صغيرة تنتشر ليكتفي كل منها بالقليل الذي حوله. والأرض باقية على غناها ووفرتها التي خلقت عليها، وكل ما عاش عليها ومضى، بقيت عناصره عليها. والله سبحانه شملها بالميزان، فلو رجحت كفة الاستهلاك فيها عن الحد، أو جزرت أعادها إليه. ولو زادت الغاب عن الحد احترقت، ولو تراكمت الأموال في المصارف انهارت، ولو تصحرت في مكان مرجت في آخر ولو قل أوكسجينها أتاه من البحر ولو زاد امتصه البحر وهكذا. ولكل هذه قيمة إنما القيمة عند الإنسان للشيء الذي ينتجه. وتحددها عنده سبعة شروط أولها ندرته، فالمتوفر دائما أرخص من النادر، والشرط الثاني هو الجهد المطلوب لإنتاجه، وكلما زاد العمل المطلوب زادت القيمة والعكس بالعكس، والثالث الجهد المطلوب لوضعه قيد الاستعمال، حيث كلما زاد الجهد زادت القيمة، الرابع موقعه من الموروث، حيث الشيء الذي يقدسه العرف، كالبخور مثلا، أغلى من غيره حتى لو تساوى في الشروط الثلاثة أعلاه. والخامس مقدار الحاجة إليه، كلما كانت عالية غلا الثمن لكن إلى حد معين ويثبت. والسادس أثره على المحيط، كالدواء كلما كانت فاعليته أكثر غلا ثمنه، وإن سهل إنتاجه. والسابع موقعه في إنتاج غيره، كالمواد المشعة والمعادن الصلبة للحفر وما إليها.

 

 

32 – الناموس الثاني والثلاثون: النبَض

 

هو تقلّب الأحوال. والنبض شرط لتمام الكمال. فلو كانت كلها نعيما، أو كلها جحيما، لصارت معتادة ومُلـّت. والنبض مشروط بخمسة أسباب أولها السعي، الذي لا يتساوى بين المعشر الواحد وبين المعاشر، وكل له سرعته وزخمه، فلا تكون نتيجته واحدة بل تتراوح بين مد وجزر وما يتبعهما أو ينتح عنهما. والثاني تغير الأعراف، فيصبح ثابت اليوم متغير الغد ومنكور اليوم ذوق الغد وديانة اليوم أسطور اللاحقين. وكل عرف ينتظم عليه سعي يتغير بتغيره. والثالث الترحال عينا وزمنا. ومن ارتحل مجبرا تغيرت أحواله في الأرض الجديدة، ومن تقدم به العمر كذلك. وسير الزمن يغير معطيات السعي. والرابع الطالع، وهو كل ما يبتدرك فتحسب ما تلقاه بسببه. والطالع مشروط سوى أننا لا نرى أسبابه أو نتحسسها. فتغير الأفلاك ونشاط الشمس ومرور مذنب، فلكل هذه تأثيرات حثية عينية على المناخ والسعي والنفوس. كذلك التأثيرات الصغرى كالنسيم العليل أو الصرصر أو مشاهدة وجه بهي أو اعتراض ما ترسخ بالعرف وكأنه طالع شؤم لطريقك، أو سحر برماق عليك. كل هذه تغير النفس فيتغير معها السعي ليرتكس فهو شؤم، أو ينشط فهو خير. والسبب الخامس ردود ما فعلت، فلو أتيت جرما تعاقب عليه، ولو أتيت إحسانا تثاب عليه فيتأثر السعي. وقد يكون الرد آنيا وقد يتأخر بواعز أو تربصا فاعمل الخير طبعا لا منة ولا تنظر الرد أو تستعجله. وتجنب الشر، وإن أتيته طوعا أو كرها مرة، فسأل الله الرفق أن يعاقبك حين تستطيع تحمل العقاب. وأن يعجله في الدنيا ولا يبقيه على ما بعدها، فهناك العقاب دائم والثواب دائم، ولا مجال للتوفيق دون شوء الله. وما طالته يداك من الأسباب فغيره كأن تبش وتدمث للغير فلا يلاقوك بغير البشر الذي ينشط سعيك. ولا تأت جرما فتحرم من السعي الحر، وإن أتيت مجبرا فلا تفجر ولا تشتمل وليكن الرد على قدر الفعل ما لم يكن ذاك درأ لغزو واعتداء. وإن حدث ما كرهت فجيره، قدر الاستطاعة. فإن أمطرت لا تحرث بل تفحص بذورك وهيأ عدة الحراثة والبذار. وإن خرجت الأسباب عن الحول فاحتط. وما كان يتبع الزمن من الأسباب فتربص. فالفرص تمر مر السحاب فانتظر لأن السحاب عائد وإن بشكل آخر أو بعد عام. وما حسبته مضى يعود ثانية. وإن كانت لك فاشكر وترفق بمن هي عليه. ولا تبطّر فإن دامت وأقبلت فمنة من الله. وإن كانت عليك فتصبّر وتريث ولكن تربص أيضا.

 

 

33 - الناموس الثالث والثلاثون: التملـّـك

 

التملك هو ماعون الحياة. وموطن إحساسه العام تحت الحنجرة ومقدم الهامة، إضافة إلى مواطن مباعثه. ومباعث التملك خمسة أولها الادخار، وهو الاحتياط على المجهول بما يضمن الاستمرارية. وموطن إحساسه خط ما بين أوسط الصدر ومبتدأ العجز. وهو محمود، ولو استطعت فادخر حتى بالقليل. والمدخر يتعصم كثيرا أو يعتزل الناس. والمبعث الثاني للتملك هو الغيرة وهي التحسس العدواني مما يمتلكه القريب منك. وموطنها خلف الوجنة تحت مؤخرة العين اليسرى من الحي. وهي أكثر ما تكون عن البشر والفقريات العليا، وفيما يخص الحظوة وإخفاق في العشق لصالح الغريم. والمبعث الثالث الحسد وهو التحسس المصحوب بالتظلم والشكاء مما يمتلكه غيرك عموما، القريب منهم أو البعيد. وموطن مستشعره طرف الحاجب الأيسر الداخلي إلى أعلى الرمش. والمبعث الرابع التميّز، وهو أن تعلو الغير بفارق ما تملكه. ومستشعره أعلى الكتفين. وهو محمود طالما تجريه بالسعي والتحصيل. الخامس الاستحواذ، وهو أن تمتلك ما عند الغير بقوة. وهو ذميم لأنه تعد على ملك الغير، ما لم يكن على بور أو تركة بلا مالك. والسادس، الجشع وهو الاستحواذ بقوة على ما عند الغير وبما فوق طاقة المباعث الخمسة أعلاه، وهو أما لخوف مبالغ من مجهول أو لحرمان متوارث. وأكثر الجشعين عبد تحرر أو فقير استغنى بلا تعب، أو محتل يعلم أنه مطرود مما احتله. وهو منكور ومكروه أيا كان، لأن به يستحوذ من لا يستحق على ما يجب أن يكون لغيره، وبسبب الجشع يفقر هذا ويستغني ذاك. والتملك يقوى بثلاث ويموت بثلاث. يقوى بالحرص والسعي والحساب، ويموت بالإهمال والاتكال والتبذير. وكل مالك أما كريم يعين الغير بحساب ووداد بغير منة، وأما بخيل يقبض يده خوفا ويمنع الماعون. وحيث كل هذه المباعث من السعي وتعتمد عليه إجمالا لذا فالتملك بمباعثه وقوته وضعفه وصنفيه أغلبه اكتساب وأقله طبع. وهو إذن ميسور لمن يسعى ممنوع عن القاعدين. والخير أن ينظم التملك بقانون فلا يمتلك ذو القوة أضعاف ما يستحق من سعيه، ولا يخسر الفقير من قيمة سعيه كثيرا. هذا، شرط أن لا تحد من التملك فتحد من السعي ذاته ليتوقف تطور المجتمع أو يصاب بالركود. وخير القانون ما يجتزئ من أثره وحسب. والمجزوء يخصص للدولة وإلى من لا قدرة له مريضا كان أم عاجزا أم عاطلا مؤقتا أو دائما.

 

 

34 – الناموس الرابع والثلاثون: الحرام

 

المقدس وعيا فلا تخرقه ولو تحررت من القيود. والحرام هو التابو له سبع درجات كلها جبلة وأعلاها وأشدها التوحيد. والله واحد أحد فرد صمد، معبود لأنه أهل ومستحق لذلك. والتوحيد جبلة ونحن موحدون وإن اختلفت صورة الذات التي نوحد. والله مستغن عن إشراك عبده به أو توحيده، ولا يحجب عنه رحمته أيا كان. ولأن التوحيد هو حاكم السرمد وأجزائه ومنبعه من وحدة الديدان والصنع، لذا فالإقرار بالربوية وتوحيد الرب جبلة مقدسة إن تغيرت مضمونا فليس جوهرا. فكل من عليها يعبد ذات واحدة، أعددها بنواميس خلقها أم أفرد. والملحد إنما يعبد ذات يعطيها اسما أقل شأنا. والتابو الثاني درجة هو الوطن، ولا شيء يكبره سوى الله سبحانه، وكل الأشياء دونه من المخلوقات. منه بدأت وإليه تعود، فحرمته الأكبر عليك بعد الله، سوى أن الله سبحانه يدافع وينتقم بينما الوطن قد أوكل هذه إليك. فلا روح أغلى منه ولا ملك. التابو الثالث الرحم، وهو طهر الأطهار ومنبع القرابة والصلات. فصلته جلبة ومقدس عليك بما ليس على حساب حق أو مشاركة بجرم. التابو الرابع الخبز. وهو كحليب الأم قدسا على الأرض، سوى أن حليب الأم متصل لا يوجد بدونها لذاه محفوظ في ثدييها فلا يتعرض لامتهان، بينما الخبز منفصل عن مصدره. وهو ملاك ورمز لملاك، فأزله عن الطريق فلا يداس، أو ارفعه إلى حيث تراه الطيور والحيوان. لا تدعس خبزا عامدا أبدا، وإن فعلت سهوا فتكفـّـر. التابو الخامس الدين الذي ولدت عليه، فهو رسالة من باعث هو الله سبحانه عبر مبعوث نبي اليك. وكل دين مقدس وإن اختلف مضمونه وتغاير محتواه. وكل دين طريقة عيش وعبادة، قد أثبتتهما الأجيال، وما من دين كان غلطة لأنه يفسر التوحيد. فأي دين نشأت عليه فواصله واعتنق محرماته واعمل بأومره ونواهيه ولو غيرت فمن السابق إلى اللاحق. المقدس السادس العرف. وهو تقاليد قدمت فترسخت وصارت ضمن منظومة الدفاع الشخصية والقطيعية. وكل تقليد منفعة طالماه لا يضر جسدا ولا يكذب منزّلا ولا ينقص التوحيد. فلا تخالف العرف وإن رقيت عليه وامتنعت عن ممارسته، فتستر. التابو السابع القانون الوضعي. وأصل كل القوانين رسالات أو فلسفات أغنتها البشرية فبنت الدول والحضارات عليها فهي إذن طرق بناء وصيانة مجتمعات وحفظ حقوق لابد من تقديسها. والتابو محكوم بالموروث والجغرافيا وحال التطور. لذاه قد يتغير شكلا أو يختلف مضمونا لكن ليس جوهرا من حيث هو محرّم.

 

 

35 - الناموس الخامس والثلاثون: الإسطقص

 

المختصر العددي لمرموز قناعة الوعي بمصدر الإجابة على الأسئلة الكونية. وللاسطقص عشرة أوجه، أولها هو أعلاها درجة في العرفان وأرقاها في مستوعب الإدراك. وآخرها العاشر وهو أقلها في الاثنين. وفي الوجه الأول من الاسطقص أن يقتنع الوعي راضيا مطمئنا بوحدانية صانع السرمد الواحد ومن ثم السرامد كلها. فإسطقصه هو الواحود، ورقمه واحد الذي غالبا ما يشار إليه بالسبابة. وملتزمه يعبد الله واحدا أحدا لا شريك له في خلقه، هو المصدر وإليه المنتهى. والوجه الثاني هو قناعة الوعي بأن للصانع نظير نقيض وإن أقل قدرة لكنه يشاركه التأثير والفعل وما يتبعه، فهذا هو الثانون، ومنه الإيمان بأن محرك السرمد هو الله والشيطان، أو الخير والشر أو الشيء ونقيضه والأصغر الأكبر، والأسود الأبيض، ومذنبان متحاضنان. وهو أقل درجة في عرفان الله. ويمثله الرقم اثنين بمشاركة الوسط مع السبابة. ثم يلي هذا إيمان الوعي بأن الخلق كله من ثلاث، خالق ومخلوق وإخصاب، وموجب وسالب وتعادل، ولوغس وإيروس وبرودس. فهذا الثالثوث. فمنه الإيمان بالله والابن وروح القدس وسيط التخليق المخصب، أو اللاهوت والناسوت ووسيط الاتصال. وإشارته ثلاث نقط كرؤوس مثلث. ثم الإيمان بأن الخلق من أربع، خالق ومخلوق وإخصاب وسيط الخلق ومادته. وهذا هو الرابوع، ومنه رابوع الماء والهواء والنار والتراب. ورابوع الجهات شرق وغرب وشمال وجنوب، التي لابد وفي أحدها مصدرا للخلق أو الديمومة، ورابوع النحلة والحية والعقرب وقرص الشمس، وإشارته الأولى الصليب. ثم الخاموس، الذي يقتنع بالخالق والمخلوق والإخصاب ومادة الخلق وسبب التخليق. فهو لا يرى الخلق عبثا وإنما بسبب. ومنه خاموس النار والتراب والهواء والماء والسماء التي تمثل جهة الإرادة، وإشارته كف اليد اليمنى. ثم السادوس، الذي يعتقد أن التخليق محكوم بهذه العوامل الخمسة إضافة إلى الجبروت، ومن صوره سادوس النجمة. ثم السابوع وفيه يضيف الوعي إلى هذه العوامل الستة ما يكتسبه التخليق من سعي المحسوس في السرمد، فهذا هو السابوع، وأبهى صورة النجمة السباعية. ثم الثامون، والذي يضيف إلى هذه العوامل ما يجري في عالم الغيب بالتراكم فيضيفه إلى التخليق، وأبهى صوره نجمة عشتار الثمانية، ثم التاسوع، ويضيف الفناء إلى ما سبق ورمزه السنبلة. والعاشور يفصل ما بين الظواهر ويعتبرها تعمل منفرة وإن تحت إرادة جامع واحد وهو سيد مجمع التكوين ولا رمز له.

 

 

36 - الناموس السادس والثلاثون: النازع

 

رد فعل على تملك أو فقدان. وله شكلان، الأول هو الفرح وهو ردفعل التعبير عن التملك الجميل، وموطنه ما بين الكتفين وأعلى الجبهة، والثاني الحزن وهو ردفعل التعبير عن الفقدان، وموطنه ما بين الحجاب الحاجز والمعدة. ولردة فعل الفرح أربع درجات الأولى الضعيفة وتظهر على ملامح الوجه فيصبح وتتسع العينين وترتفع نهايتي الفم وينكمش الأنف ويرتفع الرأس قليلا، والثانية المتوسطة وتتكون من ملامح الدرجة الأولى مصحوبة بالنشاط وود الآخرين، والثالثة وفيها ومع هذه الملامح سيجهر الفرحان بمشاعره كالاسترسال المفعم بحديث أو ضحك أو غناء. والرابعة الأشد، هي البطر، وفيها مع كل الملامح السابقة يفترض الفرح أن ما كان له فقط دون غيره وأنه عطية مخصوصة لن تردها الأيام فيتبطر على المحيط. وأول درجات الحزن الضعيفة وتظهر على الملامح بعكس ما ظهرت في الفرح، حيث تضيق الحدقتين ويهدل الأنف وتنحني نهايتي الفم إلى الأسفل مقارنة بأوسط الشفة. والثانية المتوسطة وتظهر على الملامح مصحوبة بالوجوم وهفوت النشاط. والثالثة الشديدة وتظهر مع هذه العلامات مصحوبة بالاجهار بالحزن، أما نعيا أو بكاءً. الرابعة، الجزع وهو ظهور العلامات أعلاه مع الافتراض أن ما ذهب لمن يعود وما فقد لن يعوض وما فسد لن يصلح فيعلو سلوك الفجيعة عنده ناسيا المحيط. والأصل أن لا تكتم الدرجات الأولى والثانية وحتى الثالثة من النوازع وتخفي البطر أو الجزع، إن خانتك السيطرة. وإن جاهرت في الاثنين أو الثلاث درجات، فلا حرج شرط أن لا تكلف غيرك ما لا يستطيع ولا تجبره على المجاراة. وإن كان النازع عند غيرك فداره بالمستطاع. فإن لم تستطع فابتعد وإن لم تبتعد فلا تظهر المقلوب. لأن الدنيا تدور، ورب ما نزل عليك نزل لاحقا على غيرك فتكون بحاجة إلى ما كان غيرك يحتاجه منك. وكل مفقود يعوض أو ينسيك الزمن الحاجة إليه. وكل متحصل يفقد أن ينسيك الزمن أهميته مقارنة مع فقده. لأن الأصل السير إلى الاعتدال والوسط، والمتحصل ما يطال المجتمع كله، والمفقود ما يفقده المجتمع كله. وقد يفقد واحد بينما يكسب الجمع، وقد يكسب واحد بينما يفقد المجتمع. والبكاء حاجة مثلما هو دليل حزن وفرح، والضحك حاجة مثلما هو دليل جزع وبطر. وكلاهما حاجة للنفس لابد وأن تؤمنها، وإلا فعلتها في الحلم والطيف. إنما لا تبالغ فيهما لأن المبالغة فيهما تسقطك.

 

 

37 - الناموس السابع والثلاثون: الحريّة

 

جبلة التخلص المشروط من القيود. وهي أغلى ما للكائن من المتاحات. وأعظمها عند بهيم البر والبحر والطيور. وعند البشر تتدرج فتكون الأعلى عند المجانين ثم بعدهم البدو ثم الفلاحين ثم يأتي الأقل وهو سكان الحضر. وأقل الحرية داخل الأحزاب والجيش. وموطن الحرية الكاهل وأعلى الصدر. وهي تستشعر منذ المراحل الأولى في الرحم. وأصلها أن تكون كيف شئت شريطة أن لا تؤثر على أحد. ومباني الحرية سبعة، أولها المساواة، وتنبع من حق النفوس في العيش كما خلقت. وقد خلق الله الأحياء بلا استثناء أحرارا، ولتواصل العيش أحرارا، وأي إخلال في هذا لا يجوز. وثاني مباني الحرية هو العدل ولابد من التمتع بالمتاح سوية وسواسية. وما حوته الأرض ملك الجميع ولابد أن يبقى هكذا بلا حرمان أحد لحساب آخر. وما يحق لأمة يحق لغيرها وما يحق لشعب يحق لغيره أيضا. والمبنى الثالث لها هو المجال الحيوي، الذي بانتهاكه ينتقص من فاعليته الذاتية. وأي ضغط على الحي يقلل من مجاله الحيوي، لذا يكون رد هذا المجال بدفع الضاغط أو التخلص منه. ومن لا يكون حرا في مجاله الحيوي تربص ليرد. والرابع هو فوبيا القهر. والقهر هو التحكم بالآخر عنوة، مما ينفي مبنيي العدل والمساواة. وكل نفس تأبى القهر وإن تاقت لممارسته على الآخرين. والخامس النسبية. فهي لا تشعر خارج القطيع. وهذا من جواهر سموها. فلا معنى للحرية عند المتوحش لأنه لم يعرف نقيضها، ولا حاجة له بها لأنه لن يشعرها. والسادس السيطرة الذاتية. أي أن تعرف أية حرية تريد. فلا يكفي أن تتصرف كما تشاء، إنما أن تتصرف حسب معايير محيطك. فلك الحق أن ترقص عاريا في الأسواق، لكنها ليست من معايير المحيط. السابع أنها مقنونة، فما عندك أو تهدف إليه منها مشروط بقانون هو أن تتمتع بها بقانون وشروط. فمن يسلب حرية غيره سيكون أسير ما سلبه فيصبح عبدا ولكن لفيض الحرية. وأجمل الحرية في الاختلاء، وليس التوحش. وحرية العشائر والبلدان لها مباني حرية الفرد ذاتها. وما يقابل المجال الحيوي فيها الحدود، وما يقابل المساواة حق الاستقلال وما يقابل العدل والمساواة حسن الجوار والعلاقات الخارجية، ما يقابل السيطرة الذاتية الاعتراف بالقوانين الدولية وهكذا. وأجل الحرية استقلال الوطن وتحرره. وبها تستكمل الحرية معانيها وهي أصلا تشتمل حرية الفرد والعشيرة وكل المحيط. 

 

 

38 – الناموس الثامن والثلاثون: الملَكات

 

ما يميز الفرد عن غيره في التماهي مع المحيط. ولا حصر للملكات وكل حي قد وُهِب ملكة أو أكثر، تكمن أو تظهر مبكرا، وقد ترافقه طوال حياته وقد تختفي في مرحلة ما إذا لم تجد ما يغذيها أو يجددها. والملكة تبنى على ستة موارد أولها الموروث. وكل ولد وريث لملكة أحد والديه. وكل ما يمارسه الحي لعشر سنين فما فوق يتحول إلى موروثه الملكاتي، فينقله إلى خلفته جينيا. والمورد الثاني فترة الحمل. فالجنين يسمع ويرى ويعي ما يدور منذ الأسبوع الأول له في الرحم، وسيتعايش مع ملكة أحد والديه أو مجموع عائلته ويفهم أسرارها مما يسهل ولوجه لها بعد الفطام. المورد الثالث البيئة. فطبيعة التربة أن تكون غنية بعنصر ما ينمي أو يقلل الملكة، وكلما نقى الهواء والماء زادت الملكات، وكلما قلت أملاح الماء مثلا عن مستواها الحيوي قلت الملكات. وكلما زادت وفرة البيئة قل السعي للعيش فضعفت أو انحسرت ملكات التعايش وزادت ملكات الفكر وبناء الحضارة. وفي بيئة الشظف الصحراوية عادة ما تقوى ملكات التأمل والاستشراق ليلا خصوصا مع إشراقة القمر. الرابع التخالط. وأكثر الشعوب ملكة الذي يحتوي الوافدين والهجرات. الخامس التربية، وكل من خالط قوما فهم أو تعلم ملكاتهم. السادس البحث. وهو ينمي الملكة، وخلاله أيضا تظهر ملكات كانت موجودة أو نمت منه. ولكل ملكة موطن بصمة، فالعازف المبدع موطن ملكته ما بين عاتقه ومؤخرة هامته وغالبا ما يصبو بنظره إلى الأمام المجهول. وموطن الفطنة نقطة إلى جانبه تصبو إليها عينه خلال المحادثة والتفكير. وموطن الذكاء شحمة على جانب الرأس خلف وفوق الأذن اليسرى. وموطن النباهة مثلها على الجانب الأيمن. والرسام بصمته بين عينيه. والفيلسوف نقطة في أعلى أنفه. والمقاتل الجسور بصمته في شيء كشرر يظهر بين عينيه، والمحتل لمعان في بؤبؤ عينه اليمنى، واللص اتساع في الحدقة، والشديد الشماتة نقطة فوق عاتقه، والشديد التجسس نقطة على الجانب الأيمن من رأسه تكمل مثلثلا مع عينه وأذنه، وشديد العدوانية نقطة في أعلى كتفه الأيسر، ومدع العلوم والخبرة تجهُّم الوجه. والخبير تفحص بوجه المقابل، والحافظ نقطة خارج أعلى صدره تحت الذقن مباشرة، والشاعر انشراح على وجهه. والمدعي للملكة بصمته في جمود ملامحه أو تعاليه، والمتكبر في أنفه. ولكل ملكة وإن سلبية، مقام وأوان، إذا لم تجتزه فلا ضير. والملكة ملك محيط ومجموع جعلت في فرد، فقدم الناس على نفسك وانفعهم في ملكتك.  

 

 

39 – الناموس التاسع والثلاثون: التسيير

 

تحكم السيد بالمسود. وأصله أن ينجز المسود ما أراده سيده له من معنى. وله خمس مراحل أولها في الجبلة. فالشيء يُصنع، والحي يولد، والكون ينشأ، وكل فيه برنامج عمله ومفاهيم أوليه فيه عما يغني عمله أو يفسده. ونفس الحي ملهمة بما يؤذيها ويفسد معناها وبما يغني معناها أو ينميه ليعمل على أتم وجه. والحي مجبول على طلب الطعام عند الجوع والسعي عند الحاجة وطلب العلاج من ألم، والتظلم لغبن والخوف من هول واتقاء الضرب والعطس دفاعا عن مجاري التنفس والتثائب عن النوم في غير محله ووقته،، وما إليه. وكل هذه أسس تديم وجود المسود وتقوّم معناه لينجر ما أرادع له السائد على خير وجه. وهي إذن من رغبة السيد الصانع ومن أصول تحكمه به. والمرحلة الثانية من التسيير، هي البعوث. ويرسلها السيد الأعلى كلما خرجت النفس عن طورها أو كلما ضعفت جبلتها خلال السعي أو كلما استجد له أمر فأبدى عليه. والبداء من آلات السيد على مسوده، يغير فيه ليغير معناه حين يشاء. وسبحانه البادي الذي لا تسبر حكمته. والمرحلة الثالثة، البحوث. وهي نتائج علوم يتحصلها العبد في سعيه، فيطوع ما اكتشفه منها ليستفيد أو يستقوي، ونتيجة ليديم معناه ويتمه على أفضل وجه، لصالح السائد. والرابعة القانون. وهو إطار وضعي لتنظيم السلوك، وهو ضاغط مكروه لا تطور بلاه. وقد يكون من فلسفة أو وحي أو أعراف. وحكمه ثابت وجوهره متغير. فأطعه طالما فرضه عادل عليك، أو أقره إجماع، أو طالما جئت حيث يحكم زائرا وإن خالف كليا أو جزئيا ما نشأت عليه. والقانون ضرورة ومعيار منذ نحا الإنسان إلى التنظيم. وهو جوهر الحضارات وضابطها وهو أساس العدل والمتحكم فيه. وحيث السيد الأعلى هو الله سبحانه، فلا طاعة لما يعارض مشيئته ولا لجائر يغتصب حقا من عباده. والمرحلة الخامسة الجزاء. وهو آخر المراحل وأشدها أثرا. وفيه يقتص من الناكث الخارج جزئيا أو كليا بتحذير أو غرم أو حرمان من حرية أو حياة. وقد يكون على فرد واحد وقد يشتمل قرية أو مجموع. إلا أن ما يجري على الدنيا أو الكون أو السرمد من دمار أو تغيير مهول فهو ليس عقابا إنما طيّ أو كارث ضمن جوهر الديدان. وخير الجزاء عاجله لتتخلص من همومه. وليس التسيير خطلا ولا قهرا، إنما تجاوب لمسير مع المسيَّر محمود وضرورة، كحاجة القوم أبدا إلى قائد أو ملك أو مفكر.  

 

 

40 – الناموس الأربعون: العقود

 

مواثيق العلاقات. ولها سبع درجات، أولها المجبولة وهي موروث شخصي كلا ونتيجة التعايش جزءا، كأن تحب الأم وليدها وتربيه وتغذيه حتى يكبر، وأن يحترم الزوجان بعضهما البعض ويكوّنا خلفة للمجتمع ويتكفلان بمعيشتها، وأن يحترم الابن والديه والتلميذ أستاذه، ومثلها ما تفرضه العلاقة بين حبيبين ومثلها ما بين البهيم ومالكه. والقاعدة أن تلتزم أو تتخل، وعن البهيم أن تكفل له عيشه أو تطلقه. والدرجة الثانية الضمنية، وهي أيضا موروثة في الطبع كلا ونتيجة للتعايش جزءا. وتتأسس على اقتسام الوفرة والموجود بين المجتمع حسب أعرافه وشروعه. فلا ينافس الجار جاره على محتويات بيته ولا يسرق أحد مما عند غيره، وأن يقري الضيف ضيفه ويحسن الضيف التصرف في دار مضيفه. والقاعدة هنا أما أن تتبع العرف أو تغادر المجتمع. والدرجة الثالثة من العقود هي الالتزامية، وتكون بكلمة من الملتزم أو قسم على عزيز إلى الملتزم به أو إليه. ومثل هذا ما يكون بين الجماعات السرانية والأحزاب. وقد تؤطر بقانون عقوبات للمخالف، إنما القاعدة هي أن تلتزم طائعا أو تغادر طائعا. والدرجة الرابعة هي العقد الاجتماعي، وهو الأعراف والتقاليد التي تسير المجتمع كله وتحكم تطوره. وهي لا تكون مكتوبة مطلقا، كطاعة المأمور لولي أمره والمحكوم لحاكمه. والقاعدة أن تطيع وإلا فتحترم وإلا فلا تعارض فيما لا يضر المجموع، وإلا تعاقب. والدرجة الخامسة من العقود هي الروحانية وهي ما يتأسس على التابو وشروع الرسالات السماوية التي تعتمد العقاب الأخروي للضبط والتنظيم. والقاعدة أن تلتزم علنا وسرا، وإن خالفت فسرا. والخير في الالتزام سرا وعلنا وفيما لا يتعارض وإنسانيتك أو ما تعودت ونشأت عليه من دين وأعراف. والدرجة السادسة الضميرية، وهي أقوى الدرجات التي قبلها، لأن وازعها ذاتي وحاكم قوى في الوقت ذاته. والقاعدة أن لا تفعل ما يخالف أطر ضميرك خصوصا فيما يمكن أن يؤذي الغير أو يستلبهم. والدرجة السابعة هي العينية وهي عقود البيع والشراء والتملك والزواج وما إليه. وأغلبها الآن مكتوبة، وتعتمد العقاب القضائي العيني عند الإخلال بالشروط. والقاعدة أن تلتزم بما وقّعت عليه ما لم يستجد قاهر، وإن استجد فلابد من رضا الطرفين. وكل عقد قانون ملزم وكل قانون عقد ملزم أيضا. ولا مجتمع بلا عقود مطلقا. وخير العقد ما لوطنك عليك وما عليه لك.

 

 

41 – الناموس الواحد والأربعون: الابتهال

 

طقس تغيير الأقدار ودا. ومستشعره نقطة خارج الجسد فوق مقدم الهامة. والأصل في هذا الكون أن العابد يعرف حق معبوده عليه، والمعبود يعرف حق عابده عليه. هذا مجبول أن ينتخي دائما معبوده ليدركه، وهذا مجبول سبحانه على أن يعين عبده ولا يبخل عليه بما يستحق. ومن هنا فلا يستغني العابد عن معبوده جبلة، ولا يستغني المعبود عن عابده رحمة. وما بين العابد ومعبوده آصر ود، وكلاهما متمم للآخر، سوى أن المعبود دائم أزلي حاكم متقدم، والعابد متجدد تابع فان. وقد ابتهل الله لعباده وصلى عليهم وهو يعلم إنه لو أراد منحهم ما يتمناه لهم بما يغنيه عن الابتهال إلى نفسه لأجلهم. وقد ابتهل العباد إلى معبودهم وهم يعلمون إنما بيده القرار إن شاء منح وإن شاء منع. والعابد أحوج ما يكون إلى معبوده في ثلاث، خليلا، مرتبط به بعشق لا يدري له مبتدأ أو منتهى سوى أنه هوم قدسي جليل؛ وتبصرا، حين تنكشف له أسرار سير الكون ودقته؛ ومدركا عند الشدائد. ومن هنا يكون العابد محتاجا إلى معبوده، ويكون المعبود مستغن عن عابده إذا أراد. ومراحل الابتهال خمس، أولها تبدأ ببر الوالدين وثانيها تبدأ بالتبصر في شؤون الخلق وديدنه، والثالثة الاستعبار، والرابعة الشكر، والخامسة التوق والرجاء. وكل دين هو ابتهال أو منهج ابتهال. كلها يقبلها الله طالما لا تخالف نسق بعوثه. فابتهل إلى الله كيف شئت، لأنه يفهمك، وآنى كنت لأنه يراك، وبأي صوت نطقت لأنه يسمعك وكما نويت لأنه يعلم نيتك. وإن دلك العرف على قبلة فاستقبلها فما من قبلة إلا دلالة على أقنوم من أقانيم الله أو منبع من منابع رحمته أو منطقة بدأ بها واحدا من تخليقاته. وإن هداك العرف الموروث إلى محج فحج إليه، لأن في الحج اجتماع وفي الاجتماع ألفة وفي الألفة اطمئنان وفي الاطمئنان مبعث من مباعث الإيمان. وإن مال قلبك إلى أقنوم تعشقه فلا بأس لأن في الأقنوم دلالة على عجيب الخلق وقدرة المعبود. وإن مالت نفسك إلى تميمة فلا ضير طالماها ترققها وتذكرها بالتكوين. وأي دعاء تلوت مسموع طالما لا تتوكل عليه وحده وتبطل السعي. وأي كتاب مقدس قرأت فمقبول. وإن كان القرآن أشملها والإسلام آخرها، فلا اختلاف شرط أن تكمل ما ترى حاجة إليه من التبصر بالسرامد التي مضت والآتية منها والتبصر بحواسك وأعمال جسدك. وخير الأقانيم سيد بهاء الليل – القمر، وخير الرموز اسم الله، وخير الصلاة الصادقة الخاشعة وخير التمائم الضمير.

 

 

42 – الناموس الثاني والأربعون: الاعتبارات

 

ما يلطف أو يجمل العثرات مع أو من المحيط. والكون حقا من جبلاته الفعل ورده المساوي له قيمة والمعاكس اتجاها. إنما لو ترك الحال لهذه المسلمة فقط انتفت سمة الإنسانية الأولى وهي المرونة ولتصاعدت العداوة وانتهى المجتمع إلى حال هي ما بين ثورة مُحرقة لا معنى لها وأخرى مثلها وتفصل بينهما مراحل استراحة محاربين وحسب. ورد الفعل دفاع مشروع وجبلة. أما التخفيف منه أو التعالي عليه فإحسان أولا ودفاع مشروع عن النفس أيضا، لأنك به درأت خطرا من رد فعل على رد فعلك، لم تدر أكنت في حول عليه أم لا. ومن هنا فمثلما جبل الله النفوس على رد الفعل العيني جبلها أيضا على رد فعل اعتباري غالبا ما كان أقوى أثرا وأقوم نتيجة، ويشذب الفعل العيني ورده وهو حسي ولا تكلف معتمده الكثير. ولردود الفعل الاعتبارية ست درجات أولها سلبي منك إلى صاحب الفعل ضدك، كالتسامح والعفو والتعالي على الصغائر. وفي هذه تسلب غريمك حقده وبالتالي إمكانية استمراره كذلك تمنحه فرصة التراجع إن كان عاقلا فيتوب أو كان جاهلا فيتمادى مع شخص آخر أقوى منك أو أشر، فيعاقب بأشد مما كنت سترد به عليه. والدرجة الثانية المتعادلة، وهي أن لا ترى في المحيط عدائية وكل إساءة تطالك منه تعتبرها غير مقصودة ولا يستأهل ردها على الفاعل. وهذه حسنة ما لم تتمادى فتصبح وكأنك ذليل فتستعدي عليك الأغرار والجهلة. والدرجة الثالثة الإيجابية، وهي من غريمك إليك، متراجعا عن فعله بلطف كالاعتذار والتعويض وطلب المغفرة. وهذه يجب أن تقبلها ما لم يكن خصمك عامدا واعيا في خيانة الله والوطن والعرض. والدرجة الرابعة العامة، وتبدأ برفعة الذوق والعصامية والمصداقية والعفة والدماثة وإيفاء الدين والنذر وصدق الوعد. وهذه ضرورة وخلق حسن لك وبه أيضا تكفي الشر منك وعليك، أو تقطع طريقه، أو لا تعطيه مبررا ليكون. والخامسة البر والإحسان والكرم وهذه ضرورة أيضا وبها كذلك يعفيك الغريم عن العثرات، وتكون أنت الدائن لا المدين. والسادسة التجاوب مع مشاعر الآخر صادقا، وهذه حلم منك وروية وتقوى تحب فيها من أحبك وتحسن إلى من أحسن إليك فتجازيه بالمستطاع، ومن شاركك الهم تشاركه، ومن أبرك تبره ومن حياك تحييه بمثلها أو أحسن. ورقي المجتمعات باعتباراتها، وموتها إن ماتت ضمائر أهلها وعملت بالفعل ورده عمياء عمهاء جاهلة.

 

 

43 – الناموس الثالث والأربعون: الحزم

 

سيطرة الزعيم الواثق على الأمور وسوقها لمأرب. وموطنه الأنف والحنجرة ومرفق الابطين. وللحزم تسعة مبان كلها مشروطة بأسباب قابلة للتنمية والارتكاس. وأولها عزة النفس، وهي أنفة العفيف ونفرته لأدنى انتقاص. فلا ذليل حازم، ولا عزيز نفس يعتدى عليه. ومن لم يتعفف عن مال وعرض غيره ذل نفسا وسقط عزة. لأن الأمور فعل ورد، وأسوا الرد على فعل بغيض. وثاني مباني الحزم الاستقلال، وهو التحرر من تحكم الغير على قرارك. وليس لأسير حزم ولا للعبد التابع لمتبوع. وما لم تكن مستقلا فقرارك خادم لغيرك عائد بالنفع عليه. والمبنى الثالث اليقظة، وهي سرعة التساوق مع معطيات المحيط ملاحظة واستيعابا ورد فعل. فالأعمى الأعمه النائم عما يدور يؤخذ من حيث يعلم ويجهل. بينما يؤخذ اليقظ قهرا. واليقظة ليس مراقبة الناس هما أو التجسس على أسرارهم، لان هذا أما تطفلا أو دسيسة، ولا حزم في كليهما. والرابع الحذر، وهو تربص الوقى لدرء التورط أو المخاطر. فمن تحسب وقى واتقى فعفا نفسه وغريمه التبعات، وانصرف إلى ما عداه. و عدى ما يفرض عليك، فالوقاية من حرب خير من الانتصار بعد بدئها، وعدم إلقاء النفس في تهلكة خير من النجاة منها. والمبنى الخامس المرونة، وهي مسايرة الفعل والتحرك على مساقه قصد امتصاصه. والمرن يجهض لينا ما سيجهضه دونها في صراع يكلفه ما كان سيحتاجه إلى ما سواه. والمرن لا تكسره القساوة. والسادس العصام، وهو أن تكف نفسك فتنزهها عن الصغائر. فزرعك إن لم تسقه مات أو سقاه غيرك، وكلبك إن لم تطعمه أخلص لغيرك، وأهلك إن لم تكفهم تحسروا على ما عند الخصم أو راودهم عليه. لا تلم خصما تصيد أخطاءك أو اصطادها ولا تبك ما فرّطت فيه، ولا تأسف على ما خسرته بنزال مع خصم كريم. والسابع الرود وهو قيادة القطيع حلما ودراية. فلا رأي لمن لا يطاع ولا طاعة لمن لا رأي له، ولا إتباع لجاهل ولا طاعة لبليد. والثامن الشجاعة، وهي الاقتحام الواعي للشدائد. وما لم تقتحم لن تفوز وما لم تجسر لن تنتصر وما لم تخف الخصم بفعل عقك أو اعتدى عليك. والتاسع العنفوان وهو سرعة وجرأة اتخاذ القرار الصحيح. فما لم تعالج الأمر في وقته استفحل وما لم تأخذه بقوته تنامت عليك، وإن ترددت فاتتك الفرص. والحزم سمة الراعي في رعيته والوالد في عائلته وسمة كل فرد فيما يؤتمن عليه.

 

 

44 - الناموس الرابع والأربعون: الذود

 

هو النضال بوجه عدو. وخيره الذود عن الوطن والعرض والدين ثم الجار والآخرين. وإن ذدت عن الناس فلا تنتظر ذودهم عنك، فإن ذادوا فحسن وإن لم كفاك ما قد عملت. والذود جبلة وطبع واكتساب. ومبانيه خمسة أولها الشهامة وهي مجموع النخوة والنصرة وسرعة الاستجابة. وهي موروث في أقله وتربية في أكثره. وقد تكمن طويلا ثم تظهر بعامل ما. وقد تبقى طويلا ثم تنهار بعارض ما. وأنجب الشهامة ما تعلمه الأم لذريتها. وموطن الشهامة الصدغ الأيسر فوق مؤخرة العين. والمبنى الثاني الإعداد، وهو توفير العون لما تحسبت له مسبقا. فلن تكفي الشهامة دون ماعون وأسباب أعدت مسبقا. وخير الإعداد ما يوفى بستٍ أولها تجهيز القوة والرباط والآلة والفرسان والإخوان، وثانيتها الصبر على الشدائد والمكاره، والثالثة أن تخيف المنية وليس تخافها، فالله هو الذي خلق وهو الذي يميت وبآجال محسومة، قد تستطيع التأثير عليها إنما بما لا يؤخرها وحسب. والرابعة الإدراك أن عدوك أخوف منك منه وأحوج إلى الدعة والأمان، فاحتقره جملة وازديه حذرا. والخامسة الرد على من اعتدى عليك بما لا يتوقعه منك عنفا ومخاتلة وقسوة وهتكا. والسادسة أن تحترم قتلى عدوك وتصلي عليهم أيا كانت العداوة التي أوقعتهم. والمبنى الثالث من الذود هو الإنصاف، وهو العدل الذاتي الذي لا يستند إلى حكم خارج النفس. وغاية العدل أن تنصف صديقك وعدوك منك، وأن لا تكون باغيا بادئا بعداء. فلكل فعل رد يعاكسه اتجاها ويساويه قوة أو يزيد. والمبنى الرابع من الذود هو الاعتماد على النفس. ومسلماته أربعة أولها أن حيضك ملكك إن ذدت عنه بنفسك بقي لك وإن استعنت عليه شارككه به المستعان. والثاني أن عدو عدوك ليس صديقك، انما عدو متربص سيفرغ من عدوه بمعونتك ويرتد عليك. والأصل أن توقع بين عدويك ولا تناصر أحدهما على الآخر إلا دسيسة. الثالث أن صاحب الحيض هو الأقوى في الدفاع عنه، نتيجة الملكية والمعرفة والعاطفة. والرابع أن التوكل على غير الله خسران. وخامس مبان الذود هو الاستماتة، ومسلماته أربع أولها أن تنشد الموت لأجل الحياة. ومن استقوى عليك بآلة وقهرك فاقتله أو مت معه. وثانيتها أن لا تصفح عمن اعتدى عليك ظالما ولم يعتذر ولا تأخذ منه دية، لأنك ستفقد الله مبرر معاقبته على ما فعل. والثالثة واصل القتال حتى تبيد العدو أو تُركعه عند قدميك. الرابعة أن كل سلاح مشروع وكل طريقة تعذيب لعدوك مباحة.

 

 

45 - الناموس الخامس والأربعون:العظَمة

 

التفرد في التفوق على الأقران. وموطنها من موطن مبانيها وهي الصدغين والعينين وأرنبة الأنف والشفة العليا. والعظمة تأتي أما في أمر واحد أو اثنين أو عدة أمور دفعة فتصبح عبقرية. وهي مشروطة بأسباب أضعفها الموروث والجبلة، وأقواها السعي. وقد تظهر تدريجا حسب السعي، وقد تظهر نبوغا دفعة واحدة، مبكرا أو متأخرا. والأعظم هو الله على الأكوان وما فيها، والأعظم الذي يليه على الخلائق هو الوليد. وأعظم الوليدين وليد البشر. ومباني العظمة ستة، أولها النباهة وهي التذكر والإلمام والاستعبار واستيعاب المحيط مبكرا. والنبه يعالج الحدث بأنجع الحلول وأعجلها تأثيرا، ولا يؤخذ مبكرا قبل هدفه. والمبنى الثاني توقد الذهن، وهو محصلة الذكاء وسعة المخزون المعرفي وسعة الاستيعاب وسرعته، فيختار الجواب المناسب للسؤال المطروح أما بديهة أو بسرعة رد فعل أو من مقارنات أمامه أو في ذاكرته. وتوقد الذهن جبلة في نصفه وسعي في نصفه الآخر لذاه قابل للمنال. والثالث المثابرة وهي مواصلة السعي باجتهاد حتى توقف الحاجة إليه في المستهدف. ولابد للمثابرة من صبر وقوة عزم وتحمل وإرادة. والرابع الإبداع وهو قابلية الابتكار وحسن الصنيع من الموجود أو من المستحدث وأمره أيضا مرهون كثيرا بالسعي، فمن استوعب إبداع غيره أبدع عليه وزاد ومن ينطلق من ذاته كان إبداعه ناقصا أو تكرارا لإبداع غيره. والخامس الهدف، وهو منواك فيما تفعله. وهو حالة الارتقاء من تراكم الأسباب إلى التغيير النوعي الذي تتوقف عنده مرحلة السعي السابقة لتبدأ مرحلة السعي القادمة. ولا عظمة بلا هدف تكون عظيما عند تحقيقه. ومن لا هدف له بطل معنى المباني الأربعة أعلاه عنده. السادس المنطق، وهو المقدرة على إيصال ما أنت عظيم فيه إلى الإقران ليعتنقوه أو يروه. ولابد للمنطق أن يكون قوي الحجة واضح التأثير غني المضمون مختصرا مفيدا. وخير المنطق ما كان واضح الكلمات عميق الفكرة، وشره ما تخفى بالجناس والطباق وتوليف ما لا يأتلف. وأكبر ما في العظمة البساطة وأخطر أسرارها العزم وأفتك أسلحتها الإيمان. وأكبر ما في البساطة المقدرة وأخطر أسرارها الدماثة وأفتك أسلحتها الحكمة. وأكبر ما في العزم الرويّة وأخطر أسراره العدل وافتك أسلحته البأس. وكل حي عظيم في خلقه، لأنه من صنع عظيم وصانع أعظم وهو الله سبحانه. واسوا من يقم العظمة الذي ينظر إلى حجمها أو حجم فاعلها.

 

 

46 - الناموس السادس والأربعون:الصنائع

 

هي مسالك وأوجه السعي. وكان السعي الأول هو جمع الغذاء، وحين نضب المعين وقل تحتم البحث عن مصادر أخرى له، فكان الصيد والرعي والزراعة والحدادة ثم الطب وما تلاه من الصنائع التي توسعت وستتوسع وتظهر لاحقا صنائع جديدة. والصنائع اليوم سبعة، الأولى صنعة سعي مباشر كالبناء والزراعة والرعي والصيد والتعدين والصناعة وما إليه. وهي الأسهل لأن الفاعل فيها منفذ يعتمد جهد العضلة أو الآلة والأداة. ومردودها مباشر. وفي هذه الصنعة بذرة التطور. حيث الحاجة المتزايدة تفرض تطوير الأداة والآلة، ليتطور معها الإنتاج وتفرض قوانين وأعراف جديدة ليجد المجتمع نفسه قد واكب الحال وتطور. والصنعة الثانية البحوث وهي للتطوير العيني والإدامة والاستنباط والاختراع. ومنها الدراسات والحاسوبية وغيرها. وهي تجمع بين الملكة الذاتية وموروث ملكات الآخرين وعيا أو كتابة. ومردودها مباشر أو تال للممارسة. والصنعة الثالثة الفنون الجميلة، كالرسم والعزف والشعر والغناء وما إليه، وكلها ملكات خاصة أغلبها موروث أو منمى من موروث. ومردودها مباشر على الفاعل وغير مباشر على المتلقي منه. والصنعة الرابعة الرياضة، وهي محصلة حرفة سعي مباشر وفن جميل. ومردودها مباشر، على الفاعل وثانوي على المتلقي. والصنعة الخامسة التجارة. وهي ريع إدارة وتسويق السعي. فهي الشكل الأرقى من السعي. وهي مشروعة أصلا واكتسابا، ولن يأخذ مردودها طاقته القصوى ما لم يتحرر من القيود الكابحة المباشرة كقوانين منع الاتجار وما إليه. وخير ما ينظم التجارة حرية مطلقة وضرائب ومكس وضمان. فلا منع على نوع التجارة طالماها لا تخالف العرف. والمكس للسيادة والضريبة لتقطع منها ما يعين العاجزين. والصنعة السادسة البغاء وأشباهه. وآلتها وموقعها الأجساد وريعها مباشر. وليس خطأ أن تحدث، فقد كانت ومازالت ورافقت البشرية طوال عمرها، إنما الخطأ أن لا تعالج حيث يكون ذلك متاحا. وليس سهلا بيع جسد ما لم تكن البائعة قد استنفذت المتاح لها غيره. والصنعة السابعة العرفان، الذي يعتمد التبصر والتجلي والوحي والإيعاء. وهو مستخلص الصنعات السابقة ومحتواها وهو مراقب التطور كله وعقله المسير. وكل سعي صنعة قديرة، وكل صنعة مجادة فن جميل، وكل فن علم قائم بذاته. وكل صنعة وحيث أساسها السعي فهي إذن تنمو أو تضمحل بمشروطيات عينية.

 

 

47 – الناموس السابع والأربعون: الحكمة

 

وهي العمل بما اعتبرته وتبصرته لك ولغيرك. وهي فلسفة ما كان ويكون. وأصولها سبعة، الأصل الأول هو عرفان الله لأنه الكل والحاكم، ومن يعرف الحاكم يدرك أحكامه ونهج عمله ومن يحيط بشيء عن الكل أحاط باشياء عن أجزاءه. والعرفان ينمي ملكات النفس ويوسع المدارك ويرقي الروح فتسمو على الشخصانيات وتبدأ تتعامل ومعنى الوجود وعلمه وليس منافعه فقط. الأصل الثاني هو معرفة السرمد حيث يخضع الكل لديدانه ولا شيء يعمل خارجه. وكل شيء فيه يتحاث ويتآثر فيغير أو يتغير ومن عرفه علم بالكثير مما كان وتنبأ بالكثير مما سيكون وتوقى بعض الكارث والمباغت. والأصل الثالث هو معرفة التاريخ، فلكل زمان أناس ولكل شعب معايير ولكل أرض طبائع. ومن التاريخ تنشأ الأمثال التي هي قصص شديدة الاختصار غنية المحتوى وتمس جوهر الحياة مباشرة. الأصل الرابع معرفة الذات، فمن عرف نفسه أعطاها قدرها فسمت، أو جهلها فلم يدر من هي فحطها وانتهت. والذات تحتوي أسرار الكينونة الموصولة بالمحيط الأكبر أو الناتجة منه. والجزء يدل على الكل. وديدان النفس مدلول لديدان المحيط العام ومسارب حوادثه. الأصل الخامس الإحاطة قدر الإمكان بالصنائع وعلومها، لأنها نتيجة الخبر عما كان وما سيكون، وهي مستوعب الأسرار والمناهج والديادين. وأهم العلوم سبعة: التعبير، وهو فك ألغاز أنباء الغيب عبر المنامات. والرياضيات، وهي لغة مركزة عن أسرار الأعداد وتراكيبها. والموسيقى لغة مشفرة مختصر، في سبعة حروف وأنصافها. وكل شفرة في واقعها كم هائل من الكلام والعلوم المضغوطة إلى أقصى حد. وحيث النفس هي موجة في الحالة القصوى من التشفير والانضغاط، لذا تؤثر فيها الموسيقى التي هي من جنسها وإن كانت محسوسة. وعلم الأفلاك وهو علم تأثير الكواكب والمجرات وما ينتاب الكون من نشاط يؤثر حتما على الذات البشرية مغناطيسيا أو حراريا. والفراسة، معرفة البصمات على المقابل الحي والجماد. والأصل السادس للحكمة هو معرفة أسرار الكلام فقها وجدلا، لأنه واسطة التعامل ووسيلة إدراك المضمون والشكل والجوهر لما تريد أن تحكم له أو عليه. وكل حكيم بلغة قومه ولابد وأن يكون جهور القول واضحه معنى ونطقا، وإلا هرطق وانتهى. الأصل السابع للحكمة هو الدماثة، وهي رقة الطبع والتعامل. فما لم تكن دمثا بسيطا سهل الاتصال تُمج ولا يسمعك أحد، فتبور حكمتك ثم تذبل وتموت.

 

 

48 - الناموس الثامن والأربعون: العائلة

 

وحدة ومصدر التربية والبناء الاجتماعي. وأصلها بناء من رجل وامرأة وأطفال. فإن عقرت المرأة أو عقم الزوج، فلا بأس بالتبني. ولا غضاضة في تعدد الزوجات حتى الأربع، شرط رضاهن وتمكنه الإعالة المتكافئة. وليس في هذا اختيارية، إنما عمر الإخصاب عنده اكبر منه عندها. واحتمال عدم الإنجاب أو فشل الزواج وارد في المحاولة الأولى والثانية لكنه ضعيف مع الثالثة وأضعف مع الرابعة. والعائلة قدس الأقداس محرم قطعا تشويهها أو المس بحقوقها. ولا تكون قطعا من مثليين كأنثيين أو ذكرين. فهذا مس بالناموس والتخليق وإرادة الله. وهوى الأبنة والسحاق خلقة وجعل وموروث، وليس للذي فيه ذنب عليه. فهي قدرة الله وبلوى منه وجد المعني نفسه عليها دون إرادة. والأصل ان يعالجها ويتمنـّـع. فإن حتّمت عليه فليتستر خلقا وعرفا ولذة وجمالا. على أن لا ينسى أيضا واجبه الإنساني وهو بناء عائلة طبيعية كالآخرين. وبعد عرفان الله لا شيء أقدس من الأمومة وأقوى أصرا، وبعدها تأتي الأبوة، ثم الأخوة. وأقوى الأخوة بين أخ وأخت، ثم بين المتشابهين. وآخرها في القدس الحب بين الزوجين. وللعائلة حقوق أن لا يُهتك سترها من دخيل أو سارق أو دبّاب. ولا يشوش سكونها ما بين العصر والضحى خارج الضيافة والإقراء. ولا يطرق ذو سلطة بابها عاديا أو طالبا مطلوبا منها لسبب غير الجريمة أو لدرء جرم محيق. وأن لا يؤخذ من بينها معليها لأي سبب وإن كان مجرما دون إعالة من الدولة تكفيها نقصان كدّه. وأن لا يغيّب أحد منها ولو كان مجرما دون ضمانة السلطان على مكان اعتقاله وسببه وما يتوقع له من عقوبات وأوقات زيارته الواضحة دون لبوس. ولا يتدخل أحد في شؤونها دون رضاها كلها أو رضا الأم وأطفالها ما فوق السادسة عمرا. وأن يكون في متناولها العلاج والتعليم والرياضات. وأن تكون مضمونة المسكن وحقوق الدفاع أمام المحاكم. واجباتها، أن تنشئ أولادها على العرفان والتوحيد وحب الآصر العائلي أولا وآصر المجتمع ثانيا، وأن تلقن فيهم الأعراف والقيم والذود عن الحياض والدفاع عن الوطن ولو بالموت في سبيله. وأن تيسر لهم المعرفة أو تلقنهم على حبها، وأن تهديهم إلى صنعة فيتقنوها قبل البلوغ. وأن لا تضغط على الأطفال بما لا يرغبون ولا تخيفهم بأي شيء وتعدل بينهم، وللمتبنّون منهم حق إضافي يبر يتمهم. والمولود حتى الثامنة عشر في حماية السلطان، بما لا يضر عائلته أو يعارضها.  

 

 

49 - الناموس التاسع والأربعون: الحزب

 

مجموعة تتعاقد عرفا على وضع نهج ما حيز التنفيذ. والحزب تشكيل راق من التنظيم يفرزه تطور المجتمع ليمثل طبقة منه كاملة أو شريحة بعينها. والحزب في خمس عناصر متكاملات أولها الفكر. وهو نسخة من شرعة أو فلسفة سابقة أو خلاصة مستنبطة من التطور التاريخي للبشرية. وقد يكون الفكر علمانيا يستند إلى الفلسفة، أو دينيا يستند إلى رسالة سماوية أو مستنبطة وضعيا، وقد يكون عنصريا حين يعتمد الاختيارية الاثنية، أو باطنيا يعتمد حالة إستثناية من التطور لها تأثير ثانوي على الأحداث. العنصر الثاني للحزب هو الهدف، وهو ملخص ما يتوخاه الحزب. وقد يكون للتسلط وهو ما تطمحه كل الأحزاب التقليدية، أو للتحكم جزئيا بالقرار كحالة وسط، أو تمهيدا أو خدمة لحدث، كما تفعله عصابات المرتزقة والتدمير وما إليه. العنصر الثالث للحزب هو التنظيم. وهو ترتيب هرمي للمسؤوليات على عناصر الحزب حسب القدم والجهادية والاستيعاب. وللتنظيم ثلاثة أوجه سرّاني شديد السرية والتأليه للمراتب الأعلى، كما في التنظيمات الماسونية والباطنية والدروشاتية والعصبتية، أو سرّي به وسطية من التفريد للمراتب الأعلى ولأسس الفكر ذاته كالحالة العامة للأحزاب خارج السلطة في المجتمعات التي يشتد فيها صراع التطور، أو علني كالحالة العامة للأحزاب والتجمعات في المجتمعات المفتوحة. وخير للحزب أن يبقى تنظيمه سريا. والعنصر الرابع للحزب هو منهج العمل، وهو الخطة العامة لتنفيذ الحزب لأهدافه. وقد يكون عصبتيا يعتمد الاغتيال والدسائس ودفع الأتباع إلى مواقع القرار خفية والتحكم بالمال عموما، أو يكون غائيا يهمه أن يتنفذ دونما اعتبار للوسيلة، أو قتاليا خصوصا عند مقاومة الغزو أو أذنابه. وقد يكون اجتماعيا يعتمد النصيحة والجدل. والعنصر الخامس للحزب هو أداة التنفيذ. ولها أذرع أولها الدعاية، وثانيها التحريض، وثالثها الجدل، ورابعها المنظمات الجماهيرية، وخامسها إزاحة الخصوم مباشرة، وسادسها الوثية أو الانقلاب أو الثورة. والحزب متريّث ينحو لإبقاء الحال التي سودت شريحته، فهو محافظ أو يمين ويمثل الحكم أو أصحاب المال والعقار غالبا، وحاض على التغيير لصالح الشريحة التي يمثلها فهو تقدمي أو يساري وعادة ما يمثل المحكومين، ووسط بين الاثنين، عادة ما يمثل السواد والعسكر. ومن الأحزاب المؤقتة، لتنفيذ هدف واحد كالمقاومة أو التخريب، ومنها الدائم المستمر ما دام التطور وتناحر الطبقات.

 

 

50 - الناموس الخمسون: السلطة

 

هي آلة حكم السائد للمسود. وعناصرها ستة أولها عقد طاعة المسود للسائد، وهو طبع تأصل في البشرية خوف المجهول ودرءه، وتنظيما للسعي خارج الفردوس. وهي مقرونة بالموروث غالبا متأثرة بالسعي جزءا لذاها متغيرة قليلا ثابتة عموما. العنصر الثاني المشروطية، وتحدد العقد وتنسفه أحيانا أو تقويه. فلا طاعة لمخلوق بمعصية الخالق، ولا اتّباع لمن يسير إلى تهلكة أو خائن أو مأتمر بأمر عدوه، ولا أمر لظالم شعبه، ولا حكم لفاسق أو طاغوت. فشرط الطاعة العدل والقسطاس. العنصر الثالث التشريع. وهو تقنين حقوق الحاكم على المحكوم غالبا، والحقوق المشتركة والتي للمحكوم على الحاكم جزءا. ولا تكون حاجة الحاكم ضد المحكوم دائما. فمصلحة الحاكم العادل، أيا كان، من مصلحة المحكوم وصالحه. العنصر الرابع التنفيذ، وهو تسيير المجتمع بالقانون المشرع. وأدواته حكومة من وزراء تنتخب أو تعين مؤقتا من ذوي الرأي والحزم والمؤهلات. وهي عادة ما تكون لتنفيذ حالة بعينها ثم تنتفي الحاجة لها ليؤتى بغيرها. وأقصى ما للحكومة من المتاح هو رئيس ووزير لكل مهمة ونائبه أو نائب ثان له. أما النائب الثالث فلا يخضع لتغيير، وخير ما يكونه تابع للسلطان ذاته وهو الذي يجب أن يمثل رأس الهيكل في الإدارة. العنصر الخامس الإدارة، وهي هيكل التنظيم وعليها حصريا يتركب الحكم كله. لا يجوز الإلحاق بها من غير المتخصصين والحازمين والمدربين، ولا يجوز التلاعب بها أيا كانت السلطة الحاكمة وأي نظام أتى لحكم البلاد. ولا يجوز تغييرها بناءا على رغبة حزب أو شريحة، لأنها وسيلة تنظيم لا علاقة لها بفكر أو رأي وإنما أعضاؤها منفذون آليون وحسب. والعنصر السادس الرقابة، وهي متابعة الحال العامة سرا أو علنا، وتتم بأجهزة متخصصة أو من متطوعين يعرضون آراءهم عبر صحافة ومنظمات اجتماعية. ولا يجوز أن تطوع الصحافة لكن فيما لا يمس بأمن الدولة والأعراف والمجتمع. ولا يجوز تطويع حرية الفكر والرأي والنشر ولا المنظمات الاجتماعية. وما من سبب خلد عموما ولا هدف بقي قيد التنفيذ أكثر من نصف عقد، ولا يجوز افتراض الإخلاص في مجموعة معينة أو حزب، وصراع الطبقات وتتابعها ديدن التطور. فاللزوم ترك أمر السلطة إلى الشعب، يغيرها كليا أو جزئيا، وبإرادته الحرة دوريا، وخير الدور في خمسة أعوام. فإن مضى زمان طبقة أو دولة وأبت أن تنزاح ودا أزيحت عنفا.

 

 

51 - الناموس الواحد والخمسون: الدولة

 

خلية من أرض وسلطان وشعب وملكية ونظام إنتاج. وهي ضرورة مبكرة للبشرية ما أن تكاثرت وتخطت الفردوس الأول. وعواملها التكاثر، والزراعة، واقتسام الوفرة. وأكبر الحاجة للدولة عند صانعي الغذاء وأقلها جامعيه كالرعاة والغجر والرحّل ممن لا يحتاج إلى حدود. وللدولة خمس مراحل أولها القطيع، وقوامه سيد ومسود يمتلك الأرض التي يكون عليها في يومه فقط. وهو يخص المجتمع البهيمي الأول الذي عاش قبل الحضارة وتدجين النار، وأفراده من عائلة أو عشيرة وإنتاجه من جمع الغذاء وتملكه مشاعي وقوانينه يسيرة. والمرحلة الثانية الملاذ، وقوامه سيد ومسود وملاذ يتملكه مشاعيا، وعادة ما يكون كهفا أو قطعة من غابة يحميها ويحتمي بها وهو مرحلة تواجدت أيضا على حافة الحضارة وعند تدجين النار وإنتاجه مختلط من جمعي إلى مصنوع جزئيا بما لا يحتاج إلى آلة معقدة وتنظيم. وعلاقته الاجتماعية عشائرية خليط من خضوع مطلق للرئيس وحرية للأفراد لولا خوفهم من المجهول خارج الملاذ لغادروه. المرحلة الثالثة دولة الدار وقوامه ملكية أرض ثابتة لتجمع صغير مترابط بوشائج القربى مكتف الحاجة بعيدا عن الحضارة أو على حافتها، إنتاجه زراعي الطابع علاقاته عشائرية أبوية لا تسمح لأفراده بالكثير من الحرية. المرحلة الرابعة الإقطاعية وقوامها ملكية مستقرة لأرض وعقار من مالك هو شخص واحد أو عائلة، يسخر آخرين لإنتاجه الزراعي الطابع، وعلاقته قهرية تستضعف منتجيها أو تتملكهم وعوائلهم أيضا. المرحلة الأخيرة هي الدولة الناضجة، وقوامها سلطان وشعب متعدد الأجناس والأعراق، ومختلطة الملكية للأرض بين الحاكم والدولة والشعب، وعلاقاتها يحكمها قانون الطبقة السائدة. والدولة الناضجة هي التي تبنى الحضارة. وبناء الحضارة مرتبط بمشروطيات أولها الاستقرار الطويل الذي يفضل من السعي جهدا للتفكير والإبداع. وثانيها تعدد المصالح والصنائع الذي يقود إلى المنافسة وبالتالي الإبداع، وثالثها الحاجة الدائمة إلى مراكز بعينها للتشريع والتنفيذ والتنظيم. والدول فترات تظهر وتنتهي شكلا ويبقى جوهر الدولة واحد. ولكل دولة قانونها وأعرافها، التي إن اختلفت بالمفردات تساوت بالجواهر. والأفراد تذهب لتبقى الشعوب، والشعوب تذهب لتبقى الأمم والأمم تذهب لتبقى الحضارة، والحضارة تذهب ليبقى التاريخ.

 

 

52 -  الناموس الثاني والخمسون: المُلك

 

قميص من الله يلبسه المرء، وراثة أو تعيينا، لينظم شؤون شعبه. وعناصره ثلاثة هي الأهلية والسطوة والمال. وأهلية السلطان كمال رأي وخلق وخلقة، دونما اعتبار لعاهة. ولا يكون الملك مخالفا لشروع الله ولا حاكما بأمره فقط معرضا على أصحاب العقل والروية، ولا يكون مفضوحا بما تشينه أعراف شعبه والعالمين. وخلقة الملك زينة على صدره، كلما حسنت حسن انعقاد الرأي عليه. وليس للعاهة تأثير ما لم تعقه عن مهامه أو تقف حائلا وما يقتضيه عمله من جمع واجتماع وظهورات. وسطوة الملك بهيبته أولا وبحسن تدبيره ثانيا ونفرته ثالثا، وآلته رابعا. وهيبة الملك بجبروته وقسوته عند الضرورات. وليس الملك من ينظر شخصيا بأحوال الرعية وشكاواها، ولأ أن يديرها خارج المحاكم والقانون أو يتخطى إدارته. وتواضع الملك للعامة يجرؤهم عليه. ولا يستهين الملك بعرشه فلا يطاع. وحسن تدبير الملك بالاحتياط والاعتبار من السابقين. ونفرته بنصرته للحق ودفاعه عن المظلوم ودفاعه عن وطنه مستميتا. لا يشرك الملك العامة إلا في الجزئيات من الحكم، طالما استقرت واستقرت قوانينه، وطالما كانت القوانين نتاج الرعية ذاتها. يكفي العامة العدل والكسب والأمان. ومن تملك بثورة أعانته العامة فيها، فلا يركن. لأن هم العامة الرزق، فهي سرعانما تعود إلى همومها وتترك الملك وأعداءه. وخير للملك أن يخون عهده لملك آخر على أن يفعل ما يؤذي رعيته. والملك مطاع فقيرا كان أم غنيا، سوى أن المال جامع للجند صانع للعمران مانع لشر الاستعانة بالغير. وآلة الملك جيشه وإرمادته وأحلافه. والجيش المحترف خير من المكلف. والإرمادة العدة ورباط الخيل والإيمان. وخير الأحلاف مع ما لم يطمع بك ضعيفا ولا يهابك قويا. لأنه سيتربصك. وخير العون للسلطان وغر عدوه والإيقاع بين أركانه أو بينه وبين عدو آخر أو إيهامه بوجود عدو ينصرف إليه، وبالتجسس عليه واستباق فعله قبل أن يكون جاهزا عليك. وأسوأ الملوك من يثب وثبة الأسد ويزعل زعلة الطفل الصغير. وخيرهم من يتق الله في الخلق ولا يعتبر ملكه دائما فيتبطر ولا يراه زائلا فيرقع ويتوسل ويلجأ إلى النذور والتعاويذ. والملك يزول بأسباب ويبقى بأسباب، وهو خاضع للبداء، فمن تحسب وعمل بعناصر الملك ثبت ومن خرج عليها زال ملكه. ومن زال ملكه بقاهر كالاحتلال، فهو مخلد ملكا عند الله والناس. ومن تخضع لمحتل انتهى وإن بقي على عرشه.

 

 

53 - الناموس الثالث والخمسون: النظام

 

نوع الحكم في الدولة. وله ستة أشكال، ألوهي، سلطانه متأله وارث موروث قمعي فوق القانون والعرف والشروع وهو يجرم ولا يُحاكم، وإنتاجه مختلط ينحو إلى الملكية الخاصة. والثاني الدكتاتوري الأوحد وهو كالمتأله لكن سلطانه غير موروث، عادة ما يبطل القوانين حكما. والثالث الحزبي، حيث يكون الحكم لحزب بعينه أو حزب وحليفه، سيطر على الحكم بالقوة، وإنتاجه غالبا اشتراكي أو مخطط، غالبا ما يكون قمعيا جدا. الرابع الملكي الدستوري، ويشارك السلطان الوارث الحكم فيه حكومته ومجلس منتخب، ونمط إنتاجه مختلط أيضا. الخامس الجمهوري الدستوري، سلطانه منتخب يشارك الرئيس الحكم في مؤسسات الحكومة والمجلس المنتخب. السادس الجماهيري، لا حكم فيه لأحد بعينه، مخطط أو اشتراكي الإنتاج، قمعي فيما يخرج عن مؤسساته. وخير الأنظمة، ملك وارث موروث أو منتخب بسلطات قوية مجمدة لصالح مؤسساته، له نائب في كل وزارة وحكومة ظل للمراقبة والتقييم وإدارة الأزمات حين تفشل المؤسسات. وتحت أمرته الجيش ومجلس الحرب والبحث والأوقاف والتراث وكل ما يصادق عليه المجلس لثلاث دورات متتالية، يصبح تحت ظله لا يجوز تغييره إلا بموافقته. والسلطة الفعلية فيما عداه لحكومة منتخبة وبرلمان محدد بفترات دورية. لا مؤسسات أثنية أو عرقية سياسية الطابع، وكل الشعب يتكلم لغة واحدة. أعياده المقررة بالشروع، ويعمل خمسة أيام أسبوعيا. تحصيله المالي من الضرائب والمكس وما يتبع الدولة من تعدين وأملاك. وللمواطن فيه مستوى محدد من الدخل يضمن له مسكنا وملبسا ومأكلا وعلاجا وتعليما. فإذا قل دخله عن هذا الحد أكملته الدولة، وإذا زاد خضعت الزيادة للضريبة. وللمواطن حق تأسيس الجمعيات والأحزاب السرية والعلنية، ما دامت لا تتلقى من الخارج عونا. والقضاء هو الفصل دائما. والملكية الخاصة والتجارة الحرة ونوع الديانة والفكر كلها مصانة. وأملاك الدولة تدار منها مباشرة، أو عبر شركات خاصة. والأصل أن يقل جهاز الدولة الإداري قدر الإمكان. ويتخصص الجيش والشرطة. والخدمة الإلزامية حصة عسكرية خلال الدراسة. ويطور الجيش كافة الأسلحة والنظم القتالية. لا يسلم مواطنه أو اللاجئ لأية جهة. وتوفر الدولة للمدعي الأجنبي الضمانة القانونية والإقامة. والإعلام والنشر خاص مصان ما لا يمنعه القانون بعد حكم من القضاء. وتراقب البيئة فيه جيدا ويحافظ على مصادره الطبيعية وبالأخص المائية منها.

 

 

54 - الناموس الرابع والخمسون: السياسة

 

منهج محصلة آراء ونشاط وسلوك المحيط حاكما أو محكوما في قيادة الأمة. أنماطها ثلاثة، لين وجدل الحسنى وإرضاء، والثاني قهر وإملاء وعسف، والثالث أمر بين هذين، عادة ما يحدث حين يكون المجتمع فقيرا معدما أو غنيا مترفا. ولا ميزة لأحد هذه الأنماط على الآخر، فلكل حادث حديث ولكل حالة سياسة. وقد يضطر السلطان إلى أقصى اللين، وقد يعمد إلى أقصى الشدة، للصالح العام. وليس كل الناس سواء في القناعة والتقبل، وليسوا متساوين بفهم واجباتهم والحقوق. والخير أن يكون الأمر بين بين، وبما لا يجرّؤ المحكوم على الحاكم في غير حقوقه، ولا يجبّر الحاكم على المحكوم ظلما. والسياسة في الجوهر تعبير عن صراع تناحري بين أفكار وقناعات متضادة المصالح والرؤى أيا كان طريق التعبير عنها. ومن هنا فلها أصول ثابتة بعيدة كل البعد عن أن تكون فن الممكن. وأول أصول السياسة الفلسفة، التي لا تكون محايدة ولعامة الطبقات والشرائح، أو لا تكون محايدة ضمن الطبقة الواحدة، إلا نادرا. وثاني أصولها التنافس الذي يبطل إذا لم يسع كل طرف فيه لآن يتفوق على غيره. وثالث أصولها أنها منهج طبقة أو شريحة أو فرد، طامح للتفرد أو التسيد على غيره، ما لم يكن ضعيفا فيقبل بالآخر على مضض أو رضا تربص. ورابع أصولها أنها لسان مراحل التطور الذي حتما لا يكون متساويا ضمن مجتمع واحد. وللسياسة سبعة فنون أولها مخزون ثر من الحكمة والأمثال والعبر من أحداث التاريخ. والثاني منطق حسن وطبع دمث يحيد الحكيم ويسكت الجاهل ويقنع العموم. والفن الثالث التربص بالخصم في أن تمهد له ما يدفعه ليقع في الخطأ، أو أن تبحث أنت عن أخطائه، وتتصرف حسبما تراه، أما أن تحتوي الأخطاء فتتفضل عليه، أو تتسامح وإياها فتخجله، أو أن تهتكه بأسبابها فتسقطه. والرابع أن تعف النفس، فلا تتجسس على شخصانيات خصمك ولا تهتك داره أو أهله، ولا تفجر معه في خصام ولا تنكر أو تنشر ما أتمنك عليه، ولا تترك له خطأ عليك، وإن علم بخطأ عليك منك فاستهن به ولا تظهر أنك عابئ مطلقا. والفن الخامس إياك والابتذال، فلا تجعل من خصمك علكة على لسانك تتحدث به دائما، ولا تذكره إلا أن يذكره الآخرون، ولا تنم عليه أو تهتكه وتحدث عن محاسنه دون تصنع. والفن السادس أن تستثير خصمك دائما فتجعل من نفسك كابوسا عليه، حتى يبدأ يتقيك. والفن السابع، أترك لخصمك الكلام أولا وأقفز على حجته دائما.

 

 

55 - الناموس الخامس والخمسون: الحرب

 

فض النزاع بقوة السلاح. والأصل أن تتجنب الحرب غازيا معتديا، فيما عدى نشر لناموس أو فتح لصالح دين. خصوصا الإسلام. لأن لحروب الفتح فيه ولنشر النواميس أخلاق أن لا تقطع شجرة ولا تقتل بريئا وأشراط نصر الفتح خفيفة يكفيك من الخصم فيها قبوله بالناموس، فتكون له حقوقا عليك متساوية كالتي لك عليه. والحرب تهلكة لا تلق بنفسك أو بشعبك إليها. لكنها إذا قامت فلابد وتنهي بمنتصر ومهزوم. وسينتصر القوي ويهزم الضعيف. والحرب صنفان، أهلي حين يشتد الصراع بين شرائح أو طبقات المجتمع وممثليها السياسيين، وخارجي، عدوانا أو رد اعتداء. ولكل منهما ثلاثة وجوه. الوجه الأول الصامت، الذي تجعل عدوك فيه عاجزا استراتيجيا أمامك فلا يفكر بعدوان ولا مساعدة عدو عليك. ولا تراق به الدماء وفنونه أن تسبق عدوك صناعيا واقتصاديا، وتسلبه مكانته بين الدول أو ضمن الشعب، وتفرق صفه بالطوفنة وادفع المال لرؤوس طوائفه واسند بعضها على بعض وأوقع بين مكوناته أو أوغره على عدو آخر، وأجهد اقتصاده بسباق لا يقوى عليه، وأن تقلقه بدعاية محسوبة منتظمة لا يفوق من آثارها، وتحصن نفسك بحكم عادل ضامن للحقوق والرأي والتنظيم، مثلما تظهر قوتك على أنها قاصمة وأقوى كثيرا مما يعتقده. والوجه الثاني للحرب هو المخفي، وأساسه تخريب منتظم لمنشآت الخصم ومفاصله الاقتصادية واغتيال دوري لأعلامه من العقلاء والحكماء والعلماء، ونشر الأمراض والأوبئة وتبوير أرضه وكل ما ينهكه ماديا ومعنويا، وتترصد قوته وتتجسس عليه في كل مناحي حياته لتعد العدة الموفقة المناسبة لقوته. والوجه الثالث للحروب القتال. وفنونه أن تعمد أولا لأضعف مفاصله فتضربها ضربة شرسة ترتعد لها مفاصله القوية، أن تأتيه من حيث مأمنه فتباغته بما يفقد المبادرة، وأقس في القتال واستشرس حد الاستكلاب فيخبر الفارّون من جنوده إخوانهم فينشروا الرعب بينهم، وكل سلاح لك مشروع وكل طريقة مباحة وكل حيلة وكل مخاتلة. لا تهب صورته واجعل صورتك بعينه أقبح وأرعب من عفريت، ولا تراع لغير موتاه حرمة، انزل به القصاص مضاعفا مثنى وثلاثا ورباعا حتى تقر نفسك وترى ضحاياك استبشرت لثأرك لها، لاحق عدوك حتى يستسلم وإلا فلا تطفئ ثأرك عليه حتى تأخذه من أجياله اللاحقة. وهدف حربك تحقق إن أبدت العدو أو أركعته للاستسلام أو منعته من تحقيق هدفه، وهذا أضعف النصر.

 

 

56 - الناموس السادس والخمسون: الاستشهاد

 

الانتحار بالعدو حين تعجزك منعته في المواجهة. وهو غاية النبل وأقصى الجود ومنتهى الشجاعة وأرقى درجات الجهاد. وقد وهب الله الاستشهادي خمسا لم يهبها لغيره. فهو أعطاه بعضا من جبروته يضرب بها ويذود عنها. والثانية أنه أعلمه بميقات المنية فجعله يحتاط بالاستغفار والتشهد وصفاء القلب حبا باللقاء. والثالثة أنه استثناه من ألم الاحتضار فهو ينتقل إلى الآخرة خطفا ولازالت أحاسيسه الدنيوية لم تهفت بعد، فيعيش الحالتين حالة الدنيا وكأنه بين أصحابه وأهله يودعهم ويرى اثر صولته على العدو فيفرح بأنه آلمه أيما إيلام، وحالة الحياة الآخرة وسعادتها وسموها فيقارنها بحياته الدنيا التي كانت فيكون راضيا حامدا الله على ما هداه إليه. والرابعة أنه أعفاه عن الحساب، وقد دله على أعلى درجات الجهاد. والخامسة طوبى القربى عند العرش العظيم خالدا قانعا مرضيا، بمنزلة أعلى من الشهيد ودون النبي. وللاستشهادي نفس لها خمس خصال لابد وترقى إليها قبل تنفيذ واجبه. الأولى أن يكون صادق العرفان بالله، عارفا حقه على الله وحق الله عليه ويعلم أن الله حقيقة عينية يرافقه ملاكه من قراره الاستشهاد حتى استقراره في الخلد. والخصلة الثانية يقين منه أن الموت حق ومدرك المرء عاجلا أم آجلا، فخيره إذن ما كان دفاعا عن عقيدة ووطن. والثالثة رباطة جأش عظيمة عنده فيقتحم حصون العدو وإرمادته وعيونه دون انفعال يثير شكوك ولا تغير سحنة فيقتل أو يمنع من الوصول إلى هدفه. والخصلة الرابعة عداء مستعر فيه على العدو، فلا ينطقئ إلا بإهلاك العدو ولو بالموت معه. والخصلة الخامسة وعي كامل عنده وصفاء ذهن فيميز، وهو على عتبة الموت، أفضل لحظة وموضع للفتك والإيلام. والاستشهاد سلاح فتاك لثلاثة الأول أنه وحيد الجانب في الحروب. فلا يكون من المعتدين الظلمة استشهاديا ولا بين الغزاة المحتلين ولا الطواغيت. وهو فقط متوفر عند المظلومين المستضعفين المؤمنين المدافعين عن قضية عادلة نبيلة. والسبب الثاني أن العدو لا يتوقعه ويأتيه من مأمنه ومخوفه، فيثير فيه الرعب والهلع العظيمين، لو بمجرد مشاهدة الاستشهادي قادما إلى هدفه. والسبب الثالث أنه يفقد العدو كل تفوقه الآلي والعتادي، لأنه يلغي الإرماة كلها ويعيدها إلى القتال البدائي أي نفس مجردة مقابل نفس مجردة، فلا يعود أثر لما تحصن به العدو من إرمادة منحته شجاعة ومأمنا. وخير كنية للاستشهاديين – الطير الأبابيل.

 

 

57 - الناموس السابع والخمسون: ومضة اليأس

 

هي صحوة الآفل الأخيرة. وكل منظور ما أن يبدأ حتى تعمل أسباب نكوصه وارتكاسه بالفعل حتى تهيره وتنهيه. والعود يشتعل فيضيء وقد بدأ استهلاكه لنفسه، وفي آخر ما تبقى له يتحول بصيصا ثم يبدأ البصيص بالاحمرار والسطوع حتى البياض، وكأنه يستغيث أو ينادي إلى الانبعاث، ثم ينطفئ فجأة ويرمد مرة وإلى الأبد. ومثله الأمم والشعوب والحضارات. ولا حول على هذا ولا إيقاف لأنه مشروط بالتطور الذي هو ديدن السرمد وأكوانه. وجوهر ومضة اليأس في ثلاث أولها أنها إشارة على احتضار ناموس أما أن ينتبه معتنقوه فيحيوه مجددين أو لا فيموت. والثانية أنها تصاحب شدة وبلاء عظيم كأنه فوق الاحتمال فتسقط الأعراف وتنتهي القيم ويسود السفلة ويتجبر اللصوص ويتباهى الأنذال بما يفعلون. الجوهر الثالث أنها إيذان ببدء ناموس وحال جديد ونداء جهور للنهوض لمن صبر على البلاء وواجهه صادقا، ليحمل إلى العالمين ناموسا جديدا أقر الله نشره على سيوفه وخيوله. ولتحمّل البلاء ومقاومته عشرة فنون، أولها إماتة القلب ليقتل الخوف، وثانيها التوحش، في أن تحزن على المصاب حزن المفترس البهيم لحظة ثم يعود إلى جبلته عاديا متلذذا بلحم خصمه. وثالث الفنون أن تغلق مشاعرك عن المحيط فلا تأبه لما يأتيه السفلة والرعاع ممن استقوى بالعدو أو استفرد الشعب إنما تسجلها للقصاص مقابل أن تفتك بأعز ما يملكون فلا يهنأون بسرقة ولا تسلط. والفن الرابع أن تمر على فتنة محتملة مر الكرام، فترى ضحاياها، ولو من أهلك، متفرجا وحسب. والفن الخامس أن تلهم النفس على قتال كالملائكة والفرسان والعفاريت والعقارب معا والتماسيح، وعدوك أخوف منك منك منه. والفن السادس أن تقلب المعادلة فتلجأ لأبدأ وابسط السلاح، فتجعل إرمادة العدو ثقلا عليه. الفن السابع أن تشتت العدو فتنقل مواقع القتال دوريا فلا تجتمع بأرض فتساعده تقنيته عليك، وأن تثخن جراحه المعوقة أكثر من أن تقتله لأن الجريح المعوق دعاية متحركة لك عليه، وخسارة عليه أكبر مما لو قتله. الفن الثامن أن تضرب معين عدوك فتحرمه عون أرضك ومالك عليك ولا تستحرم ولا تتهيب فيد الله معك وجبروته على عدوك. الفن التاسع، لا تقبّل العدو أو أي أعوانه إلا إذا كانت خدعة لتنهش أسنانك في عنقه، ولا تصافحه إلا تآمرا لتدس السم الزعاف في يده. والفن العاشر، عاقب دولة أعانت عدوك عليك ولو بالنصيحة. فمن أراد لك الموت لا تمنحه الحياة. 

 

 

58 - الناموس الثامن والخمسون: الطي

 

إغلاق الخلق. وهو مبتدأ وخبر وشرط ومشروط وضرورة وتطور. ولا يترك الربّ عبده دون توجيه أو غوث عند مكروه، ولا يقوم أمر عبد قطع الوصل وربه. والربّ واحد والعباد أجيال لكل منها فهم ومعايير ولسان وسبل للفهم والتصديق. والبهيم خادم للبشر وسعيه محصور أغلبه ببناء جسده وتكوين خلفته وما ينتجه لغيره، وليس له هدف، كالذي للبشر في أن يسبر أسرار الكون. وحسب البهيم قوته، الذي لا يحتاج إلى كثير معرفة ولا متغيرات، فهو إذن لا يتحمل عبئا لبناء ولا ذنبا على خطل. بينما اتسعت حاجة البشر واقترن سعيهم بالمعرفة. ومصادر المعرفة الثلاث، الإلهام والموروث والسعي كلها تراكمية مشروطة بالتاريخ والأفلاك وأعمار الكون، وهي إذن عرضة للبطء والسرعة والتوقف أو الارتكاس، فتعدل لتتوافق وميزان المحيط، أو تطوى حين لا يرى الخالق في التعديل جدوى. ولكل شيء مفتاح طيّه وموته. ولا يحتاج البارئ للتدخل في صغائر الطي. وللطي خمسة أوجه، أولها التحذير، حين يخرج عن الناموس قوم أو أمة تبطرت على نعمة أو غايرت المحيط بأعراف لا تتوائم ومعاييره، لذاها تطوى فلا تعدي المحيط ولتكون عبرة لمن عرفها واللاحقين. والثاني المحق، وهو أوسع من الأول ليشمل الطي حضارة كاملة ليبدلها بحضارة دخيلة أو تتطور من عامرين آخرين. والوجه الثالث المحو، ليشمل الطي الحضارة وما معها من الجماد فلا يعود لذاكراها وجود ولا يعرفها اللاحقون إلا قصصا وخرافات. والرابع النسف فتنسف شعوب وأمم بجغرافياتها وحضاراتها على قارة أو أكثر، ولا يعود لهم من ذكر عدى المتحجرات. والخامس الانهيار، لتنهار الحياة كلها على الكوكب بكارث أو نازل فلا يعود من الأولين أثر مطلقا للتالين لتبدأ الأرض رحلة جديدة لبناء الحياة. وسبل الطي سبعة، أولها الإعقام، وثانيها الوباء، وثالثها الحروب، ورابعها إركاس المناخ، والخامس الحرائق والسادس الطوفان، والسابع التصادم بالنيازك أو الكواكب. وكل طي مبتدأ لتخليق ما دام للخالق رغبة. سوى أن في النيازك والتصادم بين الكواكب والمجرات خلط لمادة الكون وتلاقح فيما بينها وامتزاج ليكون التخليق الناتج بعدها أصلب عودا وأقوى ثباتا وأغنى محتوى. وإذ يقصر العقل البشري عن الإلمام بما سبقه من الطيّات، ففي ذرات معينة من جسده مراكز تحمل شفرات عالية التردد لو مرت على مقر محدد في وعيه قرأ ما كان في الطي السابق أو الطيات التي سبقته من أحداث وأسرار.

 

 

59 - الناموس التاسع والخمسون: المخـَلـّص

 

وسيلة الدارك وعونه إلى المدروك. ولكل أمة مخلّص مهدي يبعثه الله ليعيد الديدن الأساس إلى مساره فينشر هو جنده وأتباعه ناموسا جديدا إلى العالمين سلما أو على نصال السيوف. ومهدي البدء إيليا، ومهدي سومر سين، ومهدي إيزيد طاؤوس والمنداء عاذيمون والهود إيلياء والنصارى المسيح والمسلمون ينتظروه ليعرفوا اسمه. وللمهدي المخلص سبوق - شارات منها كثرة الوباء ومنها اختلاف البيئة، أو تغير أفلاك، أو رياح شمسية أو نيزكية غير مسبوقة. ومبررات ظهوره واحد من ثلاث، أن تتجاوز الحضارة مداها لتبدأ انهيارها ذاتيا نحو الحضيض فتعطل أعرافها التي بها سادت وانتشرت وتختلط الأمور فيظهر المخلص لينقذها فيعيد مضمونها إلى أوجه الجميل الأول. الثاني بلاء عظيم عن غزو أو فتنة، فيسود القوم ألأمهم وأنجسهم وتصبح السرقة مذهبا والزور عرفا والبطش أمنا والخيانة نبلا فيظهر المخلص ليحق الحق وينشر ناموسه الجديد. الثالث بعد طي، أي حين لا يكون العلاج ممكنا، فيظهر المخلص ليعجل الطي فيخفف البلاء، ويأخذ بيد النشء الجديد. وظهور المبعوث ليس شرطا لنجاحه في مهمته، ما لم تكن الأمة قد حاولت بنفسها الإنقاذ وعجزت لأن المحنة فوق طاقتها، وما لم يتواجد منها فتية عركوا المحنة وعركتهم فحملوا أرواحهم على أكفهم متساويا عندهم الموت أو الحياة مقابل النصر. واختيار المخلص ابتلاء وبداء. فإن اكتملت الشروط والسبوق، فيختار الله شخصا من بين عامة فيبتليه بمحن وأباطيل وأعداء فإن صمد حامدا شاكرا على الخير والمكروه مجاهدا لا يُفت عضده، كلفه بالخلاص. وإن أخل المكلف أو انتفت الشروط أبدى لله فغيره أو أجّل ليمضي زمن المختار الأول فيختار الذي يليه. ولا تُسبر حكمة الله فيمن يختار، فقد يكون من علية قوم أو عامتها وقد يكون مؤمنا وقد يكون ورعا. فمن جرّبه الله وعرف أهلية إدراكه واستيعابه وصونه للأسرار، دعاه إليه، وأنبأه عن الغيب والملكوت مما يعينه في مهمته. ومن رأى الله منه فوق هذا عزما وبأسا وشجاعة وجهادية وقناعة، حمله ناموسا إلى البشر. إنما لا يكلف الناقص العقل والخلقة الرعديد. وليس للمخلص من ذاته غير رمزه. لأنه رسالة تبقى وتذهب النفوس. ومخلص شنعار هو الملاك سين الأقنوم قمر ذو الهالة المقه بهاء الليل شبّر مخصب الأرحام أنيس الحائر دوموسين المنقذ العِجل المساعد خليل الله ورسوله المهدي المخلّص الأمين. وقد أزف موعده، فهيا أيها الجنود.

 

 

60 - الناموس الستون: شنعار

 

أرض الله المقدسة. كانت الهيولي وكان العماء وكان الماء وروح الله يرفرف عليها. فابدى أن يبدأ خلقا جديدا، فاختار بقعة رسمها مقدما، ليكون معينها كالرحم رأسه شط العرب وقناتاه دجلة والفرات، فهي الرحم الأول. وسماها باسمه شنعار فهي الاسم الأول بين الأكوان. وكانت الرتق الأول ففتقها وفصل السماء عن اليابسة فهي الفتق الأول للتحليق، وملآ  السماء واليابسة ملائكة من شتى الأصناف يروحون إليها يمدونها بشفرات التعاليم والبصمات والتراكيب، ويغدون منها إليه بالنتائج، فهي السرّة الأولى. وآنس اليابسة بالأحياء والسماء بالكواكب فهي الدنيا الأولى، واتخذها مقرا لعرشه فهي دار الخلافة الأولى في الكون، وفيها بنى جنته فهي أول فردوس في الكون، وأرسل ملاكه سين فهي أول مهبط الرسل، وحمل من طينها إليه، فهو أول وآخر طين يصعد إلى السماء، فجبل منه تمثالا على صورته، فمنها جبلة أول تمثال على صورة الله، وأحياه وصارت روح طينها في كل حي بعده، ثم أعاده إليها فهي أول أم في العالمين. ما نبي إلا من شنعار، وما صالح إلا يم شطرها، وما من ناموس إلا ابتدأ منها أو تكون عليها وانتشر إلى العالمين. وكل مرة يطوي الخلق منها وعليها، وكل مرة يعيده منها وعليها. ما من مخلص مهدي إلا هبط عليها حاملا أمر ربه ونشر وحكم، ثم عاد حاملا نتائج ما كان. هي الوحيدة التي كرمها الله فحكمت العالم ست مرات، والسابعة قادمة، لتنشر إلى الخلق ناموس الجدلان، الرضوان، الكفيان، للنفس والديدان. عليها ولد آدم وموسى إبراهيم وحزقيال وعزرا وزرادشت وماني وعيسى بن مريم الناصريا. ومن نليها ومن نبطها نشأت قريش عشيرة آخر الرسل والأنبياء على الأرض، محمد بن عبد الله. منها الحضارات وعليها كانت القصص. فيها الأسرار ومنها النشور. رضاها من رضا الله وأمرها من أمره من أحبها أحبه الله ومن اعتدى عليها ظالما غازيا، أو دنس ترابها الظاهر واتى ما لا ترضاه ويرضاه، أما يضربه بوباء غريب مهين، أو يصيبه جشع يتمنى الموت إثره ولا يناله، ويجوع رضيعه فحليب عشرة أبقار وعشرين عنزا وثلاثين نعجة لا ترويه أو تشبعه. يبكي، فترجو أمه أن تسقيه دمها ولا تستطيع، فيموت ويليه الذي يليه ثم تتلوه الصبيان والكبار فيقطع نسله ليموت الوالدان حسرة كمدا الأم منبوذة والأب فريدا وحيدا بين شانئيه، إلا أن يرحمهما الله بحوبها فيستشهدان. ومنها المخلّص وحمايتها واجب المؤمنين المتسابقين لإحدى الحسنيين. 

Comments are now closed for this entry